02 مارس, 2026

ملتقى الجامع الأزهر يناقش وسطية الإسلام في مواجهة دعوات التطرف ‌

 
أ.د/ مجدي عبد الغفار: الذِّكر الصحيح وفهمه أساس صناعة الفكر الوسطي
أ.د/ محمد صلاح: الأزهر جَمَعَ بين الثوابت والمتغيرات فحَفِظَ للأمة توازنها
عقد الجامع الأزهر، اليوم الإثنين، في الليلة الثانية عشرة من شهر رمضان المبارك، عقب صلاة التراويح ملتقى الجامع بعنوان: "وسطية الإسلام في ظل دعوات التطرف"، بمشاركة: أ.د/ مجدي عبد الغفار، رئيس قسم الدعوة بكلية الدراسات العليا، أ.د/ محمد صلاح، رئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، وقدَّم الملتقى أ/ حسن الشاذلي، المذيع بالتليفزيون المصري.
وقال الدكتور أ.د/ مجدي عبد الغفار: إن الوسطية في الإسلام ليست اختيارًا، ولكن وسطية الإسلام هي الوصف الذاتي للإسلام، فالإسلام في وصفه الذاتي هو الوسطية، ليس اختيارًا لنا؛ لذلك يقول الله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا}، وسطًا عدلًا، وخيرة الوسط ما كان عدلًا؛ لذلك ننطلق من مفهوم الوسطية الذي ينبغي أن نجتمع حوله ونحن نرى المغالين وأيضًا نرى المفرطين، ونحن ما بين الدائرتين لا إفراط ولا تفريط، ونعيش بفهم ما جاء به القرآن وما جاء به سيد الأنام، لكن بفهم صحيح، وأنا أقول: "من أراد وسطية الفكر، فعليه بصحيح وفَهْم الذِّكر".
وأوضح رئيس قسم الدعوة بكلية الدراسات العليا أنه إذا وجد صحيح الذِّكْر وفهمه، وجدنا وسطية الفكر. أما الذين غالوا في فَهْم الذِّكر، فقد حدثت عندهم شطحات في الفكر، فغالوا في مواطن عديدة، وارتكبوا بالمغالاة جرائم كبيرة؛ فكان الانطلاق من وسطية الفكر من خلال الجامع والجامعة، في الأزهر الشريف، ومن خلال المناهج التي تدرس بين جنباته؛ لنأخذ بأيدي الناس إلى طريق الله المستقيم بوسطية تامة، مشيرًا إلى أن الدعوة التي تحمل الوسطية خطابها خطاب تسبيح، ولا تعرف خطاب التقبيح، والدعوة خطابها خطاب تأثير، ولا تعرف خطاب التكفير. كما أن خطابها خطاب الاحتواء، ولا تعرف خطاب الإقصاء؛ وذلك انطلاقًا من كتاب الله، ومن خلال سُنَّة رسول الله ﷺ؛ مصداقًا لقوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ}.
وبَيَّنَ فضيلته أن الوسطية تكون بين الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وكما يقول شيخنا الغزالي: "الذي يقوم بترهيب الناس لا يُخرِج إلا شخصًا مرعوبًا، والذي يقوم على الترغيب فقط، لا يُخرِج إلا شخصًا متساهلًا، فالإسلام يجمع بين الاثنين، بين الترغيب والترهيب؛ لذلك الدعوة في وسطيتها تدور بين الإحسان قبل البيان، والترغيب قبل الترهيب، والتيسير لا التعسير، والتربية لا التعرية، فنحن نريد أن نُربي بكتاب الله وبسُنَّة رسول الله ﷺ، لا نريد أن ننطلق على الناس لنعري الناس، ونكشف ظهور الناس، ونكشف عورات الناس، ولكن عنوان دِيننا أن يأخذ المستقيم بيد السقيم.
ومن جانبه، أوضح أ.د/ محمد صلاح أن الأزهر الشريف الذي بُني قبل أكثر من ألف عام وصار منبرًا لنشر الإسلام ولتعليم الدين، كانت معه في ذلك الوقت مدارس وجامعات أخرى تعرض الدين، لماذا استمر الأزهر؟ ولماذا لم يستمر غيره من هذه المدارس التي ربما أنفق عليها إنفاق كبير؟ والتي ربما رُوِّج لها ترويجًا، والتي ربما نصرها السلطان نصرًا، لكن هذه المدارس كانت تظهر وتأتيها فترة تعلو، ثم تهبط، ثم تنكمش، ثم تزول، لكن الأزهر منذ ألف عام وهو يبث الدِّين، والسر في ذلك هي الوسطية التي اتخذها الأزهر، فالأزهر لم يتخذ مذهبًا فقهيًّا معينًا يدعو الناس إليه، ويكون مذهب الدولة الرسمي، ويكون مصدر القوانين، ويكون أسلوب التعبد، بل كنا نجلس في الأزهر نتعلم، تجد هذا شافعيًّا، وهذا حنفيًّا، وهذا مالكيًّا، وإذا لم نجد حنبليًّا في كلية الشريعة، كانوا ينفقون بدلًا ومكافأة لمن يلتحق بالمذهب الحنبلي؛ حتى تتكامل مذاهب أهل السُّنَّة، ونجلس معًا لا فرق بين هذا ولا ذاك، فلم نجد إقصاء، ولم نجد تصغيرًا من قيمة أحد، بل وجدنا في الأزهر الانفتاح على جميع المذاهب، فتجد الأزهري ليس حافظًا فحسب، وإنما بجوار حفظه يُعمِل عقله، فعندنا مواد: المنطق والبحث والمناظرة وأصول الفقه، وهو العلم الذي ازدوج فيه الرأي والسمع، واصطحب فيه العقل والنقل.
واختتم رئيس قسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة بالتأكيد على أن مشايخنا كانوا يقولون لنا: إن دراسة الفقه وحده ربما تُقسِّي القلوب، فكنا نجد مع دراسة العقيدة والفقه، الأخلاق والتصوف، كما تعلمنا في الأزهر أنه لا تكفير ولا إقصاء، فهذه المعاني كلها هي الوسطية في أسمى معانيها، وأننا لا نُقصي أحدًا، وأننا لا نعتمد مذهبًا واحدًا، كما تعلمنا في الأزهر أن نجمع بين الثوابت والمتغيرات، فعندنا قطعيات وعندنا ظنيات، فمن قصَّر في القطعيات ضيَّع الدين، ومن غالى في الظنيات وحوَّلها إلى أصول وقاتل عليها، فليس من الأزاهرة وليس من المنضبطين، مضيفًا أن المسائل المجمع عليها كمسائل الميراث مثلًا، من يعبث فيها، ومن يحاول أن يجعلها كفروع الدين الذي يقبل الرأي والرأي الآخر، فهذا يضيع الدين، وتعلمنا في المقابل أن عندنا فروعًا، وهي التي تُسمى ظنيات، وربنا هو الذي أنزلها هكذا، وكان قادرًا أن يُنزل نصوصًا قطعية لكل مسألة من مسائل الدين، فتطرف البعض وحادوا عن الوسطية لما أرادوا أن يجعلوا هذه الفروع أصولًا، لما أرادوا أن يحملوا الناس على قول واحد، فهذا تضييع وبُعْد عن وسطية الإسلام

كلمات دالة:
الأبواب: الرئيسية