"الترسيخ العلمي" بالأزهر يعيد الاعتبار للمنهج الأصيل في دراسة التراث
الاقتصار على المختارات لا يصنع عالِمًا ويُضعف التكوين العلمي
رئيس جامعة الأزهر يدعو إلى إحياء المنهج التراثي الكامل في بناء العلماء والباحثين
وجه الأستاذ الدكتور/ سلامة جمعة داود، رئيس جامعة الأزهر، الشكر الجزيل لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف برئاسة فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر، وإشراف: أ.د/ عباس شومان، أمين عام هيئة كبار العلماء؛ لعنايتهم برفع المستوى العلمي للسادة الزملاء أعضاء الهيئة المعاونة من المعيدين والمدرسين المساعدين بجامعة الأزهر، ولكل راغب في العلم والمعرفة، موضحًا أن هذه العناية في جوهرها عناية بمستقبل التعليم في الأزهر الشريف؛ لأن تأصيل الأستاذ ورفع كفاءته يعود على الطلاب، فكل عناية بالأستاذ إنما هي في حقيقتها عناية بالطالب؛ لأن الأستاذ هو صانع الأجيال، وهو مفتاح النهضة في البلاد.
وأوضح رئيس جامعة الأزهر -خلال كلمته بحفل افتتاح البرنامج العلمي الموجه إلى أعضاء الهيئة المعاونة بجامعة الأزهر، والذي تعقده هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف تحت عنوان: "الترسيخ العلمي في العلوم العربية والشرعية"- أن هذا البرنامج العلمي يقوم على شرح الكتب الأصيلة في تراثنا الإسلامي والعربي شرحًا وافيًا للكتاب كله لا لمقتبسات ومختارات منه ، وهذا هو المنهج القويم الذي خرَّج به الأزهر الشريف علماءه الكبار الذين ملأوا طباق الأرض عِلْمًا، وليس بأن نكتفي من كل كتاب بمقتبسات ومختارات يسيرة؛ فنكون كمن يقطف من كل بستان زهرة، ويأخذ من كل نبع قطرة؛ لأن هذه المقتبسات المتفرقات، والأشتات المجتمعات، لا تُخرِج عالِمًا ملء العين والسمع والفؤاد، ولا تبني باحثًا، وهل يستقيم في منطق العقل السليم الراجح أن يكون الثوب المرقع مائة رقعة كالثوب الخالص البارئ من الترقيع والتلفيق والتمزيق؟
وبيَّن فضيلته أن قدرًا كبيرًا من أسباب الضعف والوهن الذي أصاب حياتنا العلمية مرده إلى ضعف التأسيس والتأصيل؛ فنشأت أجيال ضعيفة لا تعرف من الكتب إلا أسماءها، وكأن من حفظ أسماء كتب العلوم حفظ العلوم؛ فصار الخريج كالطبل الأجوف، يدندن بأسماء الكتب ولا يعرف محصولها، فضلًا عن أن يخوض لججها، ويغوص ليستخرج لآلئها، ولا يحدثك عن الغوص إلا الغواص الماهر، والخريت الخبير أدرى بالمسالك في المفاوز المهلكة التي تبيد فيها البيد، ويضل فيها الذكي والبليد، ولله در التنزيل العزيز؛ قال جل جلاله: {الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}.
وأكد فضيلته، أن هذا ليس بالأمر السهل الهين، بل هو محوج إلى شحذ همم طلاب العلم واستنهاض عزائمهم؛ ولذا كان أبو العباس المبرد يهول هذا الأمر ولا يهونه، ويقول لطالب العلم: إذا رام أن يقرأ عليه كتاب سيبويه: "هل ركبت البحر؟" استعظامًا لما هو مُقدِم عليه؛ حتى يتأهب له، ويأخذ له عدته، ويسعى له سعيه، ويتفرغ له، ويُقبِل بِجُملته عليه.
وتابع رئيس جامعة الأزهر، أن تعامل الباحث مع الكتاب على أنه "مرجع" يقتبس منه قبسة عند الحاجة، ويحسو منه حسوة كحسو الطائر الفزع، ثم يلقيه ويمضي- هو الذي جعل حياتنا العلمية كمعارض الأزياء، نتفاخر فيها بالصور والرسوم والأسماء، ما بين مُكثر ومُقل، لا بما تحت الأسماء من حقائق وتفاصيل وجواهر، وصار التفاخر بكثرة ذِكْر المراجع لا بكثرة ما ينتجه العقل من كده وكدحه، وما يستنزله الفكر من صوبه من كثرة جهاده وطول صبره وحسن قراءته لهذه المراجع؛ فغاب عنا من العلم شقه الأنور، وهو إنتاج العلم، وهو الذي تقاس به العقول، ويوزن به الرجال، وتثقل به كفة الميزان؛ حتى يوزن العالم بألف، وحسن الاستنباط هو الأصل الذي عليه المعول، وهو الذي "تتحاك فيه الركب، وتتباين فيه الرتب" كما كان يقول جار الله الزمخشري في مقدمة كشافه.
وشدَّد فضيلته، على أن جامعة الأزهر قد حرصت على إحياء الأقسام العلمية بقراءة كتب العلم ومدارستها؛ ليستفيد من هذه المجالس كل جالس، ويعود النفع على المعيد والعميد، والمفيد والمستفيد، وبين المعيد والعميد جناس قلب؛ تفاؤلًا للمعيد أن يكون عميدًا، وتذكيرًا للعميد أنه بدأ معيدًا، والعلم لا يعرف الألقاب، وإنما بما تنطوي عليه الألقاب من جواهر العلم وكنوزه، ورحم الله البارودي الذي غاص عن هذا المعنى؛ فقال: منحتك ألقاب العلا فادعني باسمي * فما تخفض الألقاب حُرًّا ولا تُسْمي.
واختتم فضيلته، بتوضيح أن إدارة الجامعة سوف تدرس عقد اختبار في كلية الدراسات العليا للحاصلين علي هذه الدورة بمعرفة الأساتذة الذين قاموا بالشرح والتدريس فيها، وأن النجاح في هذا الاختبار سيكون كالنجاح في "اختبار كتب التراث لمرحلة العالمية الدكتوراه"، الذي تعقده كلية الدراسات العليا بالجامعة، وأن هذا النجاح يؤهل لمنح درجة العالمية الدكتوراه كنظيره في كلية الدراسات العليا، وسوف يعرض هذا الموضوع على مجلس الجامعة بإذن الله تعالى لمناقشته.