13 مايو, 2026

ملتقى السيرة النبوية بالجامع الأزهر "بلال بن رباح" نموذج خالد للصبر والثبات.. ورسالة الإسلام في المساواة والحرية

ملتقى السيرة النبوية بالجامع الأزهر "بلال بن رباح" نموذج خالد للصبر والثبات.. ورسالة الإسلام في المساواة والحرية

عقد الجامع الأزهر، اليوم الأربعاء، اللقاء الأسبوعي لملتقى السيرة النبوية، تحت عنوان: "المبشرون بالجنة من الصحابة الأجلاء"، بحضور: أ.د/ كرم عبد الستار، عميد كلية البنات الأزهرية بالأقصر، وأ.د/ السيد بلاط، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية، جامعة الأزهر، وأدار الملتقى الدكتور/ محمد مصطفى، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.

في بداية الملتقى، قال الدكتور/ السيد بلاط: إن من بين الصحابة الكرام الذين بشَّرهم النبي ﷺ بالجنة سيدنا بلال بن رباح، الذي عرف بكثرة الاستغفار، وطهارة القلب، وعدم حمل الغِل أو الضغينة لأحد، موضحًا أن طهارة القلب عليها مدار فلاح الإنسان؛ قال النبي ﷺ: "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب"، وقول الحق سبحانه: {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}، كما عُرف سيدنا بلال بالصدق في القلب والفعل، وكان ملتزمًا بقول الله تعالى: {وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}، إلى جانب ما اتصف به من شجاعة وإقدام؛ حيث كان من أوائل من أعلنوا إسلامهم في مرحلة الدعوة السرية، وتذكر المصادر أنه كان من العشرة الأوائل دخولًا في الإسلام، كما شهد جميع الغزوات التي بلغت سبعًا وعشرين أو ثمانيًا وعشرين غزوة مع النبي ﷺ.

وأوضح أستاذ التاريخ بجامعة الأزهر، أن سيدنا بلال بن رباح عُرف كذلك بالأمانة المطلقة؛ إذ تذكر المصادر أنه كان خازن رسول الله ﷺ والمسئول عن توزيع الأموال، كما اشتهر برجاحة العقل وكثرة التفكر، وهو ما ساعده على الدخول في الإسلام؛ حيث كان يتأمل حال الأصنام التي كان يعبدها قبل الإسلام، ويتساءل عن جدواها؛ الأمر الذي جعله يميل إلى تركها ورفض عبادتها، حتى إنه كان يذهب إليها خلسة ليسفهها ويعيبها لعدم اقتناعه بها؛ ولذلك عندما دعاه النبي ﷺ إلى الإسلام أسلم على الفور؛ لأن قلبه كان مهيأ للإيمان؛ لذلك قال النبي ﷺ: "السُّبَّاقُ أربعة: أنا سابق العرب، وبلال سابق الحبشة، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس"، مبينًا أن سيدنا بلال تعرض بعد إسلامه لأشد ألوان التعذيب على يد أمية بن خلف، الذي أخذه بعد أن أعطشه يومًا وليلة، ثم طرحه في حر شمس مكة مجردًا من ثيابه، ووضع على صدره صخرة عظيمة ليصرفه عن الإسلام، إلا أنه ثبت على إيمانه وكان يردد قولته الشهيرة: "أحد أحد"، حتى خلد التاريخ الإسلامي هذه المقولة رمزًا للتوحيد والثبات على العقيدة.

وأشار إلى أن التاريخ الإسلامي يذكر سيدنا بلال بن رباح بوصفه رمزًا للمساواة؛ إذ ساوى الإسلام بين الناس، وجعل معيار التفاضل هو التقوى لا اللون أو الجنس أو العرق؛ ولذلك بشَّره النبي ﷺ بالجنة، حين قال له: "يا بلال، حدِّثني بأرجى عمل عملته في الإسلام؟ فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة"، فأجاب بلال رضي الله عنه: "ما عملت عملًا أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كُتب لي أن أصلي"، وهذه رسالة تدعو إلى الاقتداء بسيدنا بلال رضي الله عنه، والمحافظة على الطاعات والأعمال الصالحة.

من جانبه قال الدكتور/ كرم عبد الستار: إن الحديث عن أصحاب رسول الله ﷺ ليس مجرد قصص أو حكايات تروى، وإنما هو دروس وعِبَر ينبغي أن نستفيد منها، ونتعلم من سيرتهم، ونطبق منهجهم في حياتنا، فسيدنا بلال بن رباح ضرب أروع الأمثلة في جوانب متعددة؛ الأمر الذي يدعو إلى الاقتداء بهؤلاء العظماء من الصحابة الكرام؛ لأن الاقتداء بهم هو اقتداء بسيدنا رسول الله ﷺ القدوة في كل شيء؛ لأنه ﷺ الذي ربَّى هؤلاء الصحابة الكرام؛ ولذلك لا نجوم في هذه الأمة إلا صحابة رسول الله ﷺ، وعلى الشباب أن يتخذوهم قدوة حسنة، مبينًا أن حياة سيدنا بلال كلها عظات وعِبَر؛ فقد كان رمزًا للتوحيد من خلال قولته الشهيرة: "أحد أحد"، وهي الكلمة التي زلزلت قلوب جبابرة قريش، وأحدثت لديهم الضيق والغضب، بسبب تمسكه بها رغم ما تعرض له من ألوان العذاب؛ إذ كان صادقًا في إيمانه، واثقًا بالله تعالى، وهو ما زلزل كبرياء قريش؛ لأن الكلمة الصادقة تكون أقوى من السلاح والعتاد؛ لأنها مفتاح العزيمة والثبات.

 وأضاف عميد كلية البنات الأزهرية بالأقصر، أن الكلمة تبني أممًا وحضارات، وتُقيم مُدُنًا، وترفع شأن أقوام، وقد تهدم آخرين؛ لما لها من أثر بالغ، يقول الله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ}، وقوله تعالى في الكلمة الخبيثة: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ}، و كثيرًا من الناس يستهينون بالكلمة، بينما بيَّن النبي ﷺ خطورتها حين قال لمعاذ بن جبل رضي الله عنه: "وهل يُكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم"؛ لذلك فإن كلمة "أحد أحد" التي كان يرددها سيدنا بلال بن رباح بصدق وإيمان جعلت ألوان العذاب تهون عليه، حتى خلدها التاريخ الإسلامي، وأصبح بلال نموذجًا للصمود أمام الاضطهاد، ومثالًا للصبر والعزيمة والثقة بالله تعالى. كما أن قصته تمثل رسالة عظيمة لدعاة المساواة والحرية، وتؤكد أن الإسلام ساوى بين سيدنا بلال وسادة قريش ممن دخلوا في الإسلام، فأصبحوا جميعًا سواء تحت راية الإسلام؛ لأن الإسلام أرسى قواعد الحريات وأسسًا للمساواة بين الناس، فالإسلام ارتقى بسيدنا بلال من شخص كان ينظر إليه بمنظور العبودية السائد في هذه الفترة، إلى شخص كان مقرب من أشرف الخلق ﷺ؛ لأن الإسلام لا يعرف عنصرية، ولا يعرف تفرقة، والرفعة في الإسلام بدرجة قربه من الله سبحانه وتعالى، وليس بما يمتلك من عرض الدنيا الذائل.

وبيَّن أن النبي ﷺ عندما فتح مكة وأخذ مفتاح الكعبة، سأل عن سيدنا بلال بن رباح، ثم أدخله معه إلى جوف الكعبة، وهي منزلة عظيمة بلغها سيدنا بلال بصدق إيمانه وثباته على الحق، مبينًا أن المعاناة التي تحمَّلها سيدنا بلال كانت ثمرتها هذه المكانة الرفيعة التي وصل إليها بصحبته لرسول الله ﷺ، مشيرًا إلى المسلم الحق لا يعرف اليأس والقنوط، وخير مثال على ذلك: سيدنا بلال بن رباح وبقية الصحابة الكرام، وعلى شبابنا اليوم أن ينظروا في سِيَر صحابة رسول الله ﷺ، وأن يتعلموا منهم معاني الصبر واليقين في وعد الله سبحانه وتعالى.


 

قراءة (73)/تعليقات (0)

كلمات دالة:
12345الأخير