عقد الجامع الأزهر، مساء الإثنين، الملتقى الفقهي، بعنوان: «الضمانة والكفالة.. رؤية فقهية»، بحضور: الأستاذ الدكتور/ عبد الله النجار، أستاذ الفقه بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة وعضو مجمع البحوث الإسلامية، وأ.د/ علي مهدي، أستاذ الفقه بجامعة الأزهر وعضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، وأدار اللقاء أ/ سمير شهاب، المذيع بالتليفزيون المصري.
وخلال اللقاء، قال الدكتور/ عبد الله النجار: إن الله سبحانه وتعالى أنزل الشرائع لتحقيق مصالح العباد واستقامة أحوالهم في الدنيا والآخرة؛ لأن صلاح الدنيا طريق إلى صلاح الآخرة، وأن المسلم مطالب بأن يستقيم على طاعة الله تعالى في جميع شئون حياته، ومن الخطأ الاعتقاد بأن امتلاك المال أو السعي إليه يتعارض مع مقصود الشرع أو مع التطلع إلى نعيم الآخرة، فالإسلام لا يذم المال في ذاته، وإنما يوجه الإنسان إلى حُسن اكتسابه وإنفاقه فيما يرضي الله تعالى. كما أن العبد لا ينال رضوان الله إلا إذا التزم بما أراده الشرع وأدى الحقوق التي فرضها الله عليه، موضحًا أن الفقهاء عند حديثهم عن مقاصد الشريعة الإسلامية ذكروا الكليات الخمس التي تقوم عليها حياة الناس، وهي: حفظ الدِّين، وحفظ النفس، وحفظ العقل، وحفظ النسل أو العِرْض، وحفظ المال، وهذه المقاصد تتكامل فيما بينها، ولا تستقيم حياة الأفراد والمجتمعات إلا بتحقيقها جميعًا على الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى؛ إذ يؤدي كل مقصد منها دورًا أساسيًّا في بناء الإنسان، وصيانة المجتمع، وتحقيق العمران.
وأضاف أن الدِّين بعد انقطاع الوحي لا ينقل إلى الأجيال بالكلام المجرد فحسب، وإنما ينتقل من خلال السلوك العملي والتعاملات التي تُجسِّد أخلاق الإسلام وأحكامه، فحين يلتزم المسلم بما أمرت به الشريعة يصبح نموذجًا يُقتدَى به، وبذلك يستمر أثر الدين في الناس جيلًا بعد جيل؛ لذلك فإن حفظ المال يُعدُّ من المقاصد الشرعية المهمة؛ لأنه وسيلة إلى عزة النفس، وصيانة الكرامة، وتحقيق الكفاية، فالإسلام يريد أمة منتجة قوية، "اليد العليا خير من اليد السفلى"، قادرة على العمل والعطاء، وتحقيق الاكتفاء والنهوض الحضاري.
كما أكد عضو مجمع البحوث الإسلامية، أن من الوسائل التي شرعتها الشريعة لتحقيق حفظ المال وصيانة الحقوق نظام الكفالة والضمان؛ لما لهما من دور كبير في توثيق المعاملات، وبث الطمأنينة بين المتعاملين، وتحقيق المصالح العامة؛ قال تعالى: {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} وهذه الآية تُعدُّ من أبرز الأدلة على مشروعية الضمان والكفالة، والفقهاء اشترطوا في الضامن أو الكفيل القدرة على الوفاء بما التزم به.
من جانبه، قال الدكتور/ علي مهدي: إن الشريعة الإسلامية أَوْلَتْ عناية كبيرة بحفظ الأموال وصيانة الحقوق، وجعلت لذلك وسائل متعددة، من أبرزها: عقد الضمان، الذي يُعدُّ من العقود المهمة في الفقه الإسلامي؛ لأن الأصل في الدِّين حُسن المعاملة، وأن مظاهر التدين الحقيقية تتجلى في التزام الإنسان بحقوق الآخرين وأدائه لما عليه من واجبات، والفقهاء قسموا العقود إلى ثلاثة أقسام رئيسة: عقود المعاوضات كالبيع والإجارة، وعقود التبرعات كالهبة والوقف، وعقود التوثيقات كالضمان والرهن والكفالة.
وأضاف أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، أن الغاية من عقود التوثيق هي حفظ الحقوق ومنع النزاع بين الناس؛ ولذلك جاءت الكفالة والضمان بوصفهما من أهم الوسائل التي تحقق الاستقرار في المعاملات المالية، مبينًا أن الضمان يكثر استعماله في الأموال والالتزامات المالية، بينما تكون الكفالة غالبًا في الأنفس وإحضار الأشخاص. أما الحَمَالَة، فتَرِدُ في بعض صور الديات؛ لذلك فإن الضمان ليس مجرد وعد أو كلمة تُقال، بل يترتب عليه التزام شرعي وقانوني مُعتبر، وقد وردت في السُّنَّة النبوية الشريفة شواهد عديدة تؤكد مشروعيته وأهميته في حفظ الحقوق ومنع ضياع الأموال.
وأشار عضو لجنة الفتوى الرئيسة بالجامع الأزهر، إلى أن الضمان ينقسم إلى ثلاثة أنواع رئيسة، أولها: ضمان العقد، وهو الذي ينشأ بإرادة المتعاقدين ورضاهما، كما في عقود البيع ونحوها، ومن صوره المعاصرة: ما تقدمه بعض الشركات من ضمان لمنتجاتها لمدة محددة، وثانيها: ضمان اليد، ويكون فيما يوضع تحت يد الإنسان على سبيل الأمانة أو الحفظ أو الانتفاع وفق الضوابط الشرعية. أما النوع الثالث: فهو ضمان الإتلاف، ويقصد به التزام من أتلف مالًا للغير أو تسبب في إتلافه بضمان ما أتلفه وتعويض صاحبه عنه؛ تحقيقًا للعدل، وصيانة للحقوق التي جاءت الشريعة بحفظها ورعايتها.