الأستاذ الدكتور/ محمد عوضين: نجاح الحياة الزوجية مرهون بالتكامل والتفاهم بين الزوجين
عقد الجامع الأزهر، مساء الثلاثاء، اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: "حقوق الأسرة..رؤية إسلامية"، بحضور: الأستاذ الدكتور/ رمضان الصاوي، نائب رئيس جامعة الأزهر، والأستاذ الدكتور/ محمد نجيب عوضين، أستاذ الشريعة بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، والأمين العام الأسبق للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وأدار الملتقى الدكتور/ بهاء عبادة، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.
في مستهل الملتقى، أكد الدكتور/ رمضان الصاوي، أن الأسرة تمثل اللبنة الأولى في بناء المجتمع؛ ولذلك جاءت عناية الإسلام بها شاملة، فلم يجعل بناءها قاصرًا على المؤمنين وحدهم، بل ارتضى للناس جميعًا أن تقوم حياتهم الأسرية على الطهر والعفة والاستقرار؛ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً}، والخطاب هنا موجه إلى الناس كافة؛ بما يدل على عالمية هذا المنهج الرباني في تأسيس الأسرة، كما أن الإسلام أراد للأسرة أن تكون بيئة للسكن والمودة والرحمة، تحفظ الفطرة الإنسانية، وتصون المجتمع من الانحراف والاضطراب.
وأوضح الدكتور/ رمضان الصاوي، أن من أهم ما يميز المنهج الإسلامي في بناء الأسرة أنه منهج يقوم على الاعتدال، ويرفض الغلو والتطرف، حتى في أمور العبادة، وهو ما يظهره ما روي أن ثلاثة نفر سألوا عن عبادة النبي ﷺ، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال الآخر: وأنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال الثالث: وأنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ قال: "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سُنَّتي فليس منِّي". وهذا الحديث يؤكد أن الزواج وتكوين الأسرة جزء أصيل من السُّنَّة النبوية، وأن الإسلام لا يعرف الرهبانية أو الانقطاع عن الحياة، بل يدعو إلى التوازن بين العبادة ومتطلبات الفطرة الإنسانية.
وأضاف نائب رئيس جامعة الأزهر، أن نجاح الأسرة يبدأ من حُسن الاختيار بين الزوجين، فالإسلام وضع معايير واضحة تضمن الاستقرار والتوافق، وجعل الدِّين والخُلُق أساسًا لهذا الاختيار؛ قال النبي ﷺ: "إذا أتاكم من ترضون دينه وخُلُقَه فزوجوه"، وقوله ﷺ: "تُنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدِينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك". كما أن من دعائم الأسرة الناجحة الصِّدْق والوضوح بين الطرفين، والبُعد عن الغش والخداع وإخفاء العيوب المؤثرة، وأن تقوم الحياة الزوجية على المعاشرة بالمعروف والإحسان المتبادل؛ امتثالا لقوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}، حتى تصبح الأسرة واحة للأمن النفسي والاستقرار الاجتماعي.
كما أشار إلى أن الأسرة المسلمة تواجه في العصر الحاضر عددًا من التحديات التي تتطلب وعيًا وتعاونًا من جميع أفراد المجتمع، وفي مقدمة هذه التحديات المغالاة في تكاليف الزواج ومتطلباته؛ الأمر الذي أدى إلى تضييق فرص الزواج أمام كثير من الشباب والفتيات، والشريعة الإسلامية قامت على التيسير لا التعسير، وأن النبي ﷺ كان يحث على تخفيف أعباء الزواج، وقد ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال لرجل أراد الزواج: "التمس ولو خاتمًا من حديد" فلما لم يجد شيئًا زوَّجه بما معه من القرآن الكريم»، كما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من النهي عن المغالاة في المهور، فالتفاخر بالمظاهر والتكاليف الباهظة أصبح سببًا في تأخر الزواج، وظهور كثير من المشكلات الاجتماعية، ومن التحديات كذلك كثرة المطالب المادية داخل الحياة الزوجية، وانشغال بعض الأزواج أو الزوجات بمقارنة ما لديهم بما عند الآخرين، وهو ما يفتح أبواب السخط، ويضعف الرضا والقناعة، ويؤثر سلبًا في استقرار الأسرة. في حين أن الإسلام دعا إلى شكر النعمة والنظر إلى ما يحقق الاستقرار الأسري، لا إلى المنافسة المرهقة في متاع الدنيا، وأن كثيرًا من البيوت السعيدة قامت على الرضا والتفاهم أكثر مما قامت على وفرة الإمكانات المادية، بالإضافة إلى أن الانفتاح التكنولوجي والثقافي المتسارع يمثل تحديًا حقيقيًّا للأسرة المعاصرة، خاصة مع انتقال بعض العادات والسلوكيات التي لا تتوافق مع القيم الدينية والأخلاقية للمجتمعات الإسلامية، ومواجهة هذه التحديات لا تكون بالمنع المطلق، وإنما ببناء الوعي، وتعزيز الرقابة الذاتية، وترسيخ القيم داخل البيت، إلى جانب غرس معاني البر والطاعة واحترام الوالدين في نفوس الأبناء؛ حتى تظل الأسرة قادرة على أداء رسالتها التربوية، والحفاظ على هُويَّتها واستقرارها.
من جانبه، أوضح الدكتور/ محمد نجيب عوضين، أن الإسلام أَوْلى الأسرة عناية فائقة؛ فجاءت أحكامها مفصلة في القرآن الكريم والسنة النبوية، وهو ما يدل على مكانتها المحورية في بناء المجتمع، والمتأمل في آيات الزواج والطلاق والحقوق الأسرية يجد عناية تشريعية دقيقة تُنظم مختلف جوانب الحياة الأسرية، كما أفرد الفقهاء أبوابًا واسعة لأحكام الأسرة في كتب الفقه؛ لأن عقد الزواج في الإسلام ليس مجرد اتفاق بين طرفين، وإنما هو رابطة شرعية عظيمة وصفها القرآن الكريم بقوله تعالى: {وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا}، وهو وصف لم يرد في القرآن إلا في المواضع التي تدل على عظم المسئولية وقدسية الالتزام، والشريعة الإسلامية أحاطت عقد الزواج بضوابط وأركان وشروط تميزه عن سائر العقود؛ لأنه يحقق مقاصد عظيمة تتعلق بحفظ الدِّين والنفس والنسل واستقرار المجتمع، وهذا العقد ينشئ مجموعة من الالتزامات والحقوق المتبادلة بين الزوجين، فلا يقوم على المصلحة المؤقتة أو المنفعة العابرة، وإنما على السكن والمودة والاستقرار والتعاون على بناء الأسرة الصالحة؛ ولذلك جعل الإسلام لكل طرف حقوقًا وواجبات تحفظ التوازن داخل الأسرة، وتمنع أسباب النزاع والاضطراب.
وأشار إلى أن من الحقوق المشتركة التي أكدها الإسلام بين الزوجين المودة والرحمة وحُسن المعاملة؛ قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}؛ لذلك فإن استقرار الأسرة لا يتحقق بمجرد وجود العقد، بل يحتاج إلى التزام عملي بهذه المعاني السامية التي تجعل العلاقة الزوجية قائمة على الاحترام المتبادل والتعاون وتحمل المسئولية.
وأضاف الدكتور/ محمد عوضين، أن الإسلام نَظَّمَ العلاقة بين الزوجين بصورة تحقق التوازن والانسجام داخل الأسرة؛ فجعل للرجل مسئولية القوامة بما تتضمنه من رعاية وإنفاق وتحمل للأعباء؛ قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}، والقوامة ليست تسلطًا أو استبدادًا، وإنما هي تكليف ومسئولية تقتضي الحكمة والعدل وحسن الرعاية. كما أن من حق الزوج على زوجته الطاعة في المعروف؛ بما يحفظ استقرار الأسرة، ويحقق مقاصد الزواج. وقد ورد في السُّنَّة ما يؤكد على أهمية احترام كل طرف لحقوق الآخر؛ قال النبي ﷺ: «لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، لعظم حقه عليها”، وهذا الحديث يُبين عظم الحقوق المتبادلة، ولا يجيز السجود لغير الله تعالى، وإنما جاء على سبيل المبالغة في بيان مكانة هذه الحقوق؛ لذلك فإن الإسلام نهى عن النشوز والعصيان المؤدي إلى هدم الأسرة، ودعا إلى معالجة الخلافات بالحكمة والحوار والإصلاح.
وبَيَّنَ أستاذ الشريعة بحقوق القاهرة، أن من أبرز حقوق المرأة التي أكدتها الشريعة حقها في الصداق والنفقة والمعاملة الكريمة، وأن المهر ليس مجرد إجراء شكلي، بل حق أصيل للمرأة، أوجبه الله تعالى تكريمًا لها؛ قال تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً}، مضيفًا أن الحياة الأسرية الناجحة تقوم على التكامل بين الزوجين، وأن يراعي كل منهما ظروف الآخر واحتياجاته، وأن يسود بينهما الحوار والتفاهم والتسامح؛ لأن الأسرة لا تستقيم بالحقوق وحدها، وإنما تستقيم كذلك بحُسن العشرة والرحمة، والقدرة على استيعاب الآخر، والتعاون معه في مواجهة تحديات الحياة.