06 أغسطس, 2026

ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة: حفظ الأمانة والابتعاد عن الغش والتدليس.. من أهم أسباب ترابط المجتمع ‌

ملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة: حفظ الأمانة والابتعاد عن الغش والتدليس.. من أهم أسباب ترابط المجتمع ‌


عقد الجامع الأزهر، اللقاء الأسبوعي لملتقى الأزهر للقضايا المعاصرة، تحت عنوان: "الغش وخطره على تماسك المجتمع .. رؤية إسلامية"، بحضور: أ.د/حمدي الهدهد، عميد كلية البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان، وأ.د/ عبد الرحمن عباس، رئيس قسم العقيدة والفلسفة بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر، وأدار الملتقى الأستاذ/ محمد جمعة، المذيع بإذاعة القرآن الكريم.
وخلال اللقاء، قال الدكتور/ عبد الرحمن عباس: إن الغش والتدليس والخداع في المعاملات من السلوكيات التي حرَّمها الإسلام؛ لما يترتب عليها من أكل أموال الناس بالباطل، وإفساد الثقة بين أفراد المجتمع، والشريعة الإسلامية أقامت المعاملات على الصدق والوضوح والأمانة، لا على إخفاء العيوب أو تضليل الناس، ورُوي أن رسول الله ﷺ "مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟ قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي"، وهذا التوجيه النبوي ليس خاصًّا ببيع الطعام، وإنما هو قاعدة عامة تحكم جميع صور البيع والشراء وسائر المعاملات، فالمسلم مأمور بأن يكون صادقًا، أمينًا في بيعه، واضحًا في بيان العيوب، فلا يخلط الجيد بالرديء، ولا السليم بالفاسد، ولا يخفي ما يؤثر في حق المشتري؛ لأن إخفاء العيب صورة من صور الغش المحرم. كما أن البركة في التجارة لا تتحقق بكثرة الربح، وإنما تتحقق بالصدق والأمانة، كما قال النبي ﷺ: "الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، فَإِنْ صَدَقَا وَبَيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيْعِهِمَا، وَإِنْ كَتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيْعِهِمَا"؛ لأن الأمانة في المعاملات ليست خُلُقًا فرديًّا فحسب، بل هي أساس لاستقرار الأسواق، وحفظ الحقوق، وبناء مجتمع يسوده العدل والثقة بين الناس.
 وأضاف رئيس قسم العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر، أن الغش لا يقتصر ضرره على إهدار الحقوق أو تحقيق مكاسب غير مشروعة، بل يمتد أثره إلى النسيج الاجتماعي؛ إذ يُفسد ما بين الناس من مودة وثقة، ويزرع الشك والريبة في التعاملات اليومية، حتى يفقد أفراد المجتمع الاطمئنان إلى بعضهم البعض؛ لأن المجتمعات لا تقوم على القوانين وحدها، وإنما تقوم على الأمانة والصدق وحسن المعاملة، فإذا انتشر الغش ضعفت الثقة، وتراجعت قيم التعاون والتكافل، وحلَّت الأنانية والخداع محل الصراحة والإخلاص، وهو ما يهدد أمن المجتمع واستقراره؛ لذلك قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا}، وقال النبي ﷺ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ"؛ لذلك فإن حفظ الأمانة والابتعاد عن الغش والتدليس من أهم أسباب ترابط المجتمع، وصيانة حقوق أفراده، وترسيخ الثقة المتبادلة بينهم.
 من جانبه، أكد الدكتور/ حمدي الهدهد، أن الغش ليس مجرد مخالفة عابرة أو وسيلة لتحقيق مصلحة مؤقتة، وإنما هو آفة أخلاقية وسلوكية إذا انتشرت في مجتمع أفسدت قيمه وهدمت أسس الثقة بين أفراده، ومن الأخطاء الشائعة: اعتقاد بعض الناس أن الغش نوع من الفطنة أو "الفهلوة"، بينما هو في حقيقته صورة من صور الخيانة والتدليس التي نهى عنها الإسلام أشد النهي؛ لذلك قال النبي ﷺ: "مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» [رواه مسلم]، وهو نص قاطع يبين خطورة هذا السلوك، كما قال الله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}، كما أن أخطر آثار الغش أنه يهدم قيمة الاستحقاق؛ لأنه ليس في البيع والشراء فقط، وإنما في كل شيء في المجتمع، فيفقد المجتمع كفاءاته الحقيقية، وتضيع الحقوق، وتضعف الثقة في المؤسسات، ويصبح الفساد سلوكًا مقبولًا لدى البعض، وهو ما ينعكس سلبًا على التنمية، وجودة التعليم، وسوق العمل، كما أن الطالب الذي يعتاد الغش في قاعة الامتحان قد يحمل هذا السلوك معه إلى حياته العملية؛ فيتحول إلى موظف أو طبيب أو مهندس أو تاجر لا يؤدي عمله بإخلاص؛ فتتسع دائرة الضرر لتطال المجتمع كله؛ لذلك فإن مكافحة الغش ليست مسئولية المدرسة أو المؤسسة التعليمية وحدها، بل هي مسئولية الأسرة، والمؤسسات الدينية، ووسائل الإعلام، وجميع مؤسسات الدولة؛ لترسيخ ثقافة الصدق والأمانة والإتقان، وغرس الرقابة الذاتية في النفوس، حتى يبقى النجاح قائمًا على الجهد الحقيقي، ويظل التفوق ثمرة للاستحقاق لا للخداع أو التحايل.
 وأضاف عميد كلية البنات الأزهرية بالعاشر من رمضان، أن الغش لا ينظر إليه في الإسلام على أنه صغائر وكبائر، فكل صوره محرمة؛ لأن من تهاون بالصغير تجرأ على الكبير، ومن اعتاد مخالفة الضمير في أمر يسير سهل عليه الوقوع فيما هو أعظم، والشريعة سدت أبواب الفساد من بداياتها قبل أن تستفحل؛ لذلك هناك سورة المطففين تتكلم عن الغش في الكيل والميزان؛ فقال تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}، وافتتاح السورة بقوله تعالى: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ}، يحمل وعيدًا شديدًا، وهو ما يدل على عظم جُرْم الغش وخطورته، رغم أن الآيات تناولت صورة قد يراها البعض يسيرة، وهي التطفيف في المكيال والميزان، وهذا الوعيد إنما جاء لأن الغش يهدم الثقة بين الناس، ويضيع الحقوق، وينشر الظلم، ويؤسس لمجتمع تغيب فيه الأمانة ويحل محله الخداع؛ لذلك يجب على المسلم الحق أن يستشعر رقابة الله في كل تصرفاته، ويؤدي الحقوق كاملة دون نقص أو تدليس، سواء في الامتحان، أو التجارة، أو العمل، أو أي معاملة من معاملات الحياة.

قراءة (529)/تعليقات (0)

كلمات دالة: