الدكتور/ حبيب الله حسن: "بيعـتا العقبة" نموذج لحكمة النبي ﷺ في بناء المجتمع.. ودليل على حضارة ورُقي الإسلام
عقد الأزهر الشريف وإذاعة القرآن الكريم، مساء أمس الخميس 21 ربيع الأول 1448هـ، الموافق: 3 سبتمبر 2026م، فعاليات الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وشهر ربيع الأول، برحاب الجامع الأزهر، بعنوان: "بيعتا العقبة الأولى والثانية"، بحضور: أ.د/ حبيب الله حسن أحمد، أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر.
وخلال اللقاء، قال الدكتور/ حبيب الله حسن: إن كلتا البيعتين تمثلان معاهدة ومواثقة، يأخذ رسول الله ﷺ العهد لنفسه ولربه أولًا، ومن يبايع رسول الله ﷺ إنما يبايع الله تعالى، يقول الحق في ذلك: {إِنَّ الَّذِينَ يُبَايُعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايُعُونَ اللَّهَ}، فهما في أصل البيعة سواء من حيث كون كل منهما عهدًا وميثاقًا، وقد انعقدتا في المكان نفسه، وهو العقبة، أحد أودية مكة، غير أنهما اختلفتا في المضمون والمهام المترتبة عليهما؛ فبيعة العقبة الأولى كانت عهدًا على الإسلام والالتزام بأصوله، ولم تتضمن النصرة والإيواء والدفاع، بينما جاءت بيعة العقبة الثانية لتضيف إلى الإيمان والالتزام مسئولية النصرة والمنعة، وما ترتب على ذلك من الاستعداد لحماية النبي ﷺ ونصرته، وتكشف البيعتان عن جملة من القيم الحضارية الراقية، في مقدمتها: الوفاء بالعهد، وتحمل المسئولية، والالتزام الجماعي، والثقة المتبادلة، كما تؤكدان أن بناء المجتمع لا يقوم على المشاعر وحدها، وإنما يحتاج إلى مواثيق واضحة ومسئوليات محددة، وهو ما أسهم في تهيئة البيئة التي قامت عليها الدولة الإسلامية في المدينة المنورة.
وأضاف أستاذ العقيدة بجامعة الأزهر، أن هذا التمهيد والتدرج بين البيعتين يكشف عن حكمة النبي -صلى الله عليه وسلم- في بناء المجتمع، والتعامل مع مراحل الدعوة ومتطلباتها؛ بما يحقق مقاصدها ويحفظ تماسك الجماعة، مشيرًا إلى أن البيعة الثانية جاءت أكثر اتساعًا؛ حيث لم تتجاهل فئة من فئات المجتمع، فكان فيها الرجال والنساء، وهو ما نلاحظه من مشاركة السيدتين نُسيبة بنت كعب، وأم عمارة، ضمن من بايعن النبي -صلى الله عليه وسلم- في مشهد يعكس حضور المرأة ومشاركتها في تحمل المسئولية، ويؤكد أن بناء المجتمع في التصور الإسلامي لم يكن قائمًا على إقصاء فئة أو تعطيل دورها، وإنما على إشراك أفراده في تحمل تبعات المرحلة كل بحسب موقعه وقدرته، وهذا التنوع يكشف عن ملامح حضارية في المجتمع الإسلامي.