الدكتور/ أيمن الحجار: "كان خُلُقه القرآن".. أي إنه ﷺ كان امتثالًا عمليًّا لأخلاق القرآن وآدابه
واصل الأزهر الشريف وإذاعة القرآن الكريم، مساء الأحد 24 ربيع الأول 1448هـ، الموافق: 6 سبتمبر 2026م، فعاليات الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وشهر ربيع الأول، برحاب الجامع الأزهر الشريف، بعنوان: "النبي ﷺ في قلوب أصحابه”، بحضور: الدكتور/ أيمن الحجار، الباحث بالأمانة العامة لهيئة كبار علماء الأزهر الشريف.
وخلال اللقاء، قال الدكتور/ أيمن الحجار: إن ما وافق سيرة النبي ﷺ وشمائله فهو الخير، وما خالفها فهو الشر؛ لأن سيرته العطرة تمثل التطبيق العملي الكامل لما جاء به من هداية وقِيَم وأخلاق، ونُقل عن أبي العالية الرياحي في تفسير قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} أنه ورد في بعض الآثار تفسيره برسول الله ﷺ، ويؤيد معنى الهداية برسول الله ﷺ قول الحق سبحانه: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ}، مؤكدًا أن أعظم ما يكشف صدق الرسالة المحمدية بعد القرآن الكريم تلك السيرة العطرة التي عاشها النبي ﷺ على مدى ثلاث وستين سنة، فلم تعرف عنه صبوة، ولم يوقف له على هفوة، بل شهد له القريب والبعيد بكمال الخُلُق وصدق السيرة، وفي هذا المعنى نُقل عن محمد بن كعب القرظي في تفسير قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} أنه قال: "كرَّمهم بأن جعل منهم محمدًا ﷺ"، وهي إشارة إلى عظيم شرف البشرية ببعثة خير خلق الله إليها.
وأضاف الدكتور/ أيمن الحجار، أن الحق سبحانه وتعالى عرف البشرية بنبيه ﷺ في كتابه الكريم بأوصاف جامعة لمعاني الرحمة والهداية؛ فقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} وقال سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ}، كما عبَّر النبي ﷺ عن رسالته بقوله: "يا أيها الناس، إنما أنا رحمة مهداة»، وجاء عنه ﷺ في الحديث الصحيح: "إن الله لم يبعثني مُعنِّتًا، ولا مُتَعنِّتًا، ولكن بعثني مُعلمًا مُيسرًا". ومن ثم؛ فإن الصحابة -رضي الله عنهم- حين عايشوا رسول الله ﷺ في مختلف أحوال الحياة، في اليُسر والعسر، رأوا فيه النموذج الكامل للأخلاق والقيم؛ مصداقًا لقول الله تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ} فقد ربَّاه الله تعالى وأدَّبه وأحسن تربيته، فكان نبيًّا كريمًا من سلالة طاهرة، وخاتمًا لعقد الأنبياء والمرسلين، ونموذجًا بشريًّا كاملًا يحتذى به في الأخلاق والرحمة والهداية.
وأشار الباحث بهيئة كبار العلماء، إلى أن عظمة النبي ﷺ لم يدركها أصحابه وحدهم، بل شهد بها حتى من لم يؤمن به؛ فكان صدقه وسمته وهيئته وأخلاقه من دلائل نبوته التي لامست القلوب قبل أن تستقر العقول على التصديق، وما يدل على ذلك ما رواه عبد الله بن سلام، عند قدوم النبي ﷺ إلى المدينة، فقال: "لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه، وقيل: قدم رسول الله ﷺ، فجئت في الناس لأنظر إليه، فلما استبنت وجه رسول الله ﷺ عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، وكان أول شيء تكلم به أن قال: يا أيها الناس، أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، وصلوا والناس نِيَام؛ تدخلون الجنة بسلام"، وهذه الشهادة تكشف أن شخصية النبي ﷺ كانت حجة قائمة بذاتها؛ إذ لم يكن صدقه أمرًا يدركه المؤمنون فقط، وإنما كان ظاهرًا في وجهه وكلامه ومعاملاته، حتى قال عبد الله بن سلام بمجرد أن رآه: "عَرَفْتُ أن وجهه ليس بوجه كَذَّابٍ"، مشيرًا إلى موقف عروة بن مسعود حين جاء إلى النبي ﷺ وسيطًا بينه وبين قريش في صلح الحديبية، ثم عاد إلى قومه وقد رأى من تعظيم أصحاب النبي ﷺ له ومحبتهم إياه ما لم يَرَ مثله عند الملوك؛ فقال: "أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي، والله إن رأيت ملكًا قط يعظمه أصحابه ما يعظم أصحاب محمد محمدًا"، ثم قال: "وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلم خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدون إليه النظر تعظيمًا له". وهذا الموقف يكشف جانبًا من عظمة شخصية النبي ﷺ، وأن محبة أصحابه له لم تكن مجرد محبة عاطفية، وإنما كانت ثمرة لما وجدوه فيه من كمال الأخلاق، والرحمة، والتواضع، والصدق، وحسن المعاملة.
وبيَّن أن الصحابة الذين عايشوا النبي ﷺ وشاهدوا شمائله عن قرب، نقلوا لنا صورا بديعة من عظيم مكانته في قلوبهم، ومن ذلك: ما رواه سيدنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- حيث قال: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء"؛ في إشارة إلى ما أحدثه قدوم النبي ﷺ من نور وهداية في حياة أهل المدينة، وما تركه رحيله من أثر عظيم في نفوس أصحابه، كما روى سيدنا جابر بن سمرة -رضي الله عنه- قال: "رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان، وعليه حلة حمراء، فجعلت أنظر إلى رسول الله ﷺ وإلى القمر، فإذا هو عندي أحسن من القمر"، ووصفه هند بن أبي هالة -رضي الله عنه- بقوله: "«كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر"، وحين سئل البراء بن عازب رضي الله عنه: "أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟" قال: "لا، بل مثل القمر"، فهذه الروايات المتعددة عن الصحابة تكشف عظيم محبة النبي ﷺ ومكانته في قلوبهم، وما رأوه فيه من بهاء الطلعة، وجمال الهيئة، والوقار، وحُسن الخلق، وخير ما يلخص هذه الشمائل كلها قول أم المؤمنين السيدة عائشة -رضي الله عنها- حين سئلت عن خُلُق رسول الله ﷺ، فقالت: "كان خُلُقه القرآن"، أي إنه ﷺ كان امتثالًا عمليًّا لأخلاق القرآن وآدابه وهداياته، فاجتمعت في شخصه الشريف جمال الصورة، وكمال السيرة، وعظمة الخُلُق.