عقد الأزهر الشريف وإذاعة القرآن الكريم، مساء الإثنين 25 ربيع الأول 1448هـ، الموافق: 7 سبتمبر 2026م، فعاليات الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف وشهر ربيع الأول، برحاب الجامع الأزهر، بعنوان: "وثيقة المدينة.. دستور التعايش السلمي"، بحضور: الدكتور/ محمود الهواري، الأمين العام المساعد للدعوة والإعلام الديني بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف.
وخلال اللقاء، قال الدكتور/ محمود الهواري: إن "وثيقة المدينة" جزء من السيرة النبوية، ينتفع به الأفراد والمجتمعات والعالم كله؛ لأن الأوطان لا تبنى اعتباطًا، وإنما تبنى بإرادة ووعي وإدراك؛ ولذلك جاءت خطوات النبي ﷺ مدروسة ومنظمة، كما أن النبي ﷺ عمل على تثبيت الأخوة بين أفراد المجتمع منذ اللحظات الأولى، كما أسس المسجد ليكون مكانًا للعبادة ولا اجتماع فيه، فكان كل شيء في حياة هذه الدولة، ثم جاءت خطوة الوثيقة بعد ذلك، التي لم تتحدث عن المهاجرين والأنصار فحسب، وإنما تحدثت عن مجتمع المدينة ككل؛ لذلك نصَّت على مفهوم الأمة الواحدة، فجمعت الأطياف والأجناس المختلفة تحت مسمى واحد؛ فلم تشر إلى الأوس وحدهم، ولا إلى الخزرج وحدهم، ولا إلى المهاجرين وحدهم، ولا إلى الأنصار وحدهم، وإنما جعلت هؤلاء جميعًا أمة واحدة؛ وبذلك تكون هذه الوثيقة ترجمة عملية لقول الله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}.
وأكد الدكتور/ محمود الهواري، أن هذا المعنى يؤكد أن السُّنَّة والقرآن الكريم لا يفترقان، ويرد على من يحاول إيجاد قطيعة بين السُّنَّة النبوية والقرآن الكريم، كما أن الوثيقة عملت على فض الخلافات ونبذ الفرقة، وهو معنى نحن في أمس الحاجة إليه في ظل التحديات التي تواجهنا اليوم، كما أن القرآن الكريم يقرر وحدة الأصل الإنساني، ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } ومن ثم؛ فإن وحدة الأصل الإنساني لا تبرر الكبر والغرور، وإنما تدعو إلى التعارف والتواضع والتعاون، ونبذ الفرقة والخلاف، وهو ما نصَّت عليه وثيقة المدينة.
وأضاف الأمين العام المساعد للدعوة بمجمع البحوث، أن الوثيقة جاء في صدرها: "هذا كتاب من محمد النبي رسول الله بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم". كما أكدت في مواضع أخرى أنه "وإن اختلفتم في شيء فردوه إلى الله وإلى محمد"؛ بما يؤكد أن المرجعية العليا لله ولرسوله، وهذه العبارات تَرُدُّ على بعض القراءات التي تحاول الفصل بين الدين والدنيا، أو بين الدين والدولة، مع أن هذا الفصل مُحال؛ فالرسول ﷺ جمع شتات الناس، على ما بينهم من صفات متباعدة؛ ليؤكد أن المرجعية لله ولرسوله ﷺ، وأن الدين لا يقتصر على العبادات، وإنما يشمل كذلك ما ينظم شئون الناس وحياتهم، كما أن الوثيقة أكدت كذلك مفهوم المواطنة؛ بما يضمن للمسلم وغير المسلم حقوقه، وأقرت منظومة من الحقوق والواجبات للجميع، سواء ما يتعلق بحق الحياة أو العبادة، مؤكدًا أن الانتماء إلى الدين لا يتنافى مع الولاء للدولة.
وبَيَّنَ أن قراءة الوثيقة تكشف بوضوح مفاهيم الأمة والمواطنة، وإقرار الحريات، وإرساء القانون الذي يجمع الناس على أساس من المساواة والعدالة، داعيًا الناس أن تقرأ سيرة النبي ﷺ بحب وفهم ووعي؛ حتى لا يعبث أحد بوعيها، أو يستغل جهلها بالسيرة ومقاصدها.