25 ديسمبر, 2015

هل ينهار الاتحاد الأوروبي بسبب أزمة اللاجئين؟

هل ينهار الاتحاد الأوروبي بسبب أزمة اللاجئين؟

حاول الاتحاد الأوروبي جاهدا خلال سنوات الماضية تخطي أزمات عديدة كان أبرزها الأزمة الإقتصادية التي عصفت بالعالم كله وليس الإتحاد وحده، لكن أعقاب الحروب التي اشتعلت بمنطقة الشرق الأوسط عانى الإتحاد الأوروبي من أزمة جديدة وخطيرة وهي أزمة اللجوء. ففي تقرير صدر مؤخرًا عن الأمم المتحدة أوضح بأن عدد  عدد اللاجئين والنازحين في مختلف أنحاء العالم تخطى الـ 60 مليونا أغلبهم فارين من الحرب الدائرة في سوريا.

 و  قد نشرت صحيفة (independent) البريطانية دعوة الأمم المتحدة لقادة الاتحاد الأوروبي إلى ضرورة أن يفتحوا قلوبهم للاجئين السوريين وأن يحسنوا استقبالهم في ديارهم كشرط أساسي لاحتواء هذه الأزمة في أوروبا.
وفي قمة الاتحاد الأوروبي التي بدأ انعقادها الأسبوع الماضي، أكد قادة الإتحاد الأوروبي على ضرورة أن تحسن الشعوب الأوروبية لاستقبال اللاجئين السوريين وأن يعاملوهم معاملة حسنة تتناسب مع ثقافة وعادات الدول الأوروبية.

وتأتي هذه الدعوات بسبب الإنقسام الحاصل داخل دول الاتحاد الأوروبي جراء أزمة استقبال اللاجئين وذلك على المستويين الرسمي والشعبي، ففي استطلاع للرأي حوالي 14 دولة أوروبية –نشرته الإندبندت- جاء فيه

أن حوالي 14 % فقط من الشعب البريطاني يوافق على استقبال اللاجئين في ديارهم بينما أتت إسبانيا في مقدمة الدول الأكثر ترحيبا باللاجئين تليها ألمانيا ثم فرنسا وأوضح التقرير أن أكثر الدول رفضًا للجوء هي بلغاريا. ويتخوف العديد من الأوروبيين بشكل عام من دخول اللاجئين السوريين إلى أراضيهم حتى لا يستولوا على الوظائف الشاغرة لأبناء الوطن، حسب التقرير.

أما على المستوى الرسمي فقد حذرت ألمانيا باتخاذ إجراءات قانونية ضد الدول الأوروبية المتجاهلة لحصتها من اللاجئين – حسب ما نقلته صحيفة الجارديان- حيث نقلت تهديد وزير الخارجية الألماني فرانكفالتر شتاينماير، باتخاذ إجراء قانوني ضد دول الاتحاد الأوروبي التي ترفض قبول لاجئين بموجب برنامج الحصص الذي وضعه الاتحاد الأوروبي.وفي مقابلة مع صحيفة دير شبيغل الأسبوعية قال الوزير: "إذا لم يتسن حل المشاكل بطرق أخرى، فإنه سيتم حل المسائل من خلال القنوات القانونية الملائمة" مضيفا أن "أوروبا هي مجتمع قانون". وفي المقابل هددتا سلوفاكيا والمجر باتخاذ تحرك قانوني ضد نظام الحصص المثير للجدل. وقالت سلوفاكيا الشهر الماضي إنها سترفع شكوى ضد خطة الاتحاد الأوروبي بتوزيع 160 ألف لاجئ على دول الاتحاد.ولم يدخل سوى عدد قليل من اللاجئين إلى سلوفاكيا للمرور بها إلى دول غرب أوروبا، واختار عدد قليل جدا منهم البقاء في هذا البلد. وبموجب نظام الحصص هذا فإن على سلوفاكيا قبول ما لا يقل عن 2300 لاجئ.

وقد نشرت وكالة رويترز تقريرًا يوضح وضع حد لعدد اللاجئين قد يثير المشاكل داخل بلد مثل ألمانيا التي تؤيد حكومتها استقبال اللاجئين. فهناك نزاعات كبيرة داخل أعضاء الحزب المسيحي الذي تترأسه المستشارة الألمانية بخصوص أعداد اللاجئين والتي تقف ضد تقليصه المستشارة الألمانية وخاطبت أعضاء حزبها قائلة إن حق اللجؤ السياسي لن يحرم منه أي إنسان يعاني من استبداد داخل دولته. وجاءت دعوة تقليص عدد اللاجئين من بعض الأحزاب المعارضة بالإضافة إلي بعض الأفراد داخل الحزب المسيحي الحاكم ولكن علق البعض على هذه الدعوة أن قانون حق اللجؤ السياسي في ألمانيا لا ينص على تحديد لرقم معين بموجبه تمنع الحكومة اللاجئين من الدخول لأراضيها.

كما لم تتلق ميركل تأييدا يذكر من شركائها في الاتحاد الأوروبي في اقتسام عبء المهاجرين. وأصرت الغالبية على أن الأولوية لديهم هي لإغلاق الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بدلا من استقبال أعداد كبيرة من اللاجئين في بلادهم.

ويرجع هذا في جانب منه إلى استياء مستتر من الهيمنة الألمانية على الاتحاد الأوروبي ورد على رفضها المشاركة بحصة أكبر من المخاطر المالية في الاتحاد الأوروبي، حسب تقرير نشرته وكالة رويترز.

كما يتهم بعض الشركاء برلين بالرياء فيما يتعلق بالعلاقات التي تربطها بروسيا في مجال الطاقة في الوقت الذي يعاني فيه أصدقاء لها مثل فرنسا وهولندا والدنمرك من صعود نجم الساسة اليمينيين الشعبويين المناهضين للهجرة.

وجاء واحد من أشد ردود الصد فيما يتعلق بتوزيع عبء اللاجئين من فرنسا الحليف الوثيق. فقد قال رئيس الوزراء مانويل فالس عن سياسة الانفتاح التي تتبعها ميركل تجاه اللاجئين السوريين "لم تكن فرنسا هي التي قالت ’تعالوا’."

وتكاثر المنتقدون على ميركل في القمة التي عقدها الاتحاد الأوروبي بمناسبة نهاية السنة. فقد شن عليها رئيس الوزراء الايطالي ماتيو رينتسي هجوما دعمته فيه البرتغال واليونان لرفضها قبول خطة لضمان ودائع البنوك في منطقة اليورو.

وفي تقرير هام نشرته وكالة رويترز تحت عنوان "أوروبا .. هل تخرج من رمضاء 2015 إلى نار 2016؟" أظهر مدى عمق الأزمة داخل الإتحاد الأوروبي وأن الإتحاد لم يتعرض لهزة شديدة منذ العام 1989 الذي سقط فيه سور برلين وانهارت الشيوعية في شرق أوروبا مثل ما يتعرض له الإتحاد الآن جراء أزمة اللجوء.

ويوضح التقرير أن العام 2015 كان عام الويلات على الإتحاد الأوروربي ولا يتوقع الخبراء أن يكون العام القادم أفضل حالاً  بل يُتوقع أن يكون أسوأ، فقد حذر جان كلود يونكر - رئيس المفوضية الأوروبية- الذي يصف الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي بأنه "مفوضية الفرصة الأخيرة" من أن منطقة شينجن التي لا تطبق فيها أي قيود حدودية ويتنقل فيها المسافرون دون الحاجة لجوازات السفر أصبحت في خطر كما أن من المستبعد أن يبقى اليورو نفسه قائما إذا أغلقت الحدود الداخلية. وقد صرح قائلا: "الأزمات التي لدينا الآن ستظل موجودة بل ستأتي أزمات أخرى."

كما ذكر التقرير أن إحدى المشاكل التي يرجح أن تزداد تدهورًا في عام 2016 هي أن القادة الرئيسيين في أوروبا ضعفاء سياسيًا ومشغولون بتحديات داخلية كبيرة بما يجعلهم يعجزون عن اتخاذ التدابير الضرورية المطلوبة جماعيا.

 وقد أرجعت وكالة رويترز أسباب الأزمة الأوروبية التي شهدها الاتحاد خلال العام الحالي من صدمات سياسية واقتصادية إلى طوفان المهاجرين وديون اليونان وعنف الإسلاميين والتحركات العسكرية الروسية -على حد تعبيرها- وأدى ذلك إلى عودة القيود الحدودية في كثير من الأماكن وإلى صعود نجم قوى سياسية شعبوية مناوئة للاتحاد الأوروبي وإلى تبادل الاتهامات فيما بين حكومات الاتحاد.

وبالنسبة لدولة قوية بالاتحاد مثل بريطانيا فإن استطلاع الرأي الذي أشرنا إليه مسبقًا يوضح أن مدى الانزعاج العام في بريطانيا من مسألة الهجرة والجو السائد المناهض للنخبة والارتياب القديم في أوروبا الذي تعمل وسائل الإعلام المتشككة على الترويج له، وإن الاستفتاء قد يحمل في طياته مأزقا كبيرا.

فإذا أصبحت بريطانيا - صاحبة ثاني أكبر اقتصاد في أوروبا وإحدى القوتين العسكريتين الرئيسيتين في القارة - أول دولة يقرر الناخبون فيها الانسحاب من الاتحاد الأوروبي فستكون تلك لطمة مدمرة للثقة في الاتحاد ومكانته الدولية.

ويعتقد أنصار الاتحاد الأوروبي أن خروج بريطانيا سيؤدي إلى تحرير بقية الأعضاء من القيود التي تكبل مضيهم قدما في وحدة أوثق قائمة على منطقة اليورو.

لكن هذه الرؤية تتجاهل الانقسامات العديدة بين الدول الأخرى الأعضاء وعددها 27 دولة من شرق وغرب وشمال وجنوب ومؤيدين لحرية الأسواق مقابل مؤيدين لسياسات الحماية واشتراكيين مقابل المحافظين ومدافعين عن السيادة الوطنية مقابل المدافعين عن التكامل.

والأرجح أن الاستفتاء على خروج بريطانيا سيؤدي إلى مطالب بإجراء استفتاءات في دول أخرى من بولندا إلى الدنمرك وسط مفاوضات لاذعة بين لندن وبروكسل حول شروط انسحاب بريطانيا وعلاقاتها بالاتحاد مستقبلا.

وقد كانت الدنمرك مثالا حيًّا على مدى المخاطرة السياسية عندما تتوجه الحكومات في أي مكان في أوروبا إلى ناخبيها بالسؤال عما إذا كانوا يريدون توثيق العلاقات مع الاتحاد الأوروبي. فقد كان الرد "لا شكرا".

 

قراءة (4050)/تعليقات (0)