22 ديسمبر, 2022

مظاهر تعايش واندماج المسلمين في إيطاليا

مظاهر تعايش واندماج المسلمين في إيطاليا

دعت الأديان السماوية كافة إلى التعايش السلمي بين البشر، بغض النظر عن الجنس أو العرق أو اللون أو الدين. ويعد التعايش جزءًا أصيلًا من تعاليم الإسلام، قال تعالي: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}. (الآية 13 سورة الحجرات) ولقد كانت قدرة المسلمين على التعايش مع غيرهم من مُختلف القوميات والأعراق والأديان، أحد المحددات الرئيسية في انتشار الإسلام حول العالم. فالتنوع الإنساني يمثل بلا شك ثراءً للمجتمع إن أُحَسِنت إدارته. ولذلك تحظى قضية التعايش والاندماج المجتمعي باهتمام كبير بالنظر إلى دورها الكبير في تطور المجتمعات. وفي إطار متابعة مرصد الأزهر الشريف لأحوال المسلمين في المجتمعات الغربية تُلقي وحدة الرصد باللغة الإيطالية نظرة عامة على اندماج المسلمين وتعايشهم في إيطاليا، مع إشارة إلى أهم الفعاليات والمؤتمرات التي تُعقد بهدف تعزيز عملية الاندماج والحث على الحوار بين الأديان وتقبل الآخر.

فعاليات التعايش والحوار ومظاهر الاندماج

ينعكس التعايش والاندماج الإيجابي بصورة جلية من خلال التعاملات اليومية بين أبناء المجتمع، وهذه القضية تتطلب الاستفادة من الوسائل المختلفة للتوعية بثقافة التعايش وغرسها في نفس المواطن بحيث يلمس أهمية التآلف ويشعر به. ومن أهم هذه الأدوات الندواتُ والدورات والمؤتمرات التي تُعنى بالتعايش السلمي والحوار بين الأديان، ومن أبرزها للعام الجاري:

 

على نفس القارب: عقد المكتب المسكوني للحوار بين الأديان (UNEDI) التابع لمجلس الأساقفة الإيطالي، بالتعاون مع قيادات الهيئات الإسلامية في إيطاليا، لقاءً وطنيًّا إسلاميًّا مسيحيًّا بعنوان: "على نفس القارب" في المدة ( 24- 26) يونيو 2022م، هو الثالث من نوعه ضمن مشروع "خطوات هامة" الذي يُعقد سنويًّا بغرض تسليط الضوء على بعض النقاط التي وردت في "وثيقة الأخُوَّة الإنسانية" التي وقَّعها فضيلة الإمام الأكبر أحمد الطيب، وقداسة البابا فرنسيس في فبراير 2019م. وركز اللقاء في نسخة هذا العام على مسألة المواطنة وتحدياتها.

 

رُطب مريم: هو عنوان الندوة التي عُقدت بالمسجد الكبير بالعاصمة (روما) بحضور عدد من القيادات الإسلامية والمسيحية وأساتذة اللغة العربية والعلوم الإسلامية بالجامعات الإيطالية؛ حيث تحدث المشاركون عن صورة (العذراء مريم) باعتبارها رمز الوحدة بين المسلمين والمسيحيين حول العالم؛ وكذلك لقاء الملك الكامل الأيوبي والقديس فرنسيس الأسيزي في مدينة دمياط قبل (800) عام، بوصفه رمزًا للحوار بين الأديان. وفي نهاية الندوة تم توزيع شهادات إتمام الدورة التدريبية المتخصصة في الدراسات المتعلقة بالسيدة مريم والدراسات الإسلامية.

 

فرانسيس والسلطان: شارك المركز الثقافي الإسلامي في روما، بالتعاون مع الجامعة الأنطونية البابوية، في تقديم عرض فني مستوحى من اللقاء التاريخي بين السلطان الملك الكامل، والقديس فرنسيس الأسيزي بمدينة دمياط المصرية، في باحة المسجد الكبير بتاريخ 8 أكتوبر 2022م. ولم يقتصر الحضور على مشاركة رجال الدين فحسب، بل شاركت فيه شخصيات ‏عامة، وقيادات سياسية، وجمعٌ من المدراء والمسئولين بالحكومة، كما شارك فيه ممثلون عن منظمات غير ‏حكومية.

 

تهنئة بالعيد: نشر موقع رئاسة الجمهورية الإيطالية الرسمي، نص تهنئة الرئيس "سيرجيو ماتَّريللا" إلى المسلمين في إيطاليا بعيد الفطر، وفيها:" يدعونا هذا الاحتفال إلى التفكير في الدور الحاسم الذي يمكن أن تقوم به الأديان وسيلةً لتفعيل السلام، وتنمية الحوار الحضاري، والمشاركة بين الأفراد والشعوب، وتماسك نسيج المجتمع". وشدد على ضرورة إعادة التأكيد على دور المؤسسات السياسية والدينية والمدرسة والأسرة في نشر ثقافة الاحترام المتبادل، والحد من خطاب الكراهية والعنف، وأضاف:" إنه التزام أخلاقي يقع على عاتقنا تجاه من هم أصغر منا سنًّا، والذين يجب أن نبني بهم ولأجلهم نسيجًا مجتمعيًّا قويًّا قادرًا على رفض وإدانة أي شكل من أشكال التعصب والتمييز". وقد تركت هذه الرسالة انطباعًا جيدًا بين المسلمين، وعكست بالوقت نفسه رغبة الدولة الإيطالية في بناء نوع من التعايش بين جميع الطوائف والمعتقدات الدينية المختلفة.

وفي السياق ذاته سلطت الصحف والمواقع الإخبارية الإيطالية الضوء على أداء المسلمين صلاتي عيدي الفطر والأضحى لهذا العام في المدن الإيطالية المختلفة والأجواء الاحتفالية التي أعقبت الصلاة؛ حيث شهدت المدن الإيطالية الكبرى، مثل: روما، وميلانو، ونابولي، وتورينو، تجمع الآلاف من المسلمين لأداء الصلاة في أجواء تغمرها السعادة والبهجة. ومن أبرز ما ذكرته الصحف الإيطالية أن "ليولوكا أورلاندو" Leoluca Orlando، رئيس بلدية مدينة باليرمو، شارك الجالية المسلمة هناك في احتفالها بالعيد وقد عبَّر عن سعادته لحضور الصلاة، وشَكَر الجالية على الإسهام الذي تقدمه للارتقاء بالمدينة. أيضًا في مدينة ييزي شارك "ماسيمو باتشي" Massimo Bacci رئيس بلدية المدينة في الاحتفال. أما في مدينة بياتشينسا فقد حضر الصلاة الأسقف أدريانو تشيفوليتو Adriano Cevolotto. كما أشارت الصحف إلى أن بعض المسئولين الحكوميين وبعض الأساقفة قد بعثوا برسائل تهنئة للجالية المسلمة في إيطاليا بهذه المناسبة التي تمت في جو من الألفة والمحبة. كما سلطت الصحف الإيطالية الضوء على الدعاء الذي كان حاضرًا في خطب الكثير من الأئمة وهو الدعاء بأن ينعم العالَم بالسلام وأن تنتهي الحرب في أوكرانيا.

 

ثانوية فيديريكو والإدريسي: طالب تلاميذ ثانوية "فيتوريو إيمانويلي" بمدينة باليرمو بإقليم صقلية جنوب إيطاليا، بتغيير اسم المدرسة إلى "فيديريكو الثاني والإدريسي" بدعوى أن الأخير كان الجغرافي الأول الذي رسم في بلاط روجر الثاني خريطة صقلية، وهو عربي ولكنه أيضًا صقلي، وكان يرى شكل العالم من اتجاه الجنوب، فلذلك رسم جزيرة صقلية مقلوبة". وأضاف الطلاب: "نَودُّ تسمية المدرسة باسم أولئك الذين كانت لديهم رؤية مستنيرة لهذه الأرض". ووصف الطلاب مدينة باليرمو برمز للاندماج، حيث يشكل العرب فيها والأفارقة والبنغاليين والصقليين مجتمعًا واحدًا.

نماذج لاندماج المسلمين في إيطاليا

هناك نماذج ملموسة -وإن كانت ليست بالكثيرة- تدل على اندماج الجالية المسلمة في المجتمع الإيطالي، وذلك من خلال الاسهامات العلمية والثقافية والرياضية وتولي العديد من المناصب، ومن أبرز النماذج على اندماج المسلمين في إيطاليا خلال العام الجاري، فوز الشاب "أحمد عبد الواحد" بالميدالية الفضية، والشاب "أسامة زغلامي" بالميدالية البرونزية، في سباق (3000) متر موانع ببطولة أوروبا لألعاب القوى بمدينة ميونخ أغسطس 2022م. وكلاهما ينتمي لشباب الجيل الثاني من مسلمي إيطاليا الذين اتخذوا الرياضة وسيلة لتحقيق الاندماج.

من مظاهر الاندماج كذلك، دعوة الجمعية الإسلامية الإيطالية للأئمة، بالتعاون مع اتحاد الهيئات الإسلامية في إيطاليا، إدارات المراكز الإسلامية وعموم المسلمين إلى "صلاة الاستسقاء" يوم الجمعة الموافق 24 يونيو 2022م اقتداءً بسنة رسول الله (ﷺ) نظرًا لما تمر به إيطاليا من جفاف وتراجع في منسوب المياه الجوفية ومياه الأنهار والوديان مع ارتفاع في درجات الحرارة، بسبب قلة هطول الأمطار وتأخرها، وآثار ذلك على البيئة والحياة بشكل العام. كما أوصت عموم المسلمين بالإكثار من الدعاء والتضرع إلى الله تعالى بطلب نزول الغيث، وأهمية تجديد التوبة له سبحانه وكثرة الاستغفار، والاقتصاد في استعمال الماء على الدوام. وقد أشادت بعض الصحف الإيطالية بهذه المبادرة الطيبة.

من جانبه يثني مرصد الأزهر لمكافحة التطرف على هذه المبادرات التي من شأنها أن تدعم الاندماج والتعايش السلمي المشترك بين مختلف الشعوب والأديان وتساعد على بناء مستقبل مُضيء يقوم على تقبل الآخر والتضامن بين عامة الناس. وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى ما نادى به فضيلة الإمام الأكبر في أكثر من مناسبة ولقاء؛ حيث دعا فضيلته المسلمين الذين يعيشون في أوروبا إلى الاندماج الإيجابي الواعي في مجتمعاتهم والمشاركة في صياغة وصناعة حاضر ومستقبل البلدان التي يعيشون فيها.

وحدة الرصد باللغة الإيطالية

قراءة (1353)/تعليقات (0)