28 أغسطس, 2023

مدن صينية عرفت الإسلام

مدن صينية عرفت الإسلام

   احتضنت مقاطعة يوننان (云南省- Yúnnán shěn) العديد من علماء المسلمين؛ حيث تحولت إلى أحد أهم المراكز الثقافية والتاريخية للمسلمين في الصين.

وتركز هذه المقالة التي تأتي ضمن سلسلة حلقات وحدة اللغة الصينية بمرصد الأزهر بعنوان: "مدن صينية عرفت الإسلام" على التعريف بهذه المقاطعة الزاخرة بالآثار والمشاهد الإسلامية.

تقع (يوننان) على الحدود الجنوبية الغربية لجمهورية الصين الشعبية، وعاصمتها كونمينغ (昆明-Kūnmíng). وتمثل هذه المقاطعة (٤,١١٪) من جمهورية الصين بمساحة إجمالية تقدر بنحو (390 ألف) كيلومتر مربع، وتحتل المرتبة الثامنة بين جميع المناطق الإدارية الإقليمية في الصين. يحدها من الشرق Guizhou 贵州، Guangxi 广西، ومن الشمال مقاطعة سيتشوان 四川Sichuan، وتقع التبت في الشمال الغربي للمقاطعة، ودولة ميانمار في الغرب، وفي الجنوب تقع دولتي لاوس وفيتنام.

مكانة مقاطعة يوننان

تتمتع المقاطعة بمكانة تاريخية وثقافية بين الأقاليم الصينية؛ حيث تحوي أكبر عدد من المجموعات العرقية والتي تبلغ حوالي (٢٦) قومية من إجمالي (٥٦) قومية في عموم الصين. ويبلغ عدد سكان مقاطعة يوننان (46,93 مليون) نسمة وفق إحصاء العام 2022م. وتتميز بموقعها الجغرافي، ومناظرها الطبيعية، وهى موطن للعديد من الأنهار مثل: نهر اليانغتسى 长江Chángjiāng، ونهر اللؤلؤ Zhūjiāng珠江، ونهر يوانجيانغ 元江Yuánjiāng ونهر لانتسانغ澜沧江Lán cāng jiāng ، ونهر نوجيانغNùjiāng怒江 ، ونهر داينغجيانغ 大盈江Dà yíng jiāng .

هذا الموقع المتميز جعل من مقاطعة (يوننان) منطقة وطنية للتجارة الحرة قديمًا وحديثًا، نظرًا لكونها جزءًا مهمًّا من طريق الحرير قديمًا، وطريق الحزام، والطريق الحديث لنهر اليانغتسي، وأحد الأماكن المهمة التي يقصدها السياح من الداخل والخارج لكونها مَعْلمًا رئيسيًّا للسياحة الثقافية في الدولة الصينية، مما جعل لها مكانة اقتصادية كبيرة.

تاريخ الإسلام في يوننان

عَرَفت الصين الإسلام بداية من القرن الأول الهجري، فقد اهتم الخلفاء المسلمون مُنذ نشأة الدولة الإسلامية بالإمبراطورية الصينية. وبحسب الروايات التاريخية يرتبط دخول الإسلام إلى الصين ببعثات الخليفة الراشد "عثمان بن عفان" إلى الإمبراطور الصيني.

ومع هذا فقد اقتصرت هذه العلاقات على الجوانب التجارية وبعض الأنشطة الدبلوماسية، حتى عهد الخلافة العباسية، خاصة بعد اجتياح المغول للصين وللعالم الإسلامي، والتي تعد البداية الحقيقية لدخول الإسلام في البلاد، فقد شهدت الصين حركة غير مسبوقة من الوجود الإسلامي عبر هِجرات كبيرة من المسلمين، والاندماج داخل المجتمع.

ويرجع الفضل في انتشار الإسلام بمقاطعة (يوننان) إلى حكم أسرة "يوان" بعد سيطرة المغول على الصين. وتطورت علاقات المسلمين مع حكام هذه الأسرة نتيجة اختلاط المغول بالمسلمين بعد الاجتياح الكبير الذي طال العراق والشام، الأمر الذي أتاح للمسلمين تقلد أرفع المناصب في البلاط الإمبراطوري، والجيش الصيني، وحكم المقاطعات. وقد اعتمدت أسرة (يوان) على المسلمين في إدارة البلاد؛ بسبب درايتهم الكبيرة بالعلوم الدنيوية، ولقد سُجلت داخل سجلات إمبراطورية يوان الكثير من أسماء الشخصيات الإسلامية صاحبة الأثر الكبير.

واتسع نطاق الوجود الإسلامي في عهد الخاقان الخامس للإمبراطورية المغولية "قوبلاي خان" في المدة (1260م- 1294م) حيث استعان بعدد كبير من سكان وسط آسيا والفرس والعرب وخاصة المسلمين في الجيش المغولي، واعتمد عليهم في إدارة شئون البلاد، ومنهم السيد شمس الدين عمر (1211م-1279م) والذي تولى إدارة شؤون يوننان، وكان له الفضل خلال السنوات التي قضاها في حكم يوننان في نشر الإسلام؛ وإليه تُنسب الكثير من المساهمات الكبيرة في البناء الاجتماعي، والاقتصادي، والثقافي بمقاطعة يوننان، كما أن الكثير من المؤرخين ينسبون الفضل إليه في تكوين قومية هِوي Huí ، والتي تعد حاليًا أكبر القوميات المسلمة في الصين، ولقد تميَّز أبناء تلك القومية بالاندماج مع أبناء الشعب الصيني من قومية "الهان" التي كان لها أغلبية بين أبناء الشعب الصيني.

ومع ظهور المسلمين قوةً وركيزةً في بناء الحضارة الصينية، أصبح المسلمون أكثر قُربًا من المجتمع الصيني، وتشابهًا معه، وظهرت قومية هِوي المسلمة عنصرًا من عناصر المجتمع الصيني، وبدأت في التشكل، وتقاربَ المسلمون، وخاصة أبناء قومية هِوي مع أبناء قومية الهَان Han ذات الأغلبية في المجتمع الصيني، وتشابهت ملابسهم وأنواع الأطعمة التي يأكلونها، لذلك يسمى هذا العصر بالعصر الذهبي للمسلمين في الصين.

وفي عهد أسرة مينغ (1368م -1644م) أصبح المسلمون جزءًا من الحضارة الصينية، وأصبحت لهم ثقافة لا تختلف عن الثقافة الصينية، ولكنها تتمتع بخصوصية اكتسبتها باختلاط العديد من الأعراق على الأراضي الصينية. فكانت مقاطعة يوننان من المقاطعات التي كانت مكانًا لتجمع المسلمين في الصين، والتي تمثل أحد أهم أشكال التعايش في الصين.      

أشهر علماء مقاطعة يوننان وأعلامها

اكتسب المسلمون الصينيون، وخاصة في مقاطعة يوننان على مدار تاريخهم العديد من الخبرات والمعارف، ومع تزايد أعدادهم في المدينة ظهر فيهم العديد من العلماء والإعلام. فهناك العديد من العلماء الصينيين البارزين الذين خصصت لهم وحدة اللغة الصينية مقالات منفردة تجمع أبرز إنجازاتهم، وسير حياتهم. وفيما يلي نسلط الضوء على ملخص لأهم أعلام مقاطعة يوننان:  

  1. شمس الدين عمر (1211م-1279م) 赛典赤·赡思丁Sài diǎn chì•shàn sī dīng

سياسي بارز، ظهر في أوائل عهد أسرة يوان، وكان له دور كبير في تطوير المجتمع الصيني؛ خاصة خلال السنوات التي قضاها في يوننان، حيثُ قدم مساهمات كبيرة في البناء الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

  1. محمد مكين majian马坚(1906م ـ 1978م)

 عالم ديني، وهو أحد أشهر مترجمي معاني القرآن الكريم إلى اللغة الصينية، وله مصنفات عديدة في التعريف بالحضارة العربية والصينية، ووُلد عام 1906م لأسرة مسلمة من قومية هوي في قرية شاديان沙甸 shadian في مقاطعة يوننان بجنوب غربي الصين.

  1. تشنغ خه  Zhènghé鄭和(1371م-  1435م)

صاحب رحلات الكنز الشهيرة، وفخر البحرية الصينية على مدار التاريخ إلى الآن، وكان له دور بارز في سيطرة إمبراطورية مينغ على التجارة في المحيط الهندي، وجنوب آسيا، وإفريقيا.

أشهر مساجد يوننان

 تمتاز المساجد في مقطعة يوننان بطراز معماري فريد؛ حيث يختلط الماضي بالحاضر، ويمكن تقسيم هذه السمات بشكل عام إلى ثلاثة أنماط معمارية: القصر التقليدي، والعربي، والأقليات العرقية. ويمكن غالبًا دمج هذه العناصر المعمارية ذات الأنماط المختلفة، ودمجها حيث تتناغم في شكل انسيابي دون تكلف؛ إذ تحمل معظم المساجد في الصين بصمات واضحة للعصور الصينية، وتعكس التغييرات المعمارية في المساجد في يوننان الهوية المتعددة الثقافات للقوميات المسلمة في يوننان. ومن أشهر هذه المساجد:

  1. المسجد القديم ”云南古老的清真  

     بُني في عصر أسرة يوان التي حكمت الصين باسم التتار، ويحتفظ المسجد القديم بالطراز المعماري التقليدي لأسرتي مينغ وتشينغ، حيث دمج الثقافة الإسلامية في عدد من العصور والهندسة المعمارية المحلية في يوننان.

  1. مسجد شاديان الكبير "沙甸大清真寺"

       أحد المساجد القديمة في الصين، بُنِيَ في عهد أسرة مينغ (1488م-1505م)، ومعماره مثل الكثير من المساجد الصينية يحتوي على قاعة محاضرات، وقاعة للعبادة، وقد أُعيد بناؤه عدد من المرات، كان آخرها عام ١٩٨١م على الطراز العربي التقليدي، حيث أصبح المعمار العربي أكثر انتشارًا في الصين.

  1. مسجد يونغ نينغ 永宁

   يقع المسجد في الجزء الغربي من مدينة كونمينغ بمقاطعة يوننان، بُنِيَ في عهد أسرة يوان، في عهد السياسي المسلم الشهير شمس دين عمر، وأُعيد بناؤه عام 1898م، وفي عام 2007م تم تغيير الهيكل الخشبي. وقد استفاد العديد من الأئمة، وكبار المدرسين الصينيين بالمسجد؛ حيث كان منارة للعلم، ومدرسة تعلم فيها المسلمون الصينيون العلوم الدينية.

وحدة رصد اللغة الصينية

 

 

قراءة (1139)/تعليقات (0)