25 سبتمبر, 2023

نقد القراءة المتطرَّفة للتاريخ الإسلامي.. خالد بن الوليد أنموذجًا

نقد القراءة المتطرَّفة للتاريخ الإسلامي.. خالد بن الوليد أنموذجًا

     يُشكّل التاريخ الإسلامي، باعتباره جزءًا من التاريخ الإنساني بصفة عامة، مادة خصبة تتشعب منها الكثير من القراءات ووجهات النظر المختلفة. والأمر لا يقتصر على اختلاف القراءات فقط، ولكن ربما يرتبط بأيديولوجية الباحث الفكرية، والتي يحاول من خلالها إعادة رسم التاريخ، وتسليط الضوء على بعض التفاصيل التي من شأنها مساعدته في الوصول إلى النتائج التي تخدم قناعاته، وأهدافه. كذلك قد يكون سبب الاختلافات، الصراع الفكري بين القوى الفاعلة، والمؤثرة على الساحة، والتي قد تضم بين عناصرها من يريد العبث في المادة التاريخية، أو رسم أحداثها وفق رؤى، ومعطيات لها مصلحة في إحداث هذا التفاوت بين الواقع الجديد، والحقيقة التاريخية.

وإذا ما انطلق الباحث عند قراءته للتاريخ متجردًا من الحيادية، والموضوعية، وتحكَّمت فيه الأهواء الذاتية، فسوف نجد أنفسنا أمام قراءة متطرفة للتاريخ، وهو بالطبع ما سيتسبب في مأساة حقيقية للأجيال الحالية والقادمة، لأنها ستحجب عنهم رؤية الماضي بشكل موضوعي يساعدهم على التعلم، واستخلاص الدروس، والعبر من أجل فهم الحاضر، واستشراف المستقبل.

كذلك تسلبنا القراءة المتطرفة، وغير الموضوعية أشياء جوهرية من تاريخنا، خاصة ما يتعلق بالشخصيات، والرموز الإسلامية، وهي تعيق المتلقي عن تكوين صورة موضوعية حقيقية عن هذا الرمز، أو ذاك، إذ تهدف هذه القراءة في المقام الأول إلى نقل صورة مغلوطة تخالف الوقائع الموثقة والمتواترة التشكيك المستمر لكل ما يمت للتاريخ الإسلامي بصلة. وبالتالي تتحول مثل هذه القراءات إلى مكايدة، أو تصفية حسابات.

على سبيل المثال أثيرت الكثير من الشبهات حول شخصية بحجم "خالد بن الوليد" الملقب بـ "سيف الله المسلول" ورسمت حوله قصص تجافي الحقيقة، وصفحات التاريخ الصحيحة. فهو تارة محبوس في دائرة العنف لا سيما أنه كان قائدًا عسكريًّا، ومن ذلك القصة المتداولة عن زواجه (رضى الله عنه) من "ليلى بنت سنان" بعد قتل زوجها "مالك بن نويرة"). وتارة أخرى يُنظر إليه على أنه ليس شخصية دينية بحجة تأخُّر إسلامه، وأنه لم يُسهم في علوم الإسلام من تفسير، وحديث، وفقه، أو أنه لم يقُم برواية الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم). ومن الشبهات التي تُثار حوله أيضًا أنه لم يستطع التخلص من إرث الجاهلية، وعاداتها التي ترتكز على حب الترف، والتفاخر.

بالطبع لم تقترب هذه القراءة من الصواب، وتعمَّد أصحابها تسليط الضوء على زاوية واحدة معينة، بغرض إهمال السياقات البيئية، والاجتماعية التي نشأ وتربَّى فيها "خالد بن الوليد". والحقيقة إن تأخُّر إسلامه كان بسبب نشأته في قبيلة ذات طبيعة خاصة، تتمتع بالسيادة والنفوذ في مكة، هي "بني مخزوم" ولم يكن بسبب حقد أضمره على الإسلام أبدًا. فالرجل رغم فروسيته، وشجاعته، وولعه بالحروب لم يُعرف عنه أبدًا أنه أضغن على أحد. وعن ذلك يقول "محمود عباس العقاد" في كتابه "عبقرية خالد": "كذلك لا يُفهم من ولعه بالحرب على هذه الصفة أنّه كان مُبتلى بذلك الولع الأهوج الذي يُبتلى به من لا يعقلون هجومًا، فقد كان يقدُم عن علم بمواضع الإقدام، أمَّا إذا وجب التراجع، فالشجاعة كل الشجاعة عنده أن يؤمن بهذه الحقيقة، وأن يُدبر أمر التراجع بعد ذلك على النحو الذي يصون الكرامة والدماء".([1])

هذه هي شخصية (خالد) وهذه هي جنديَّته بمزاياها، وليس عيبًا أن تكون هي أبرز مؤهلاته التي امتاز بها، وبرع فيها، حتى إن النبي (صلى الله عليه وسلم) تمنَّى دخوله الإسلام، لذلك أرسل إلى أخيه "الوليد بن الوليد" وقال:" ما مثل خالد يجهل الإسلام، ولو كان جعل نكايته وحده مع المسلمين على المشركين كان خيرًا له، ولقدَّمناه على غيره". وقد وافق ذلك الأمر هوى (خالد) وزادت رغبته في الإسلام بعد سؤال النبي (صلى الله عليه وسلم) عنه. فلو كان (وهو الذي يأتيه اليقين من ربه) يعلم أن تأخُّر إسلام (خالد) خبث نيته تجاه الإسلام، وأنه لن يُرجى منه خير ما دعاه إلى اعتناقه، ولكنه كان يعلم بفروسيته، ونبل أخلاقه.

أما القراءة القائلة بأن خالد ابن الوليد ليست شخصية دينية بحجّة أنه لم يقم برواية الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أو الإسهام في العلوم الشرعية، فلا تعدو مجرد محاولة للنيل من شخصية هذا الفارس النبيل. فالباحث عن سيرة الرجل يعلم أنه لم يمكث بعد إسلامه في حياة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا مدة ثلاث سنوات، إذ أسلم في شهر صفر من العام الثامن للهجرة وقبل ثمانية أشهر من فتح مكة، وشهرين على غزوة مؤته، وكان من الطبيعي لفارس مثله أن يكون من أول المتأهبين لهذه الغزوة الكبيرة، وأن يكون من بين قادتها. وبعد إسلامه، لم يتمكَّن من البقاء مع النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا قليلًا، إذ تنقّل بين السرايا والغزوات، وهذا بطبيعة الحال لم يُمكنه من المشاركة في رواية الحديث عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أو الإسهام في سائر علوم الدين، حيث انشغل بخدمة الإسلام في ميدان الجندية. ومع ذلك فقد كان حزينًا لهذا الأمر، فمن أقواله: "إن الجهاد شغلني عن تعلم القرآن، أو قراءة كثير من القرآن"، وعذره في ذلك أنه لم يقض في ملازمة النبي (صلى الله عليه وسلم) إلا أوقاتًا قصيرة.

وفيما يتعلق بالقراءة القائلة بأنه (رضى الله عنه) لم يستطع التخلص من إرث الجاهلية، وعاداتها التي ترتكز على حب الترف والتفاخر، فهي أيضًا قراءة غير موضوعية، تعمَّدت إغفال السياقات المعاصرة لحياته، ونشأته القبلية. والثابت أن (خالد) بعد عودته من حروب الروم في العام السابع عشر للهجرة، كان قد أعطى الشاعر "الأشعث بن قيس" مبلغ عشرة آلاف درهم، لقاء قصيدة مدح من خلالها بأسه وشجاعته، وقد عظُم هذا البذل على الفاروق "عمر بن الخطاب" الذي كتب إلى قائده العام "أبي عبيده بن الجراح" يأمره بالسؤال عن مصدر هذا المال، ثم عزله عن الجيش للمرة الثانية (كان العزل الأول في العام الثالث عشر للهجرة؛ لاختلاف سياسات الحكم بين (الفاروق) من جهة، و(خالد) من جهة أخرى). وبعد أن علم ببراءة (خالد) وأن المال إنما هو من نصيبه من الأنفال، أرسل إلى الأمصار يأمر الولاة أن يعلنوا فيها باسم الفاروق: "أني لم أعزل خالدًا عن سخطة، ولا عن خيانة، ولكن الناس فُتنوا به، فخشيت أن يوكلوا إليه ويُبتلوا، وألا يكونوا بعرض فتنة، وأن يعلموا أن الله هو الصانع".

إن هذا التصرف من جانب "خالد بن الوليد" لم يكن مخالفة في وقته حتى ولو أعطى ببذخ، فهذه عادة وإن لم تكن إسلامية، فهي عربية متأصلة في نفس خالد ابن قبيلة "بني مخزوم" الثريَّة، كما أنها ليست مخالفة شرعية على أية حال، ومع ذلك لم يكن بن الوليد مهتمًا بالعزل، وهنا تأتي عظمة شخصيته، وتهذيب الإسلام لها، فقد كان مهتمًا ببراءته من تبديد مال المسلمين، وليس خسارته لمنصب القيادة. إن تصرف خالد، وردة فعله تجاه عزله، يعكس في المرتبة الأولى نبل أخلاقه، حيث انصاع كجندي مخلص، آثر بنفسه ألا يشعل نار الفتنة بين صفوف المسلمين.

والخلاصة أن اعتماد مثل هذه القراءات الخاطئة هو من قبيل التطاول والتشويه المتعمد، ويفتح بلا شك الباب مجددًا أمام تبنِّي قراءات تاريخية موضوعية تقدم لنا هذه الرموز، وتلك الشخصيات كما هي بدون مبالغات فكرية أو ذاتية. ونحن بالفعل في حاجة ماسَّة إلى معرفة هذه الشخصية عن كثب، وما هي العوامل التي أثّرت في تكوينها، والسياقات، والظروف العامة التي حكمت توجهاتها، هذه الحاجة تبرز كلما نظرنا إلى تاريخنا الذي تقدمه لنا تلك التيارات المنحازة كما تشاء.   

والواقع يقول: إن الموضوعية مطلوبة ليس فقط من أجل قراءة منضبطة للتاريخ، وإنما أيضًا لفهم حياتنا المتشابكة، والمعقدة، والتي يصر كل فريق أن يرسمها بألوانه الخاصة التي ليست لها علاقة لا بالواقع، ولا بالتاريخ.

وحدة رصد اللغة الإيطالية

 

[1] عباس محمود العقاد، عبقرية خالد، نهضة مصر، الطبعة الثامنة، 2005، صـ 145.

قراءة (711)/تعليقات (0)

1345الأخير