26 سبتمبر, 2023

ذكرى مولد المصطفى.. وغياب لغة الحوار عند المتشددين

ذكرى مولد المصطفى.. وغياب لغة الحوار عند المتشددين

تتعالى كل عام أصوات المتشددين بالتوازي مع ذكرى ميلاد رسول الإسلام (ﷺ) ولم يعد يقتصر الأمر على تجريح وتشويه المسلمين الذين يجتمعون لإحياء هذه الذكرى المحببة للنفوس بتدارس واستحضار مشاهد من سيرته العطرة (ﷺ) وإنما تحريض العوام على مقام العلماء وتبادل الاتهامات بالتبديع والتفسيق، في حين أن هذه القضية ليست من المسائل الكبرى في العقيدة والفقه.

ويورد هؤلاء المتشددون بعض الشبهات التي ترتقي في رأيهم إلى مستوى الأدلة، ومنها أنه (ﷺ) لم يحتفل بهذا اليوم، وكذلك لم يفعل الخلفاء الراشدون ولا أحد من الصحابة، وهذا من الأدلة الواضحة على عدم مشروعية الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف، وأنه من البدع والضلالات التي توقع الإنسان تحت غضب الله تعالى؛ فكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وفيما يلي تفنيد هذه الشبهة بأدلة منطقية:

أولًا: الواقع إن المسلم مطالب شرعًا بأن يكف أذاه عن الآخرين بيده وبلسانه كما نبه رسول الله (ﷺ) بقوله:" المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده" [أخرجه البخاري في صحيحه، رقم (10)، ومسلم، رقم (40)] واتهام أهل السنة بالابتداع في دين الله إنما هو باطل، وفيه إيذاء واعتداء لفظي واضح وصريح على المسلمين.

ثانيًا: لقد تضافرت الأدلة على مشروعية الاجتماع لتذكر ميلاد النبي (ﷺ) وسيرته، ومن ذلك: ما ورد عنه (ﷺ) من أنه كان يصوم يوم الإثنين، وحين سئل عن ذلك قال: " ذاك يوم ولدت فيه " [صحيح مسلم (2: 819)، وتخصيصه ذلك اليوم، فيه دلالة على مزية اليوم عن غيره من الأيام.

ثالثًا: استدل المجيزون بقوله تعالى {وَذَكِّرْهُم بِأَيَّامِ اللَّهِ} [إبراهيم، آية:5] ومولده (ﷺ) من أيام الله تعالى، فقد أهلك الله تعالى أبرهة صاحب الفيل في العام الذي ولد فيه النبي (ﷺ) وفقًا لما ورد في السير.

رابعًا: قول تعالى: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } [ يونس : 58 ] والشاهد في الآية، أن الله تعالى ندبنا أن نفرح بفضل الله وعند حصول الرحمة، وجاء في القرآن الكريم ما يدل على أنه (ﷺ) رحمة للعالمين، قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ }[الأنبياء (107)]، وقد ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما في تفسير هذه الآية أنه قال : "فضل الله العلم، ورحمته محمد صلى الله عليه وسلم، قَالَ الله تَعَالَى: {وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا رَحْمَة للْعَالمين} [الْأَنْبِيَاء الْآيَة 107] [يراجع: الدر المنثور في التفسير بالمأثور للسيوطي (4: 367)].

خامسًا: ورد عن جرير بن عبد الله (t) أن النبي (ﷺ) قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء" [أخرجه مسلم ٦٢ صحيحه (2: 705)]. والمراد بالسنة: الطريقة حسنة كانت أو قبيحة، وقد قسم النبي (ﷺ) أمر الناس وسننهم إلى فريقين، الأول: من يسن السنة الحسنة، والثاني: من يسن السنة السيئة، والاحتفال بالمولد النبوي بذكر سننه وأيامه ليتأسى به الناس لا شك أنه من السنة الحسنة؛ لأن فعل هذه الأمور لها أصولها المندوب إليها في الشريعة الإسلامية.

هذا وقد ألَّف كثير من علماء السنة مؤلفات توضح مشروعية الاحتفال بذكرى مولده (ﷺ) منهم الإمام جلال الدين السيوطي، حيث يقول:" عمل المولد الذي هو اجتماع الناس وقراءة ما تيسر من القرآن، ورواية الأخبار الواردة في بداية أمر النبوة، وما وقع في مولده من الآيات، ثم يمد لهم سماط يأكلونه، وينصرفون من غير زيادة على ذلك - هو من البدع الحسنة التي يثاب عليها صاحبها، لما فيها من تعظيم قدر النبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار الفرح والاستبشار بمولده الشريف" [يراجع: الحاوي للفتاوي للسيوطي (1: 221)].

وقد نقل السيوطي عن شيخ الإسلام ابن حجر العسقلاني  ما نصه:" أصل عمل المولد بدعة لم تنقل عن أحد من السلف الصالح من القرون الثلاثة، ولكنها مع ذلك قد اشتملت على محاسن وضدها، فمن تحرى في عملها المحاسن وتجنب ضدها كان بدعة حسنة وإلا فلا".

قال العسقلاني: وقد ظهر لي تخريجها على أصل ثابت وهو ما ثبت في الصحيحين من أن النبي (ﷺ) قدم المدينة، فوجد اليهود يصومون يوم عاشوراء، فسألهم، فقالوا هو يوم أغرق الله فيه فرعون ونجى موسى، فنحن نصومه شكرًا لله تعالى. فيستفاد منه فعل الشكر لله على ما مَنَّ به في يوم معين من إسداء نعمة، أو دفع نقمة، ويعاد ذلك في نظير ذلك اليوم من كل سنة، والشكر لله يحصل بأنواع العبادة كالسجود، والصيام، والصدقة، والتلاوة، وأي نعمة أعظم من النعمة ببروز هذا النبي؛ نبي الرحمة في ذلك اليوم. وعلى هذا، فينبغي أن يتحرى اليوم بعينه حتى يطابق قصة موسى في يوم عاشوراء، ومن لم يلاحظ ذلك لا يبالي بعمل المولد في أي يوم من الشهر، بل توسع قوم فنقلوه إلى يوم من السنة وفيه ما فيه: فهذا ما يتعلق بأصل عمله.

وبالنسبة للعمل فينبغي أن يقتصر فيه على ما يفهم الشكر لله تعالى من نحو ما تقدم ذكره من التلاوة، والإطعام، والصدقة، وإنشاد شيء من المدائح النبوية، والزهدية المحركة للقلوب إلى فعل الخير والعمل للآخرة، وأما ما يتبع ذلك من السماع، واللهو وغير ذلك، فينبغي أن يقال ما كان من ذلك مباحًا بحيث يقتضي السرور بذلك اليوم لا بأس بإلحاقه به، وما كان حرامًا أو مكروهًا فيمنع، وكذا ما كان خلاف الأولى.

بل إن السيوطي قد استدل على جواز الاحتفال بمولد النبي عليه الصلاة والسلام بما أخرجه البيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم عقَّ عن نفسه بعد النبوة" قال السيوطي: "مع أنه قد ورد أن جده عبد المطلب عقَّ عنه في سابع ولادته، والعقيقة لا تعاد مرة ثانية، فيحمل ذلك على أن الذي فعله النبي صلى الله عليه وسلم إظهار للشكر على إيجاد الله إياه رحمة للعالمين، وتشريع لأمته، كما كان يصلي على نفسه؛ لذلك فيستحب لنا أيضا إظهار الشكر بمولده بالاجتماع، وإطعام الطعام، ونحو ذلك من وجوه القربات، وإظهار المسرات" [يراجع: الحاوي للفتاوي للسيوطي(1: 230)].

وقد أجاز الاحتفال بميلاده الرسول (ﷺ) طائفة من العلماء نذكر منهم على سبيل المثال: الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني، وعبد الله ابن الحاج، والحافظ السخاوي، والحافظ القسطلاني، وابن حجر الهيتمي، وابن دحية، وشمس الدين بن الجزري، وابن ناصر الدمشقي، وملا على القاري، وأبو الفرج ابن الجوزي، وزين الدين العراقي، وعبد الرؤف المناوي.. وغيرهم كثير.

وأخيرًا، فإذا أجاز العلماء الاحتفال بميلاد رسول الله (ﷺ) على صفة معينة، وأوردوا أصلًا له، فلا يجوز الإنكار؛ لأن القاعدة أنه لا إنكار في مواطن الخلاف. ومن المستحسن أن نذكر هنا فتوى لابن تيمية تخص هذا المقام، وفيها: " تعظيم المولد، واتخاذه موسمًا، قد يفعله بعض الناس، ويكون له فيه أجر عظيم لحسن قصده، وتعظيمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم" [يراجع: اقتضاء الصراط المستقيم (2: 126)].

هذا ويرى مرصد الأزهر أن الأولى بالمسلم أن ينزه لسانه عن عبارات السب، والتجريح، والتفسيق، والتكفير، وأن يكون بعيدًا عن كل ما من سببه أن يبعث على العداوة بين أفراد المجتمع، وأن الفرح بسيدنا ومولانا رسول الله عليه الصلاة والسلام في ذكرى مولده، إنما يكون بتذكر سيرته، والعمل بسنته.

والله من وراء القصد،،           

    وحدة رصد اللغة العربية

قراءة (326)/تعليقات (0)