26 سبتمبر, 2023

مولد الرسول: منهج الشريعة بين العقوق والعقيقة

مولد الرسول: منهج الشريعة بين العقوق والعقيقة

تحفُّنا هذه الأيام نسمات الذكرى العطرة للمولد النبوي الشريف على صاحبه أفضل الصلاة وأتم التسليم؛ وهي مناسبة لا يخبت فيها الجدل بشأن مشروعية الاحتفال بمولد سيد الأنام (ﷺ)، شأنها في ذلك شأن جُل المناسبات الدينية والقضايا الخلافية في ميزان الحِل والتحريم، والاتباع والابتداع. وقد أفاض كلا طرفي الحِجاج في التدليل على موقفه، والرد على مخالِفِه، مع التسليم بأن تبديع الاحتفال يأتي من شرذمة قليلين، وبأن المحتفلين هم جُل المسلمين... لكن ما الحيلة وقد أتاحت وسائل الاتصال الحديثة منبرًا -بل منابر- لكل فكرة وإن شذَّت، ولكل طَوِيَّة وإن مَرَدَتْ؟!
لم تقف المؤسسات الدينية في مصر ولا رجالها معقودة اللسان، بل انبَرَت في تبيان الهدى للناس بالدليل، وعَرْض الرأي المستند إلى التنزيل، ورد الفهم المغلوط وإن اتبعه القليل. بذلك أفاض أهل الهداية والتبيين في إيراد الدليل على جواز الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وساقوا لذلك براهين من القرآن الكريم؛ كيف لا وهو سيد المرسلين الذي أُرسل رحمة للعالمين: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: ١٠٧)، ورحمة الله الأسمى تقتضي الفرح بأمر الله سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ (يونس: ٥٨)، ومن فعله ﷺ بصوم يوم الإثنين وتعليل ذلك أن "ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ" (صحيح مسلم: ١١٦٢)، ومن اجتهاد الصحابة في استلهام روح الشريعة ومقاصد التشريع كما في الحديث أن "رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ خَرَجَ علَى حَلْقَةٍ مِن أَصْحَابِهِ، فَقالَ: ما أَجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ وَنَحْمَدُهُ علَى ما هَدَانَا لِلإِسْلَامِ، وَمَنَّ به عَلَيْنَا، قالَ: آللَّهِ ما أَجْلَسَكُمْ إلَّا ذَاكَ؟ قالوا: وَاللَّهِ ما أَجْلَسَنَا إلَّا ذَاكَ، قالَ: أَمَا إنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فأخْبَرَنِي أنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بكُمُ المَلَائِكَةَ." (صحيح مسلم: ٢٧٠١).
وليست هذه الأكتوبة لإيراد أدلة جواز الاحتفال، بل هي لاستجلاء جوانب يرتجى لها كشف جوانب التميز لدينا نحن المصريين في الاحتفال بالمناسبات الدينية. ولا أكاد أبالغ إنْ قلت: إن الاحتفال بالمولد النبوي الشريف يعد جانبًا من جوانب الهوية المصرية الدينية، وهو مما ينقمه منا غيرنا بطريق التبديع والرمي بالضلال ظلمًا وبهتانًا. من عندنا خرجت مظاهر الاحتفال -بعد أن استوعبنا مقاصد الشريعة كما سيأتي بيانه- إلى كل الدنيا، وأبدعنا في ذلك إبداعًا حميدًا هو إلى يومنا هذا من ألطف ما جاء به مسلم حُبًّا في سيدنا رسول الله ﷺ، تأسِّيًا بقول أمير الشعراء المصري، أحمد شوقي:
مديحنا فيك حُبٌّ صادقٌ وهوًى ... وصادقُ الحُب يُمْلي صادقَ الكَلِمِ
وعندما تصدَّى أديبنا الفيلسوف المصري، زكي مبارك، إلى مهمة جسيمة لاستعراض المدائح النبوية في تاريخ الشعر العربي، أنتج لنا سِفْرًا قيِّمًا حمَل اسم "المدائح النبوية في الأدب العربي"، فقام كثير من محتوى الكتاب دليلًا على هويتنا المصرية الدينية في الاحتفال بالنبي الأكرم ﷺ، وليس أدَلَّ على ذلك من أن ألطف المدائح النبوية في تاريخ الشعر العربي هي لشعراء وعارفين وعلماء وفقهاء مصريين، وعلى رأسهم شهرةً وفضلًا الإمام محمد البوصيري بعصمائه "البُرْدة" التي نظَمَها في العهد المملوكي ونهَج على نهجها الشعراء من بعده معارضةً، وتخمسيًا، وتشطيرًا، وتسبيعًا، وما إلى ذلك من فنون الشعر؛ ثم جاءت ألطف المدائح إثر ذلك على لسان أحمد شوقي، وحافظ إبراهيم، ومحمود سامي البارودي، وغيرهم مما لا يكاد يحصيهم العدُّ من المصريين المحبين.
ثم لمظاهر الاحتفال بنبينا الأكرم ﷺ في مصر فهمًا لمقاصد الشريعة التي تنشد التوسعة على الأهل خاصةً وعلى الناس عامةً بالطعام، والشراب، والحلوى (اقتداءً بجوده ﷺ)، واستحضار الدروس المستفادة من سيرة رسول الله ﷺ، وعقد مجالس الذكر والإنشاد، ونظم فنون الشعر والموال والموالية، وغيرها من ألوان المديح والتفنن في ابتكار المعاني لها، واختيار القوالب الشعرية لها، وقَص قَصص السيرة بأسلوب جذاب يجمع بين النظم الشعري تارة، واللُطف النثري تارة.
لقد وعى أهل مصر أن الشريعة ما جاءت للشقاء، بل جاءت بالهناء، إذ يقول جل وعلا: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ (طه: ١)؛ وإذا كان في هذه الآية فضل وكفاية للتدليل على هذا المقصد السامي فلا غضاضة -مع ذلك- في استلهام المعنى ذاته من أحكام الشريعة التي قرَنَت بين العبادة والسعادة، فمع كل مناسبة دينية، أو شعيرة سُنية، تجد نفحة كريمة من رب رحيم كريم: فبعد الصوم عيد، ومع الحج عيد؛ ومع الزواج وليمة، ومع الميلاد عقيقة... ذلكم منهج رباني لحياة المسلم، والحيْد عن المنهج عقوق. وليست الفكرة في وجبة فرحتُها لحظة، ولا في ساعة فرح عمَّا قليل تقشَّعُ؛ بل الحكمة في إسعاد الناس، وتحبيب الدين وشعائره إلى نفوسهم... هذا المعنى هو ما وعاه أهل مصر من قديم، وعليه مضوا، وبه عملوا؛ وسبحان الله في نفوس تحيد هذا النهج، وتبرهن على ذلك بربط مولد خير الأنام ﷺ بمعنى العقوق، لا بمعنى العقيقة.
ألا بالاحتفال بنبي الله ﷺ -حق الاحتفال- نَسعد!

وحدة اللغة الإنجليزية بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف

قراءة (323)/تعليقات (0)