27 نوفمبر, 2023

ردود الأفعال في إسبانيا وأمريكا اللاتينية تجاه الأحداث في غزة

ردود الأفعال في إسبانيا وأمريكا اللاتينية تجاه الأحداث في غزة

تعد إسبانيا إحدى الدول الأوروبية التي تتقاطع جغرافيًّا مع العالم العربي، كونها جارًا متاخمًا لدولة المغرب؛ كما ترتبط تاريخيًّا بالتراث العربي الإسلامي الذي يمتد لعدة قرون عبر تاريخ الأندلس. ونتيجة لهذه الروابط الجغرافية والتاريخية، تجمع العرب والإسبان روابط إقليمية وثقافية تجعل من إسبانيا حلقة وصل ثقافية ودبلوماسية وتاريخية بين أوروبا والعالم العربي. ويعود تاريخ الأندلس الإسلامي في إسبانيا إلى القرن الـ(٨) الميلادي، ويمتد منه إلى بداية القرن الـ(١٧). وخلال تلك الفترة ازدهرت العلوم والفنون العربية في الأندلس، وأصبحت مركزًا رائدًا من مراكز الحضارة الإسلامية.

وفي السياق اللاتيني، تدعم أغلب دول أمريكا اللاتينية، وعلى رأسها فنزويلا والأرجنتين وكوبا ونيكاراجوا، القضية الفلسطينية وبقوة. وقد ظهر هذا ‏الدعم في الكثير من تصريحات حكومات هذه الدول، وفعاليات مؤسساتها ومنظماتها المدنية. ‏كما أن مؤازرة الشعب الفلسطيني ومناشدة المجتمع الدولي برفع الظلم عنه وتحريره من الكيان ‏الصهيوني المغتصب هو مطلب أساسي لدول القارة في العديد من المناسبات والمؤتمرات على ‏الصعيديْن المحلي والعالمي.

موقف إسبانيا من الأزمة:

بشكلٍ عام تُعد إسبانيا إحدى الدول الداعمة للقضية الفلسطينية، ولمبدأ إقامة دولة مستقلة ذات سيادة، كما تدعم الحكومة حل إقامة الدولتيْن.

وفي خطوة نحو دعم القضية الفلسطينية وإدانة الانتهاكات الصهيونية على المستوى السياسي، قررت برشلونة في فبراير ٢٠٢٣م قطع العلاقات مع الكيان الصهيوني، حيث أعلنت رئيسة بلدية برشلونة "آدا كولاو" قطع العلاقات المؤسسية مع الكيان الصهيوني، وتجميد اتفاقية التوأمة التي وقعت عام ١٩٩٨م بين الجانبيْن، وذلك ردًّا على جرائم الفصل العنصري والانتهاكات الممنهجة والمستمرة بحق الفلسطينيين. كما وجهت رسالة إلى رئيس وزراء حكومة الكيان الصهيوني بنيامين نتانياهو، قالت فيها: "إن قرار تعليق التوأمة بين الجانبين جاء بعد تقديم أكثر من (١٠٠) منظمة، وحوالي (٤٠٠٠) مواطن مؤيد للقضية الفلسطينية في برشلونة، بطلب لقطع العلاقات".

وتضمنت رسالة "كولاو" إشارة إلى العنف الذي يعاني منه الشعب الفلسطيني منذ أكثر من (٧٠) عامًا، حيث قالت: "يجب ألا نقف مكتوفي الأيدي في مواجهة الانتهاك الممنهج للحقوق الأساسية للفلسطينيين". وفي خطابها استخدمت "كولاو" مصطلح الفصل العنصري مرارًا وتكرارًا للتنديد بالضغط الصهيوني على الفلسطينيين.

أما في إطار الجهود التوعوية الداعمة للقضية الفلسطينية في إسبانيا، فقد ذكرت صحيفة ‏"أراجون دياريو" الإسبانية أن منظمة "حملة الاعتراف بدولة فلسطين" المكونة من شخصيات فاعلة في المجتمع المدني نظمت محاضرة في جامعة سرقسطة تحت عنوان: "الدولة الإسبانية والاعتراف المعلق بدولة فلسطين"‏‏‏، بمشاركة "حسني عبد الواحد" سفير فلسطين في إسبانيا، و"إسحاق بارينادا" أستاذ العلاقات الدولية في جامعة ‏كومبلوتنسي في مدريد، و"فرانسيسكو بالاثيوس" أستاذ القانون الدستوري بجامعة سرقسطة. وأكد المشاركون في المحاضرة أن وضع الشعب الفلسطيني لا يزال في تدهور مستمر بعد مرور أكثر من (٧٥) عامًا على قرار الأمم المتحدة رقم (١٨١) بشأن تقسيم فلسطين إلى دولتيْن مستقلتيْن.

وفي السياق ذاته، أشارت الحملة إلى أن أكثر من (١٣٠) دولة اعترفت بفلسطين دولةً ذات سيادة منذ عام ١٩٨٨م، بما في ذلك دول الاتحاد الأوروبي مثل السويد، وبولندا، وجمهورية التشيك، والمجر، ورومانيا، ومالطا، وقبرص. وأضافت أن اعتراف الحكومة الإسبانية بدولة فلسطين يُعد خطوة مهمة ضمن المساعي الرامية إلى حصول الشعب الفلسطيني على كامل حقوقه. الجدير بالذكر أن الحملة بدأت عملها في إسبانيا في يونية ٢٠٢١م؛ لتعزيز اعتراف الحكومة الإسبانية بدولة فلسطين، كما أكد وزير الخارجية الإسباني "جوزِيف بوريل" في ١٧ سبتمبر عام ٢٠١٨م بلورة قرار جماعي صادر من الاتحاد الأوروبي للاعتراف بدولة فلسطين، وأنه في حال رفض الاتحاد الأوروبي، ستدرس إسبانيا الاعتراف بدولة فلسطين بمفردها.

وفي سياق متصل، سلطت جريدة "لا نويبا إسبانيا" الضوء على المؤتمر الذي عقد على مدار ثلاثة أيام من الإثنين ٢٥ حتى الأربعاء ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٣م في جامعة أوفييدو الإسبانية بعنوان: "العالم العربي: تحديات المستقبل"، وتم تنظيم هذه الفعاليات بواسطة لجنة "التضامن مع القضية الفلسطينية" في إسبانيا، وشارك في الحدث العديد من الأساتذة، والنشطاء الداعمين للقضية الفلسطينية.

وفي إطار حرص الاتحاد الأوروبي على دعم السلام بين فلسطين والكيان الصهيوني، ذكر موقع "الإذاعة والتلفزيون السويسري" الصادر بالإسبانية‏، في ١٨ سبتمبر ٢٠٢٣م، أن الاتحاد الأوروبي شجع، بالتعاون مع حكومات المملكة العربية السعودية ومصر والأردن وجامعة الدول العربية، على تطبيق مبادرة "حزمة دعم السلام" بين فلسطين والكيان الصهيوني للتوصل إلى اتفاق سلام قائم على إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة مستقلة.

ومن المقرر تطوير حزمة الإجراءات من خلال التركيز على ثلاث مجالات: الضمانات الأمنية، والتنمية الاقتصادية، والتعاون الإنساني. جاء ذلك خلال انعقاد اجتماع وزاري بمقر الأمم المتحدة بنيويورك، بحضور نحو (٥٠) وزير خارجية من مختلف دول العالم. الجدير بالذكر أن هذه الحزمة لن تدخل حيز التنفيذ إلا بعد توقيع كلا الطرفيْن على اتفاق سلام، وتستند إلى "حل الدولتيْن" الذي يحافظ على حدود عام ١٩٦٧م. وأوضح رئيس الدبلوماسية الأوروبية "جوزيف بوريل" أن مجموعات العمل ستبدأ عملها في بروكسل خلال شهر، وسيتضمن عملها تنظيم مؤتمرات، وندوات، ودراسات تعمل على تطوير المكونات الممكنة لـ "صفقة السلام". ومن المتوقع أن تكون حزمة التدابير جاهزة في سبتمبر ٢٠٢٤م، على الرغم من أن التقييم الأول سيكون في ديسمبر ٢٠٢٣م.

كما نظمت الجمعية الأوروبية للدفاع عن الأسرى الفلسطينيين مؤتمرها الـ(٨) في العاصمة الإسبانية مدريد، في ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٣م، وعلى مدار يوميْن. وأوضحت الجمعية أن المؤتمر يُعد نافذة للتعرف على قضية الاعتقال، ومعاناة الأسرى، وظروف اعتقالهم الصعبة، وكذلك اعتقال المئات من النساء، والأطفال القصر، ومحاكمتهم، والتحقيق معهم، إضافة إلى قضية الاعتقال الإداري، وانتهاكات حقوق السجناء، ومنعهم من زيارات ذويهم، وانتهاك المعايير الدولية في معاملة الأسرى، وتحديد الصيغة القانونية للمعتقلين، فضلًا عن الإهمال الطبي، والانتهاكات التي يتعرضون لها.

وفي هذا السياق سلطت صحيفة "إل موندو" الإسبانية في ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٣م، الضوء على تبني أعضاء حزب "بوديموس" الإسباني موقفًا داعمًا للشعب الفلسطيني ضد الكيان المحتل، حيث طالبت وزيرة الحقوق الاجتماعية الإسبانية "أيوني بيلارا"، خلال مقطع مصور، حكومة بلادها بالتقدم بشكوى للمحكمة الجنائية الدولية ضد الكيان المحتل بتهمة ارتكاب "جرائم حرب" في قطاع غزة. ودعت "بيلارا" المواطنين في إسبانيا وباقي الدول ‏الأوروبية إلى ‏الخروج في تظاهرات شعبية للتعبير عن احتجاجهم.

واعتبرت الوزيرة الإسبانية أن القصف واسع النطاق على المدنيين، وقطع الطعام والماء والكهرباء وشبكات الإنترنت، انتهاك صارخ للقانون الدولي الإنساني.

وقد طرحت "بيلارا" أهم المطالب العاجلة، في مقدمتها إنشاء ممرات إنسانية تسمح بخروج المدنيين، ودخول المساعدات الإنسانية وفرق الطوارئ، وأيضًا التعاون بين حزب "بوديموس" وحزب العمال الاشتراكي لتقديم طلب باسم حكومة إسبانيا إلى المحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبت في فلسطين، إضافة إلى مطالبتها بضرورة قطع العلاقات الدبلوماسية مع هذا الكيان بشكل فوري، وعقد اجتماع على المستوى الأوروبي لتطبيق العقوبات على المسؤولين عن الإبادة الجماعية التي تحدث في الأراضي المحتلة.

موقف دول أمريكا اللاتينية:

‏‏ وفيما يخص موقف دول أمريكا اللاتينية تجاه القضية الفلسطينية، سلطت صحيفة ‏"إنفوباي" الأرجنتينية، في ١٩ سبتمبر ٢٠٢٣م، الضوء على دفاع الرئيس البوليفي "لويس أرثي" عن فلسطين أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث دعا إلى ضرورة إيجاد حل سريع وعادل للصراع الفلسطيني مع الكيان الصهيوني، كما دعا إلى ضرورة وقف الاستيطان واحترام الحقوق الفلسطينية. وقال:" إن السلام في الشرق الأوسط لن يتحقق إلا من خلال احترام حقوق جميع الأطراف المعنية".

وفي السياق ذاته، صوتت بوليفيا لصالح قرار يدعو إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة. ويأتي خطاب "أرثي" في إطار الجهود التي تبذلها بوليفيا لتعزيز العلاقات مع الدول النامية والساعية إلى الحصول على حقوقها، حيث زار "أرسي" فلسطين في عام ٢٠٢٢م. ويُعد موقف بوليفيا الداعم لفلسطين خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح نحو تأكيد حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.

وتنديدًا بعمليات الإبادة الجماعية التي تُمارَس ضد الفلسطينيين في غزة، أعلنت (٣) دول بأمريكا اللاتينية عن قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان الصهيوني على خلفية مقتل آلاف الأطفال والنساء، وإصابة عشرات الآلاف من الفلسطينيين.

فقد قررت حكومات دول: (شيلي، وبوليفيا، وكولومبيا)، قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الكيان المحتل ردًّا على جرائم الحرب في القطاع، حيث استدعت "شيلي" سفيرها لدى هذا الكيان "خورخي كارباخال" للتشاور بشأن هذه الانتهاكات الصارخة.

وأعلنت وزيرة الرئاسة البوليفية "ماريا نيلا برادا" عن قطع حكومة بلادها العلاقات الدبلوماسية مع الكيان الصهيـوني، ودعت "برادا" إلى وقف القصف الصهيوني على القطاع. كما دعا الرئيس الكولومبي "جوستابو بيترو" سفيرة بلاده لدى الكيان الصهيـوني "مارجريتا مانخاريث" للتشاور بشأن الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني الأعزل. وقال "بيترو" عبر منصة "إكس": "إن لم تتوقف المجازر الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني، فلا يمكن أن يكون هناك سفير لدولة كولومبيا لدى هذا الكيان" ملمحًا إلى نيته لقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني.

جاءت الإجراءات الأخيرة على إثر توجيه القيادة الفلسطينية دعوة إلى المجتمع الدولي لاتخاذ موقف حاسم ضد الإبادة الجماعية والحروب الدموية التي يرتكتبها الاحتلال في قطاع غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، والهجوم الأخير على مخيم جباليا للاجئين الذي أدى إلى مقتل مئات الشهداء والمصابين.

ويؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن الموقف الإسباني الرسمي ضروري في ظل التصعيد المتعمد من جانب الكيان الصهيوني ضد الفلسطينيين في غزة، لافتًا إلى أن الوضع لا يسمح بأي تجاهل أو غض للطرف عن المجازر البربرية التي يرتكبها المحتل بحق المدنيين العُزَّل، بل يتطلب تحركًا دوليًّا عاجلًا وحاسمًا ضد جرائم الحرب الصهيونية.

وعلاوة على تثمينه لمواقف دول أمريكا اللاتينية وترحيبه بها، فإن مرصد الأزهر لمكافحة التطرف يرى أنها تعبر عن التضامن الحقيقي والدعم الفعلي للقضية الفلسطينية، بوصفها وسائل ضغط سياسية فاعلة ضد الكيان الصهيوني وممارساته البربرية، مشددًا على أن إفلاته من المحاسبة سيشكل –بلا شك- حافزًا قويًّا له لمواصلة ارتكاب المزيد من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني الأعزل.

كما يشيد مرصد الأزهر بالعمل التوعوي الداعم للقضية الفلسطينية من خلال الفعاليات والحملات والمؤتمرات التي تنظمها بعض منظمات المجتمع المدني وبعض القطاعات الحكومية للتأكيد على دعم حقوق الشعب الفلسطيني وإقامة دولته المستقلة، وأهمية تحقيق العدالة والسلام في المنطقة. ويمكن أن يتغير الموقف الحكومي من دولة إلى أخرى بناءً على عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وتاريخية، قد يؤدي تغير النظام السياسي في بعض الدول إلى تغير في الموقف الرسمي تجاه القضية الفلسطينية، أو تأثر العلاقات الرسمية مع الكيان الصهيوني. وعلى الرغم من التغيرات التي يمكن أن تحدث في المواقف الحكومية، فإن الدعم اللاتيني للقضية الفلسطينية يعكس التزام بقيم المساواة والعدل وحقوق الإنسان، ومن المهم الاستمرار في تعزيز الحوار وتوسيع التواصل بين الدول للتأكيد على دعم القضية الفلسطينية، وإدانة الانتهاكات الصهيونية.


وحدة رصد اللغة الإسبانية

قراءة (826)/تعليقات (0)