20 أكتوبر, 2016

عرض كتاب.. الجذور التاريخية لأدب الأطفال عند العرب

عرض كتاب.. الجذور التاريخية لأدب الأطفال عند العرب

إعداد الأستاذ/ محمد فؤاد علي

ظفرتُ بكتاب قيم يحمل عنوان: (الجذور التاريخية لأدب الأطفال عند العرب) من تأليف الأستاذ الدكتور محمود إسماعيل آل عمار - صادر عن سلسلة كتب المجلة العربية/ العدد 238. وقد استهل المؤلف كتابه بالإشادة بالطفولة جاء فيها: «الطفولة لحن عذب تحن إليه البشرية؛ لأنه يمثّل النقاء والبراءة والجمال، وكما أنها نهر عظيم تجري فيه مياه الفطرة لتنسج خيوط المستقبل وبناء الحضارة والنهضة في جميع مناحي الحياة».

ويهدف الكتاب إلى تذكير القارئ الكريم بماهية أدب الطفل في تراثنا العربي قديمه وحديثه ومصادره، ويمكننا عرض محتويات الكتاب بإيجاز على النحو التالي:

ـ أغاني المهد: يقصد بأغاني المهد تلك الأناشيد التي كانت تتغنى بها الأمهات في جوف الليل حول مهاد الأطفال، وعلى إيقاع أسرتهم عند النوم أو البكاء، فتحيل هياجهم إلى شقشقة عصافير وتغريد بلابل، وتسلمهم إلى السكون والدعة والنوم العميق، وهي أيضا الأغاني والأناشيد التي يداعب بها الآباء أبناءهم خلال اللعب أو عند التفوق على الأتراب والأقران، وقد أورد المؤلف في الفصل الأول من كتابه النصوص الثرية المتنوعة، وكلها تؤكد حرص العرب على غرس القيم الإيجابية؛ من شجاعة للدفاع عن القبيلة والعشيرة والأهل، وفروسية، وحب للحق والعدل وإنصاف المظلوم، وفي ذلك نقول على لسان المؤلف:  «ترك العرب في هذا الباب تراثا ضخما تنوعت موضوعاته بين الحديث عن الطفولة بما فيها الترحيب بالقادم الجديد وتعويذه من الأعداء والحساد، وذكر محاسنه في عيون أهله وذويه، والدعاء له أن يستقبل حياة سعيدة، وعمرا مديدا، وأن يشبه أهله وأجداده في المروءة والنبل والشهامة والخوف عليه من النكبات والشدائد»، ومن أشهر هذه الأغاني تلك الأغنية التي كانت ترددها أم حبيب بنت العاص بن أمية لابنها جبير بن مطعم، فانظرها تقول:

احفظ جبيرا من سيوف فارس                        وجنبه عارض الوساوس

واحفظه من كل زحير حادس                         وزينن رب به المجالــس

وقد أكد الدكتور شوقي ضيف على أهمية الإنشاد للأطفال لمنحهم الهدوء والسكينة، ومن أهم النماذج في هذا المقام ما تغنت به أم الفضل الهلالية لولدها عبد الله بن عباس، وضباعة بنت عامر لابنها المغيرة بن سلمة المخزومي، وعد ذلك من عناصر ظواهر الشعر وطوابعه الشعبية في العصر الجاهلي.

ــ الأغاني الجماعية: يقصد بها الأناشيد التي كان العرب (الكبار والصغار والنساء) ينشدونها أثناء الأعمال الجماعية كبناء البيوت وحفر الآبار وحلب الأغنام وحداء الإبل، في أسمارهم ومجالسهم ورحلاتهم ومناسباتهم وأفراحهم وأحزانهم وعباداتهم ومعتقداتهم وحروبهم، وقد أشار البلاذري صاحب كتاب: (فتوح البلدان) إلى العديد من هذه الأناشيد والأغاني التي عرفها العرب أثناء حفر آبار مكة، كما لا تفوتنا الإشارة في هذا المقام إلى ممارسة الأعراب على اختلاف أعمارهم وتنوعهم العديد من الألعاب الجماعية. وقد أشار امرؤ القيس وعمرو بن كلثوم وزهير بن أبي سلمى والجاحظ إلى هذه الألعاب، وفرقوا بين الألعاب الخاصة بالذكور والخاصة بالبنات والمشتركة بين النوعين.

ــ الاسترضاع في البادية: حرص العرب قبل الإسلام على إرسال أطفالهم إلى البوادي من أجل اكتساب القوة البدنية والسلامة اللغوية والاستمتاع بالطبيعة الخلابة وتعويده الصبر والجرأة والشجاعة على مواجهة مصاعب الحياة، ويعتبر رسولنا الكريم أبرز أبناء العرب الذين نشئوا في البادية، ووقفوا على أسرار الكون وخالقه خلال إقامته فيها، كما يعتبر بشار بن برد الفارسي الأصل المتوفى سنة 167 هجرية من أشهر الشعراء المولدين الذين استفادوا من النشأة في البادية فانظره يقول: «في البادية تلقيت من فصحاء بني عقيل زمام اللغة، وعنان الإبداع الذي نأى بي عن الركاكة والفهاهة والعي»، وقد نال قبول النقاد ومؤرخي الأدب فانظر أبا الفرج الأصفهاني يقول: «ينشد فيأتي بالعجب»، كما استفاد المتنبي من نشأته في البادية، وقد أكد الدكتور طه حسين على أهمية البادية في تكوين المتنبي وصقله، فانظره يقول: «والذي نستطيع أن نقطع به ونحن مطمئنون هو أن رحلة المتنبي إلى البادية قد نفعته، فقد ربا جسمه، ونما عقله، وفصح لسانه، وعاد من البادية بهذه الرصافة اللغوية التي ترفع اللفظ عن الابتذال وتكسبه عذوبة فيها ريح الصحراء»، ولا تفوتنا الإشارة في هذا المقام إلى تأكيد بلاشير على دور البادية في تنقية لغة الشعراء والأدباء الذين نشئوا في البادية فسلموا من اللحن والاعوجاج ولكنات الأعاجم».

ــ التأدب عند المعلمين: حرص العرب منذ أقدم العصور التاريخية والثقافية على تعليم الأبناء القراءة والكتابة ومبادئ الحساب والعلوم الدينية والدنيوية، وكان التعليم في العصور السابقة يتم سماعا عن المعلم لعدم وفرة الكتب المطبوعة أو المنسوخة بأعداد كبيرة، وقد قسم المؤرخون مناهج التعليم إلى ثلاثة تتبع المواقع الجغرافية، فأهل المغرب وشمال أفريقيا يقتصرون في البداية على تعليم القرآن الكريم ولا يخلطون به سواه في شيء من مجالس تعليمهم، وأهل الأندلس مذهبهم تعليم القرآن، ومع ذلك كانوا يخلطونه بغيره من العلوم والفنون والآداب لزيادة الحصيلة اللغوية والثقافية، بينما المشارقة يخلطون بين العلوم الدينية والدنيوية في بوتقة واحدة في زمن الشبيبة، وعلى الرغم من أهمية كل منهج من هذه المناهج استحسن ابن خلدون منهج أهل الأندلس ونادى بتطبيقه في المشرق والمغرب؛ لأن هذه الطريقة كشفت عن المواهب والقدرات الشخصية للمتعلمين، فمنهم من برز في مجال الفقه، ومن برز في مجال العلوم، ومنهم من سبق أقرانه في ميدان الأدب (الشعر والنثر)، ومن برز في مجال الاختيارات كاختيارات المفضل الضّبّي التي سميت المفضليات وأصلها قصائد من أشعار القبائل انتقاها المفضّل لتأديب المهدي، ويعتبر نمط المفضل من أفضل الأنماط التي عُني بها هؤلاء المؤدبون والمربون في تربية النشء وتنشئتهم وتقديم المواد الثقافية والغذاء الروحي لهم من خلال تعليمهم النماذج الشعرية والأدبية ذات المضامين الخلقية والسلوكية الهادفة. وتاريخنا التربوي العربي حافل بآثار ابن خلدون وابن مسكويه والقابسي والغزالي وابن عرضون وابن جماعة وابن تيمية وابن القيم وغيرهم، وكلها تؤكد أهمية التربية الصحيحة ومساراتها في تكوين فكر الأطفال وعواطفهم ومظاهر سلوكهم، وفي ذلك يقول صالح بن عبد القدوس:

وإن من أدبته في الصبا                             كالعود يسقى الماء في غرسه

حتى تراه مورقا ناضرا                             بعد الذي أبصرت من يبســـه

ــ وصايا الفتيات عند الزواج: من المتعارف عليه في جميع الثقافات انتقال الفتاة من بيت أبيها إلى بيت زوجها لتأسيس أسرة وتربية الأبناء، وتؤكد الدراسات العربية المهتمة بالزواج على تعريف الزوجة بالقواعد العامة (مجموعة من النصائح والأخلاق والعادات) التي تواجه بها حياتها الجديدة وتمكنها من إسعاد الزوج وأهله وطمأنة أهلها، ومن أهم الوصايا التي أوردها المؤلف في هذا المقام وصية أمامة بنت الحارث الشيبانية لابنتها الخنساء أم إياس بنت عوف ليلة زواجها فانظرها تقول: «بنيتي إنك فارقت بيتك الذي منه خرجت وعشك الذي فيه درجت إلى رجل لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدا، ولا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح، ولا تعصين له أمرا، ولا تفشين له سرا، وإياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما، والكآبة بين يديه إذا كان فرحا، وكوني أشد ما تكونين له إعظاما، يكن أشد ما يكون لك إكراما، وأشد ما تكونين له موافقة، يكن لك أطول ما تكونين له موافقة، واعلمي أنك لا تصلين إلى ما تحبين حتى تؤثري رضاه على رضاك، وهواه على هواك، فيما أحببت وكرهت، والله يخير لك».

 ويقف القارئ الكريم على نفاسة المعاني التي تطرقها الوصية السابقة ومن أبرزها الإلحاح على مداومة التطهر والمواظبة على الاغتسال، والإكثار من استعمال الماء تحقيقا للوضاءة والنظافة، وموافقة الزوج وطاعته ومراعاة شعوره، وتعهد مواضع نظره حتى لا يرى إلا أجمل صورة، ومواقع أنفه حتى لا يشم إلا أطيب ريح، ولا تفوتنا الإشارة في هذا المقام إلى بيان حقيقة هامة ألا وهي اهتمام العرب القدامى بأدب الأطفال وتربية أبنائهم وبناتهم تربية قادرة على التكيف والنماء.

ــ نصائح الآباء بنيهم: تتميز علاقات الآباء بالأبناء بالثراء والتنوع؛ الشفقة والحنان، التوجيه والإرشاد، نقل الخبرات الحياتية إليهم، وأكثر ما تكون هذه الوصايا والنصائح عندما يتعرض الأبناء للمحن أو عندما توكل إليهم الأعباء، أو عندما يطعن الآباء في العمر وتتقدم بهم السن، فضلا عما في نفوس الآباء من الغريزة الملحة، والنحيزة الدائمة نحو أبنائهم، ومن أشهر الوصايا التي أوردها الجاحظ في مؤلفاته: (وصية زهير بن جناب، وصية الخنساء، وصية حصن بن حذيفة، وصية العباس بن عبد المطلب، وصية عمر بن عبد العزيز لولده عبد الملك وقد جاء فيها : (إن أحق من تعاهدت بالوصية والنصيحة بعد نفسي أنت، وإن أحق من وعى ذلك وحفظه عني أنت).

 وقد استخدم العرب النثر والشعر في التعبير عن معالم هذه العلاقات الثرية، وقد دارت هذه الوصايا حول العديد من القيم الأخلاقية والموضوعات السياسية والاجتماعية والثقافية والعسكرية.

ــ نصائح الآباء للأبناء عند الوفاة: من أصعب اللحظات التي تمر بالإنسان اللحظات الأخيرة التي تغادر فيها روحه الجسد، وقد حرص بعض الآباء العرب في الجاهلية على توجيه بعض النصائح للأبناء، ومن أبرز هؤلاء نهد بن زيد الذي أوصى ابنه بالحذر من الناس، ووصية عمرو بن كلثوم بنيه بحسن التعامل مع الناس والحلم وتجنب الظلم والغضب وأدب الحديث، ووصية ذي الأصبع العدواني ابنه أسيدا بلين الجانب ومعاملة كل طبقة بما يلائمها، ووصية علي بن أبى طالب للحسن والحسين بالاستقامة والإعراض عن الدنيا والتمثل بالقيم، ووصية معاوية بن أبي سفيان لولده يزيد فيما خلف من الملك، ووصية المهلب بن أبي صفرة حين جمع بنيه وأوصاهم بتقوى الله ووحدة الصف وصلة الرحم، ووصية عبد الملك بن مروان لبنيه بالتآلف والتعاون والإعداد للمستقبل من بعده.

وقد تميز القرآن الكريم عن غيره من الكتب السماوية بإيراد الأخبار والحوادث والقصص التي عرفتها الإنسانية منذ وجودها على كوكب الأرض، كما تميز بلغته الحوارية وخير شاهد على ذلك حواراته الثرية والمتنوعة بين الآباء والأبناء (نوح وابنه، يوسف وأبيه وإخوته، لقمان وابنه، يعقوب وبنيه، إبراهيم وبنيه، أم موسى وأخته، موسى وأخيه هارون)، وتدلنا هذه الحوارات المثمرة على القيم التي ينشدها الإسلام ويأمر أتباعه بتنفيذها ونشرها ومن بينها (قيم العدالة، التواضع، الحق، الخير، الصبر، العمل الجاد للنهوض بالفرد والمجتمع، مواجهة الظلم التمسك بالأخلاق الحسنة والبعد عن المنكر)، وقد استفاد بعض المعاصرين من هذه الحوارات والقصص ومن أشهرهم الدكتور عبد الله العريني الأستاذ بجامعة الإمام في إنشاء أدب موجه للأطفال العرب، كما تضيف السنة النبوية تفسيرات رائعة لقصص القرآن وحواراته والتي شكلت في مجموعها قاعدة صلبة لأدب الأطفال العرب وخير شاهد على ذلك توجيهات الرسول الكريم ﷺ الخاصة برعاية الطفولة والأمومة، والحرص على التنشئة الصالحة للنشء من خلال غرس القيم السامية في نفوسهم وعقولهم ليكونوا السواعد الطيبة في نهضة مجتمعهم، ومن أبرز قصص وحكايات الأطفال التي ذكرتها السنة قصة الرجل الذي نفرت به دابته، الرجل الذي ضلت دابته في الصحراء ثم وجدها، الرجل الذي سمع صوتا يأمر السحابة أن تسقي حديقة العامل الذي ترك أجرته فاستثمرها له رب العمل، وتؤكد هذه القصص والحكايات أهمية السنة النبوية في تأسيس أدب الأطفال والنهوض به، ولا تفوتنا في هذا المقام الإشارة إلى إعادة صياغة وقائع وأحداث هذه القصص والحكايات صياغة معاصرة مع الحفاظ على نصوصها الأصلية وجذورها التاريخية لتناسب الأجيال الجديدة من النشء، وقد أفاد كاتب الأطفال كامل كيلاني من هذه القصص والحكايات وقدم للمكتبة العربية العديد من القصص والحكايات المشوقة؛ من أشهرها مجموعته (من حياة الرسول)، وعلى نهجه سار عبد التواب يوسف وأهدى المكتبة العربية مجموعته القيمة: (حياة محمد عليه الصلاة والسلام)، وقد تحدّث من خلالها عن حياة ونشأة الرسول ﷺ وغزواته وإنجازاته في تأسيس أمة إسلامية ونشر الدين الإسلامي.

قراءة (7756)/تعليقات (0)

كلمات دالة: