منذ عودة الكنيست إلى الانعقاد في جلسته الشتوية، الإثنين الموافق 20 من أكتوبر 2025م، تعود قضية تجنيد طلاب المعاهد الدينية الحريدية داخل الكيان الصهيوني إلى واجهة الأحداث مجددًا، وسط مؤشرات سياسية وأمنية تُنذر بتصاعد التوتر داخل الائتلاف الحاكم بقيادة "بنيامين نتنياهو"؛ حيث بدا واضحًا أن الحكومة ستدخل مرحلة مصيرية عنوانها الرئيس "قانون تجنيد الحريديم"، الذي أصبح الشرارة الأولى لخلافات متراكمة داخل الحكومة.
أشارت الأخبار العبرية الأخيرة التي تناولت هذا الملف إلى أن حكومة اليمين الصهيوني تواجه تحديًا وجوديًّا في بقائها السياسي، بعد أن أعلنت الأحزاب الحريدية استمرار مقاطعتها للنقاشات المتعلقة بالتجنيد، بعد تسريب ملامح قانون التجنيد الإجباري الجديد الذي تعمل عليه لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، والذي يهدف إلى إعادة تنظيم علاقة طلاب المعاهد الدينية بمؤسسة الجيش. ويُتوقَّع أن يكون هذا القانون هو العقبة الأبرز أمام استقرار الحكومة خلال الدورة الشتوية، حتى أن بعض التقارير ألمحت إلى أن هذه الدورة قد تكون الأخيرة لهذه الحكومة نظرًا لحساسية الملف الذي يمس جوهر العلاقة بين الدين والدولة، ويعيد إلى السطح سؤال المساواة في أعباء الخدمة العسكرية بين الحريديم والعلمانيين.
وبذلك، دخل حكومة نتنياهو المتطرفة في مأزق مزدوج: فمن جهة تواجه ضغطًا شعبيًّا وإعلاميًّا يدعو إلى "تجنيد الجميع دون استثناء"، ومن جهة أخرى تواجه تهديدًا صريحًا من الأحزاب الحريدية، وعلى رأسها حزبا: "شاس"، و"يهدوت هتوراه"، اللذيْن أكدا أن أية محاولة لفرض الخدمة العسكرية على طلاب المعاهد الدينية يُعد إضرارًا بجوهر "الهوية اليهودية".
أبرز ملامح القانون المقترح
بحسب ما كشفه موقع "אמס" -المختص بأخبار التيار الحريدي- فإن المسودة المقترحة تنص على إلغاء جميع أوامر التجنيد الصادرة بحق طلاب المعاهد الدينية بأثر رجعي، وهو ما يُعد تنازلًا من الدولة أمام ضغوط الأحزاب الدينية. والجدير بالذكر أن أخطر ما في المشروع هو البند الذي يفرض عقوبة تصل إلى السجن 3 سنوات لكل مدير معهد ديني يُقدم تصريحًا كاذبًا بشأن وجود طالب لا يدرس التوراة فعليًّا؛ بهدف منع التزوير والتصريحات الكاذبة وضمان فعالية تنفيذ التجنيد لمن لا يدرس بالفعل. والقانون، رغم مظهره التنظيمي، فقد اعتبرته الأوساط الحريدية بمثابة إجراء عدائي ضد الهوية الدينية؛ إذ يربط بقاء الطالب في المعهد بقرار إداري قابل للطعن والملاحقة القانونية، وأن ما يحدث "اعتداء على روح التوراة ومكانة العلماء".
وقد أرجأ الكنيست مناقشة القانون المقترح إلى الأسبوع المقبل بسبب الانقسام الواقع بين التيار العلماني والتيار الديني، وهو ما أثار غضب الحريديم؛ حيث عبَّر رئيس حزب "ديجل هتوراه"، موشيه جفني، عن غضبه من تأجيل مناقشات القانون في لجنة الخارجية والأمن، واعتبر أن استمرار المماطلة يدفع إلى تقديم موعد الانتخابات، لكنه شدد على أن ذلك سيكون الملاذ الأخير فقط في حال اليأس الكامل من تمرير القانون، في إشارة إلى منحه فرصة أخيرة لنتنياهو. وفي المقابل، حاول نتنياهو امتصاص غضب التيار الحريدي، فأعلن أنه وجه لبدء الاستعداد لإقرار ميزانية 2026م، ما يعني إصراره على استكمال الولاية حتى نهايتها وتمرير قانون التجنيد الذي يُعد مفتاح توازن الائتلاف.
موجة احتجاجات واسعة
اندلعت موجة احتجاجات واسعة في الأوساط الحريدية بعد قيام الجيش باعتقال عدد من طلاب المعاهد الدينية من بيوتهم منتصف الليل، ونقلهم إلى السجن العسكري بدعوى التهرب من الخدمة، حيث وصفت الطائفة الحريدية هذه الاعتقالات بأنها "عمل استفزازي يستوجب ردًّا شعبيًّا"، مهددة بالخروج في مظاهرات واسعة إذا لم يُفرج عن المعتقلين فورًا. أما التيار الحريدي المتشدد في القدس المحتلة، فقد أعلن أنه ينتظر موقف التيار المركزي قبل المشاركة في الاحتجاجات، مؤكدًا أنه لن يتحرك منفردًا إلا إذا تم تجاهل القضية كليًّا من قبل القيادات الرسمية.
وعلى الصعيد البرلماني، قال عضو الكنيست "يسرائيل أيخلر" حول موجة الاعتقالات: "اعتقال طلاب المدارس الدينية هو جريمة لا تُغتفر، التوراة ستنتقم لكرامتها من هذه المطاردة الوحشية ضد دارسيها؛ فطلاب المدارس الدينية ليسوا مجرمين، بل أبرار. وسنقف كجدار منيع ونتحرك بكل الوسائل لوقف هذه الملاحقة الإجرامية. نحن نعمل باستمرار مع الجهات المختصة من أجل وقف الاعتقالات. الرب سيكون في عوننا لينقذنا من أعداء التوراة."
كما صرح عضو الكنيست مئير بروش قائلًا: "استمرار اعتقال طلاب التوراة في إطار حملة اضطهاد ديني أعلنتها المستشارة القضائية للحكومة هو عار يدل على قسوة القلب. من يعتقل أبناء المدارس الدينية يضر بشعب إسرائيل ويسبب انقسامًا داخليًّا يهدد الوجود اليهودي في أرض إسرائيل. أقول وأصرخ: توقفوا قبل فوات الأوان".
وفي وقت لاحق أضاف بروش: اعتقال طالب ديني يتيم خلال أيام حداده على والده يدل على قسوة وغباء غير خاضعين لرقابة مسؤولة في الجيش. أدعو السلطات القضائية والعسكرية إلى التحرك فورًا لإطلاق سراحه حالًا. اعتقال يتيم في فترة الحِداد، وكل "ذنبه" أن التوراة هي مهنته الوحيدة، هو عار على دولة يحكمها يهود."
جدير بالذكر أنه عل الرغم من وحدة الموقف العام ضد القانون، إلا أن المعسكر الحريدي يشهد انقسامات حادة بين تيار يريد مواصلة التعاون مع نتنياهو، وتيار آخر يدعو إلى القطيعة التامة؛ ففي حين يسعى "موشيه جفني" وقيادة حزب "ديجل هتوراه" إلى التهدئة وانتظار الصيغة النهائية للقانون، يدفع آخرون -مثل عضوي الكنيست يسرائيل أيخلر ومئير بروش- في اتجاه التصعيد والمواجهة السياسية والإعلامية. أما الشارع الحريدي فثمة شعور متزايد بأن الحكومة الحالية لم تعد تمثل الضمانة لاستمرار الوضع الديني القائم، بل باتت مصدر تهديد له.
جذور الأزمة ودلالاتها الراهنة
وفي سياق متصل، تعود جذور الأزمة أن المشكلة أعمق من مجرد قانون جديد وإنما تعود إلى عقودٍ مضت؛ إذ منحت الحكومات الصهيونية المتعاقبة هذه الفئة إعفاءً كاملًا من الخدمة العسكرية، حتى عام 2015م حين أقرت حكومة "بنيامين نتنياهو" قانونًا يُنظم هذا الإعفاء باعتباره تسوية مؤقتة تنتهي في يونيو 2023م. وقد نصَّ القانون على رفع العقوبات الجنائية عن الممتنعين لأسباب دينية، قبل أن تُلغيه المحكمة العليا لاحقًا بحجة تعارضه مع مبدأ المساواة، مانحة الحكومة مهلة لإعداد صيغة جديدة. ومنذ عام 2017م، واصلت الحكومات المتعاقبة طلب تمديد المهلة تلو الأخرى حتى انتهى مفعول القانون فعليًّا في منتصف عام 2023م. ومنذ ذلك الحين تسعى حكومة بنيامين نتنياهو إلى التوصل إلى حل يرضي العلمانيين وقيادات الجيش، وفي الوقت نفسه يضمن بقاء الأحزاب الحريدية ضمن ائتلافه بما يضمن بقائه في الحكم، وهو حل يبدو حتى الآن صعب المنال، إن لم يكن مستحيلًا.
تجدر الإشارة إلى أن رفض قطاعات من الحريديم أداء الخدمة العسكرية يعود إلى اعتبارات رئيسة؛ دينية وأيديولوجية، يأتي على رأسها رفض الصهيونية من الأساس؛ فبعض التيارات الحريدية لا تعترف بشرعية الدولة وتعتبر نفسها في "منفى اختياري" يُكرّس أفراده حياتهم لدراسة التوراة. وثانيها، السطوة الدينية والسياسية التي تمارسها المؤسسة الحريدية على أتباعها، إذ تسعى لضمان ولائهم واستمرار امتيازاتهم داخل النظام السياسي الصهيوني مقابل الحفاظ على الهوية الدينية، وذلك عبر محاولة التوفيق بين التدين والخدمة العسكرية عبر إنشاء أطر خاصة مثل كتيبة "نِتساح يهودا" التي تُعنى بتجنيد المتدينين في وحدات تسمح لهم بالالتزام الكامل بالتعاليم الدينية.
ويؤكد المرصد أن الأمر الذي جعل أزمة تجنيد الحريديم تأخذ منحًى أكثر تعقيدًا واحتدامًا هو السياق الذي اندلعت فيه؛ إذ جاءت في خضم العدوان الصهيوني المستمر على غزة ولبنان، وسوريا وقطر وإيران، وفي وقت لم يتمكن فيه جيش الاحتلال من تحقيق نصرٍ واضح في غزة، بينما كبدتها المقاومة الفلسطينية في غزة خسائر فادحة في الأرواح والمعدات، كل هذه الأسباب دفعت الحكومة الصهيونية إلى البحث عن كل جندي يمكن الزج به في ميادين القتال، بما في ذلك أبناء الطائفة الحريدية الذين ظلوا لعقود خارج نطاق التجنيد.
ومن ثم، فإنّ قانون تجنيد الحريديم لا يُمثل مجرد محاولة لسد النقص في صفوف جيش الاحتلال، بل يُجسد أزمة هوية عميقة داخل الكيان الصهيوني، بين من يؤمن بأن "التوراة تحرس الروح والجنود يحرسون الجسد"، وبين من يصر على أن العبء العسكري يجب أن يكون مشتركًا بين الجميع دون استثناء.
وحدة رصد اللغة العبرية