تَغيُّر مفاهيم الزواج بسبب «السوشيال ميديا» أحدث خللًا في فهم الميثاق الغليظ
المغالاة في المهور ومعاملة الزواج كمشروع تجاري.. وراء أزمة البيوت المعاصرة
عقد الجامع الأزهر، أمس الإثنين، الملتقى الفقهي بعنوان: «الزواج.. رؤية فقهية»، وذلك بحضور: د/ هشام السيد الجنايني، أستاذ الفقه المساعد بكلية الشريعة والقانون بطنطا وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، وأ.د/ أحمد الهادي السعيد، عضو هيئة التدريس بقسم أصول الفقه بكلية الشريعة والقانون وعضو مركز الأزهر العالمي للفتوى، وأدار الحوار أ/ سمير شهاب، المذيع بالتليفزيون المصري.
وخلال اللقاء، أكَّد الدكتور/ أحمد الهادي أن الزواج نعمةٌ عظيمة من نعم الله وآية من آياته الدالة على قدرته وإكرامه لبني آدم، مستشهدًا بقوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}، وطرح سؤالًا محوريًّا: هل الزواج غاية أم وسيلة؟ موضحًا أن الإشكالات الكبرى التي تشهدها البيوت المعاصرة نشأت حين جعل بعض الناس الزواج غايةً مستقلة، بينما هو في حقيقته سببٌ لمقاصد شرعية تتمثل في السكن والمودة والعفة وإبقاء النسل.
وأوضح أن من أكبر أسباب اضطراب الحياة الزوجية افتقاد الميزان الشرعي في الاختيار، حين يُقدَّم معيار المال أو الوظيفة على معيار الدِّين والخُلق، وهو ما خالف هَدْي النبي ﷺ الذي قال: «فاظفر بذات الدين؛ تَرِبَتْ يداك»، مؤكدًا أن نجاح الزواج مرتبط بتحقيق مقاصده لا بمجرد انعقاده، مبينًا أن لأركان الزواج أثرًا مباشرًا في صحة العقد وترتُّب آثاره؛ من الولي والشهود والمهر، محذرًا من المغالاة في المهور التي تُثقِل الشباب، وتُعطِّل مقاصد الشريعة في الإحصان والعفاف.
من جانبه، تناول الأستاذ الدكتور/ هشام الجنايني أثر «فقه الحياة» ومتغيرات العصر على فهم الناس للزواج، مُحذِّرًا من التشويه الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في تصورات الشباب عن الحياة الزوجية، وموضحًا أن القرآن الكريم رسم للزوجين صورتين عظيمتين تُعبِّران عن حقيقة العلاقة بينهما، الأولى: ﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن)، أي: الستر والدفء والقرب، والثانية: وصف الزواج بأنه «ميثاق غليظ»؛ وهو تعبير لم يَرِد في القرآن إلا في سياقات عظيمة.
وأشار إلى خطأ شائع مفاده أن «صاحبة الدين لا تخطئ، وصاحب الدين لا يخطئ»، مؤكدًا أن النبي ﷺ قال: «لا يَفْرَك مؤمنٌ مؤمنة؛ إن كره منها خُلقًا رضي منها آخر»، وأن إدراك الطبيعة البشرية للشريك هو أول مدخل لصناعة ميثاق قوي، مبينًا أن الميثاق الغليظ ينشأ بالرحمة وفهم الفطرة والقبول المتبادل، لا بالمثالية الزائفة التي تصنعها السوشيال ميديا، داعيًا الشباب إلى النظر إلى المحاسن قبل العيوب، وإلى بناء بيت يقوم على الدين والعشرة بالمعروف.
وفي ختام اللقاء، أكَّد أ/ سمير شهاب، أن موضوع الزواج بما يحمله من دلالات شرعية واجتماعية هو من القضايا التي تتجدد الحاجة إلى بيانها، خاصة مع ما يشهده الواقع من تغيُّرات واسعة وتنامٍ في تأثير منصات التواصل على أخلاق الناس وتصوراتهم.
وأضاف أن النصوص الشرعية رسمت إطارًا واضحًا لهذه العلاقة الإنسانية الرفيعة، مؤكدًا أن الملتقى الفقهي أصبح منبرًا معرفيًّا يُسهم في ترسيخ الوعي بالقضايا الأسرية، وبناء مجتمع يحفظ قيم الشريعة ومقاصدها.