عقد الجامع الأزهر، اليوم الأربعاء، اللقاء الأسبوعي لملتقى السيرة النبوية، تحت عنوان: "من سير الصحابة.. عمر بن الخطاب دروس وعبر"، بحضور: أ.د/ السيد بلاط، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية بجامعة الأزهر، وأ.د/ خالد عبد النبي، أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر، وأدار اللقاء الشيخ/ علي حبيب الله علي، الباحث بالجامع الأزهر.
في مستهل اللقاء، قال الدكتور/ السيد بلاط: إن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، بدأت ملامح شخصيته القيادية بالتبلور حتى قبل إسلامه؛ حيث اشتهر منذ صباه بالقوة والفطنة، وكان ضمن القلة النادرة في مكة التي تجيد القراءة والكتابة (المقدرة بنحو سبعة عشر رجلًا)، كما عُرف بفصاحته وقدرته على الخطابة والتأثير، وعمل قبل الإسلام برَعْي الغنم في الفترة بين الثامنة والثامنة عشرة من عمره، وهي الحِرْفة التي غرست فيه صفات الصبر والجلد وتحمُّل المسئولية، بعد ذلك انتقل إلى العمل في التجارة؛ مما أتاح له فرصة السفر والاحتكاك بالثقافات وتوسيع مداركه، مبينًا أن ما ينشر من روايات ينسب فيها إليه أنه كان يضحك ويبكي لسببين حينما يتذكر الفترة قبل إسلامه، الأول: أنه كان يصنع إلهًا من العجوة فإذا جاع أكله، والثاني: أنه بكى تذكُّرًا لابنته التي أراد أن يئدها، فكانت تنفض التراب عن لحيته، إلا أن التحقيق التاريخي وعلماء السير يؤكدون أن هذه الروايات غير صحيحة، ولا سند لها في كتب التاريخ والسُّنَّة المعتبرة، إضافة إلى أنه تُضْعِف هذه الروايات كذلك حقيقةُ أن قبيلته -وهي بنو عدي- لم تكن من القبائل المعروفة بظاهرة وَأْدِ البنات، كما أن رجاحة عقله وفطنته التي عُرف بها قبل الإسلام لا تتفق مع ارتكاب مثل هذه الأفعال.
وبَيَّنَ فضيلته، أن عمر بن الخطاب أسلم في السنة السادسة من البعثة النبوية الشريفة، فلم يكن إسلامه مجرد انضمام فردي، بل كان نقطة تحول حاسمة وعزًّا مؤزرًا للمسلمين، فبعد إسلامه، ظهرت قوة المسلمين، وخرجوا لأول مرة للصلاة عند الكعبة صفًّا واحدًا دون خوف، فكان إسلامه بمثابة الفَرْق الذي عزَّز شوكة الإسلام، وبدأ مرحلة جديدة من الجهر بالدعوة.
من جانبه، أشار الدكتور/ خالد عبد النبي، إلى أن الفاروق عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- كان يتمتع بصفات فريدة جعلته ركيزة للإسلام؛ فقد كان شديد القوة، وشديد البأس، وشديد التمسك بالحق والعدل، ولإدراك النبي ﷺ لأهمية هذه القوة في دعم الدعوة؛ توجه بالدعاء إلى المولى سبحانه وتعالى: "اللهم أعز الإسلام بأحبِّ هذين الرجُلَين إليك؛ بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب"، وقد كان إسلامه فتحًا ونقطة تحول؛ إذ أصرَّ وألحَّ على النبي ﷺ أن يتم إعلان الدعوة الإسلامية؛ فتحولت مسيرة الدعوة من طور السرية والكتمان إلى مرحلة الجهر؛ ولذلك لقب بـ "الفاروق"؛ لأنه فُرِّق بإسلامه بين الحق والباطل.
وأوضح أن فترة خلافة الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه مثَّلت العصر الذهبي للفتوحات والتوسع الإسلامي، وتحققت على يديه العديد من الإنجازات العظمى التي ارتقت بالخلافة إلى أوج القوة، ومن أبرزها: فتح مصر؛ حيث كان له الفضل العظيم في دخول الإسلام إليها، كما اتسعت رقعة الدولة الإسلامية بصورة لم يسبق لها مثيل، وهذا التوسع في عهده، جاء تحقيقًا لدعاء النبي ﷺ بأن يعز الله الإسلام بأحد الرَّجُلين؛ فتحولت قوته الشخصية إلى قوة في الإدارة، أسست لحضارة مترامية الأطراف.
يذكر أن ملتقى "السيرة النبوية" يُعقد الأربعاء من كل أسبوع في رحاب الجامع الأزهر الشريف؛ بهدف تسليط الضوء على حياة النبي محمد ﷺ، والمعالم الشريفة في هذه السيرة العطرة، وبيان كيفية نشأته، وكيف كان يتعامل مع الناس ويدبر شئون الأمة؛ للوقوف على هذه المعاني الشريفة؛ لنستفيد بها في حياتنا.