15 ديسمبر, 2025

حروب الظل ومزاعم متبادلة بدعم جماعات مسلحة

حروب الظل ومزاعم متبادلة بدعم جماعات مسلحة

رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي توصّل إليه الطرفان -الهند وباكستان- في العاشر من مايو 2025، بعد أيام من القصف المتبادل، لا تزال العلاقات بين باكستان والهند تشهد توترات مستمرة على مختلف المستويات، فإضافة إلى التوتر السياسي والدبلوماسي، تتبادل الجارتان النوويتان الاتهامات بدعم جماعات مسلحة تنشط داخل أراضي الطرف الآخر، وهو ما ينفيه الجانبان على الدوام.
فعلى سبيل المثال، تتهم باكستان نيودلهي بتمويل تنظيمات انفصالية ومتمردة وتسليحها، أبرزها في إقليم بلوشستان، بهدف تقويض الأمن الداخلي الباكستاني وإرباك مشاريعها الإستراتيجية مثل الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني.
وفي المقابل، توجّه الهند اتهامات مماثلة إلى باكستان بدعم جماعات متشددة تنشط في كشمير بشطريها، واستغلالها أداة لزعزعة الاستقرار، على غرار ما حدث في "هجوم باهلجام" الذي فجّر التوترات مؤخرًا. وفيما يلي، نستعرض أبرز الجماعات التي يتبادل الطرفان الاتهامات بدعمها:

أولًا: جماعات تتهم باكستان الهند بدعمها

جيش تحرير بلوشستان (BLA): جبهة تحرير بلوشستان (BLF) وجيش بلوشستان الوطني (BNA)
تأسس التنظيم عام 2000، و تعتبر أهم الجماعات البلوشية المسلحة وأخطرها في باكستان.
الهوية: تتخذ من القومية البلوشية أساسًا أيديولوجيًّا لها، وهي حركات قومية تطالب باستقلال بلوشستان.
الهدف: كان التنظيم في بادئ الأمر يطالب بالاستقلال السياسي ومنح إقليم بلوشستان حصة أكبر من الثروات الطبيعية، ثم تطور تدريجيًّا إلى جماعة انفصالية قائمة على الهوية البلوشية وقومية الموارد، التي تحركها نزعة السيطرة على الموارد الطبيعية الموجودة على أراضيها.
النشاط الإرهابي: استهداف المنشآت الحكومية والمشاريع الاقتصادية والشركات الأجنبية، خصوصًا مشاريع الممر الصيني-الباكستاني، فتستهدف بشكل خاص الحكومة الباكستانية وما يتبعها في بلوشستان، إضافة إلى استهداف العمال الأجانب بالإقليم والمناطق القريبة منه.
تصنيف الإرهاب: تم تصنيف التنظيم على قوائم الإرهاب في باكستان عام 2006، وعلى قوائم الإرهاب في الولايات المتحدة عام 2019.
أبرز العمليات الإرهابية: الهجوم على قطار جعفر إكسبريس مايو 2025م واختطافه، مما أدى إلى مقتل  33 مسلحًا، و21 رهينة من ركاب القطار.
الاتهامات: الاتهامات: تعتبرها إسلام آباد امتدادات لمخطط هندي لزعزعة الاستقرار في الإقليم.
تتهم باكستان الهند بدعمها للتنظيم بشكل مباشر، وصرح وزير الدفاع الباكستاني محمد آصف أواخر مايو 2025م  أن لدى بلاده "أدلة دامغة" على أن "جيش تحرير بلوشستان يعمل بالوكالة عن الهند، وفي 31 مايو، قررت الحكومة الباكستانية من خلال إشعار صادر عن وزارة الداخلية اطلاق اسم: "فتنة الهندوستان" على جميع الجماعات والتنظيمات المسلحة العاملة بإقليم البلوشستان، في إشارة إلى تورط الهند بدعمها.
وتوجد مجموعات وحركات بلوشية مسلحة أخرى في بلوشستان تشترك في الأهداف نفسها تقريبًا، وهذه المجموعات مثل جبهة تحرير بلوشستان (BLF) و جيش بلوشستان الوطني (BNA) الذي تشكل من اتحاد جيش البلوش الجمهوري (BRA) وجيش البلوش المتحد (UBA)، وتتهمها باكستان كلها بتلقي دعم من الهند.

حركة طالبان الباكستانية  (TTP)
تأسست: رسميًّا عام 2007.
الهوية: قومية بشتونية ذات طابع ديني متشدد.
النشاط: تنتشر بشكل واسع في المناطق الحدودية مع أفغانستان، وتقف وراء أكبر الهجمات دموية على مدار السنوات الماضية وأبرزها هجوم عام 2014 على مدرسة تابعة للجيش الباكستاني بمدينة بيشاور خلّف ما يقرب من 140 ضحية من الطلاب والمعلمين.
التصنيف: تُصنف الحركة بأنها تجمع بين القومية البشتونية ذات الطابع الديني المتشدد، نظرًا لأن الغالبية العظمى من مقاتليها من البشتون الذين درس معظمهم في المدارس الدينية، وتطالب طالبان الباكستانية بحكم ذاتي في المناطق القبلية لباكستان، ومؤخرًا. أطلقت عليها باكستان اسم: "فتنة الخوارج".
وكانت الانطلاقة الرسمية لهذه الحركة بشكلها الحالي عام 2007، على يد بيت الله محسود بعد أحداث المسجد الأحمر "لال مسجد" في إسلام آباد.
في أغسطس من العام الماضي، أصدرت وزارة الداخلية الباكستانية إشعارًا رسميًّا أعلنت فيه عن تسمية حركة طالبان باكستان بـ"فتنة الخوارج"، وهو ما أصبح دارجًا في جميع الخطابات والبيانات على مستوى جميع المؤسسات الرسمية والإعلامية في باكستان.
في 22 مايو الماضي، اتهم وزير الدفاع الباكستاني الهند بدعم وتمويل طالبان الباكستانية.1:43
الاتهامات: تتهم باكستان الهند بدعم الحركة وتقديم دعم مالي ولوجستي لها بهدف زعزعة الأمن الداخلي، خاصة في المناطق القبلية.

ثانيًا: جماعات تتهم الهند باكستان بدعمها

عسكر طيبة  :(Lashkar-e-Taiba)
تأسست: عام 1990 على يد حافظ محمد سعيد، جناحًا عسكريًّا لمنظمة "مركز الدعوة والإرشاد الإسلامية الباكستانية"، ثم انفصلت عن مركز الدعوة عام 2002.، وكانت بداية التأسيس خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان، وفي بداية التسعينات من القرن الماضي غيرت تركيزها إلى كشمير مع بداية التمرد الكشميري ضد الهند.
الهوية: جماعة إسلامية متشددة مسلحة
الأنشطة: عمليات في كشمير وداخل الهند، فالهدف الأساسي للجماعة هو إنهاء الإدارة الهندية لجامو وكشمير.
التصنيف: صنفت منظمةً إرهابية أجنبية من قبل دول عدة بما في ذلك: المملكة المتحدة والولايات المتحدة وأستراليا، وكذلك الأمم المتحدة، كما حُظرت في باكستان عام 2002 لكنها لا تزال محل جدل.
الاتهامات: تتهم نيودلهي إسلام آباد بتمويل عناصرها وتدريبهم، رغم نفي باكستان، وهي جماعة تحارب السيطرة الهندية على جامو وكشمير، وقد نفذت العديد من الهجمات ضد المسؤولين الهنود والقوات الهندية في كشمير المتنازع عليها، وكذلك في جميع أنحاء الهند، كان أولها الهجوم على كمين للقوات الجوية الهندية عام 1990، وأثبتت الجماعة قوتها عام 1993 بهجومها على قاعدة عسكرية هندية.
وتطورت عمليات "عسكر طيبة" لتشمل مناطق في الداخل الهندي، بهجوم البرلمان الهندي عام 2001. وعلى الرغم من حظرها من قبل إسلام أباد في عام 2002، إلا أن المجموعة التي تتخذ من باكستان مقرًّا لها لا تزال نشطة. واتهمت باكستان بعدم بذل ما يكفي للحد من أنشطة "عسكر طيبة"، على الرغم من الحظر. وغالبًا ما تلقي الهند باللوم على الجماعة في تنفيذ هجمات مسلحة رفيعة المستوى، ليس فقط في كشمير ولكن في جميع أنحاء الهند.
كما تورط أعضاء من الجماعة في هجمات مومباي عام 2008، وفقًا لتحقيقات هندية ودولية، والتي أودت بحياة أكثر من 160 شخصًا.

جبهة المقاومة   (The Resistance Front - TRF)
تأسست عام 2019، وأسسها سجاد جول في أعقاب إلغاء الهند للمادة 370 من الدستور الهندي التي تمنح كشمير وضعًا خاصًّا من الحكم الذاتي.
الهدف: النضال من أجل حرية كشمير.
التصنيف: صنّفتها الحكومة الهندية منظمة إرهابية عام 2023 بموجب قانون منع الأنشطة الإرهابية، وأعلنت مؤسسها سجاد جول إرهابيًّا. وتعتبرها الهند امتدادًا لعسكر طيبة، وتتهم الحكومة الهندية باكستان بتدريب مقاتليها.
وبرزت جبهة المقاومة بشكل واضح بعد هجوم "باهلجام" الذي أعلنت مسؤوليتها عنه أواخر أبريل 2025، والذي توترت بسببه العلاقات بين باكستان والهند، وعلى إثره انجر البلدان للاشتباك المسلح في مايو. والذي على خلفيته أعلنت وزارة الخارجية الهندية أن "منفذي الهجوم من جبهة المقاومة يتبعون جماعة عسكر طيبة المدربين في باكستان".
ووفقًا لسجلات الحكومة الهندية، فإن معظم المقاتلين المسلحين الذين قُتلوا في اشتباكات مسلحة في كشمير عام 2022 كانوا تابعين لجبهة المقاومة. وفي 2023 أبلغت وزارة الداخلية الهندية البرلمان أن الجماعة متورطة في التخطيط لقتل أفراد من قوات الأمن ومدنيين في جامو وكشمير، كما صرح مسؤولون استخباراتيون هنود لوكالة "رويترز": بأن جبهة المقاومة دأبت على إصدار تهديدات عبر الإنترنت ضد الجماعات الموالية للهند على مدار العامين الماضيين.

جيش محمد
تأسست عام 1989 على يد محمد أحسن دار.
الهوية: جماعة انفصالية كشميرية ذات توجه إسلامي.
الهدف: توحيد كشمير وضمها لباكستان.
التصنيف: مُدرج على قوائم الإرهاب لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند.
الاتهامات: تتهم الهند المخابرات الباكستانية بتأسيس الحزب ودعمه لوجستيًّا.
هي جماعة سنية مسلّحة مقرها الشطر الباكستاني من كشمير، تأسست على يد مسعود أزهر أحد قيادات "حركة المجاهدين" منذ عام 1994، ألقت الحكومة الهندية القبض عليه في العام نفسه في أثناء محاولته تنفيذ هجوم في الهند. وتم إطلاق سراحه في عام 1999 من سجن هندي مقابل 155 رهينة على متن طائرة تابعة للخطوط الجوية الهندية اختطفتها حركة المجاهدين. والتي كانت أولى هجمات التنظيم الكبرى، ويسعى التنظيم إلى محاربة الوجود الهندي في كشمير، وكان له دور في محاربة القوات الأميركية في أفغانستان.
الاتهامات: تتهمها الهند بالوقوف وراء تفجير مبنى الجمعية التشريعية في الشطر الهندي من كشمير في أكتوبر 2001، والذي أسفر عن مقتل أكثر من 30 شخصًا. وبعد شهرين الحادث، أضافت وزارة الخارجية الأميركية التنظيم إلى قائمة "المنظمات الإرهابية الأجنبية". وفي العام نفسه، ألقت القوات الباكستانية القبض على مسعود أزهر، ولكن تم إطلاق سراحه بأمر قضائي. وفي عام 2002، حظر الرئيس الباكستاني آنذاك برويز مشرّف الجماعة، وفي العام التالي حاولت الجماعة اغتيال مشرّف.
كانت الجماعة وراء أحد أعنف الهجمات عام 2016، حين اتُهِمت بالهجوم على مقر عسكري هندي أسفر عن مقتل 19 جنديًّا هنديًّا، كما أعلنت مسؤوليتها عن "هجوم بولواما"، في فبراير 2019، والذي أدى لمقتل ما لا يقل عن 40 جنديًّا هنديًّا، وأشعل توترًا عسكريًّا استطاعت باكستان خلاله إسقاط طائرة هندية وأسرت الطيار وأفرجت عنه لاحقًا. وبعد الهجوم مباشرة اتهمت الهند باكستان بدعم "جيش محمد"، وهو اتهام رفضته باكستان وأعربت عن استنكارها للهجوم.
وتتميز الجماعة بشبكة علاقاتها الواسعة مع العديد من الجماعات مثل:  "عسكر طيبة"، طالبان باكستان وتنظيم القاعدة.

حزب المجاهدين
تأسس عام 1989 على يد الزعيم الانفصالي الكشميري محمد أحسن دار. والذي انبثق من احتجاجات عام 1988 في كشمير ضد الحكومة الهندية، وأصبح واحدًا من أكبر الجماعات المتمردة المتمركزة في الشطر الهندي من كشمير.
الهوية: جماعة انفصالية كشميرية ذات توجه إسلامي.
الأهداف: توحيد كشمير بفرعيها وضمها لباكستان.
التصنيف: مدرجة على قوائم الإرهاب لدى الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والهند، على عكس إسلام آباد التي تعتبر صراع كشمير معترفًا به دوليًّا.
الاتهامات: تتهم الهند المخابرات الباكستانية بتأسيس الحزب ودعمه لوجستيًّا.
يعتبر حزب المجاهدين الجناح المسلح للجماعة الإسلامية في الشطر الهندي من كشمير، وهو غير مرتبط إداريًّا أو تنظيميًّا بالجماعة الإسلامية في كشمير الباكستانية، وإنما يتبنيان الأفكار الأيدولوجية نفسها. تضاءل نفوذ الجماعة في السنوات الأخيرة، بعد أن اشتدت القبضة الأمنية الهندية ضد الجماعة عام 2016، ولا سيما بعد مقتل قادتها الرئيسيين، بمن فيهم برهان واني في عام 2016 وخليفته سبزار أحمد في عام 2017. وفي نفس العام صنفتها الولايات المتحدة "منظمة إرهابية أجنبية" وفرضت عليها عقوبات.
وخلال العملية التي أطلقتها الهند في مايو  2025 الماضي في أثناء حربها مع باكستان، كانت بعض مواقع الجماعة من ضمن الأهداف التسعة التي أعلنت الهند عن قصفها داخل الأراضي الباكستانية، في حين صرحت باكستان إنها أهداف مدنية.

تحليلات و رؤى
تحليل تستند إليه الهند: إرهاب جيد مقابل إرهاب سيئ
ترى الهند وفقًا للتقارير الاستخباراتية الهندية أن القوات الباكستانية تُجري حملة تطهير ضد حركة طالبان باكستان في إقليم خيبر بختونخاه الحدودي المضطرب، لكنها في الوقت نفسه تسهّل على جماعة "عسكر طيبة" إنشاء معسكرات جديدة. وتصف الهند هذه السياسة بأنها تمييز بين "إرهاب سيئ" يستهدف باكستان و"إرهاب جيد" يستهدف الهند. تهدف هذه الإستراتيجية، المُسماة "الإرهاب الجيد" مقابل "الإرهاب السيئ"، إلى القضاء على حركة طالبان باكستان المناهضة لباكستان، مع تعزيز الجماعات المناهضة للهند مثل جماعة عسكر طيبة وحزب المجاهدين، مما يُشكل تهديدًا كبيرًا على المدى الطويل، ومن المتوقع إنشاء مراكز جديدة للتنظيمات بحلول عام ٢٠٢٥.
تحليل تستند إليه باكستان: الهند تستغل نقاط الضعف والاضطرابات في باكستان
تصرح الباحثة في معهد الدراسات الإستراتيجية في إسلام آباد، والمختصة في الشؤون الأمنية ماهين شفيق إن الهند تعتمد على مبدأ "الهجوم الدفاعي"، مستغلة الاضطرابات الداخلية في باكستان، خصوصًا في بلوشستان. وأبرز التنظيمات المدعومة من الهند هي "طالبان الباكستانية" و"جيش تحرير بلوشستان وتضيف أن باكستان قدمت أدلة دولية على دعم الهند لحركة طالبان باكستان وجيش تحرير بلوشستان ولا سيما الدعم المالي والمادي. ومن جهته، يشير الخبير الأمني رفيع الله كاكار إلى أن إمكانية الدعم الخارجي من الهند قائم لا محالة، في ظلّ البيئة الأمنية الإقليمية المتوترة، كما أن التمرد البلوشي نابع من مظالم داخلية سياسية واقتصادية، وأن أي دعم خارجي يُعد انتهازيًّا لا مُسبّبًا رئيسيًّا.
وختامًا فبين اتهامات متبادلة، ومسلحين على الحدود، وتاريخ طويل من الصراعات، تبقى الجماعات المسلحة في المناطق الحدودية إحدى أبرز أدوات الحرب غير المعلنة بين الهند وباكستان. وبينما تسعى الدولتان لتحقيق مصالح إستراتيجية، يبقى المجتمع الطرف الذي يدفع ثمن هذا الصراع طويل الأمد، الذي لم يُخلّف سوى إراقة مزيد من دماء الأبرياء.
 

وحدة الرصد باللغة الأردية

قراءة (263)/تعليقات (0)