16 ديسمبر, 2025

التحرش بالأطفال ... حين تتحول الجراح النفسية إلى بوابة للتطرف

التحرش بالأطفال ... حين تتحول الجراح النفسية إلى بوابة للتطرف

     من أبلغ صور التكريم الإلهي للإنسان أن جعله الله مكرّمًا مصونًا، له حرمةٌ لا تُمس وكرامةٌ لا تُنتهك، فاعتداء المرء على جسد غيره أو عرضه ظلمٌ عظيم، ينافي الفطرة السليمة والشرائع كافة، وعليه؛ يُعدّ التحرش بالأطفال واحدة من أبشع الجرائم التي يمكن أن يتعرض لها طفل في مرحلة تكوينه النفسي والوجداني، فهذه الجريمة ليست مجرد انتهاك جسدي عابر، بل هي  اعتداءٌ صارخٌ على براءة الطفل وأمن المجتمع كله، وسلوك منزوع الرحمة لا يمتّ لأية قيمة إنسانية أو دينية بصلة.

ومن أخطر ما يتركه التحرش هو  آثاره النفسية العميقة التي تلاحق الطفل لسنوات، وقد تتطور مع الوقت إلى سلوكيات وأفكار تهدد حياته وتفتح أبوابًا خطيرة نحو مسارات أكثر ظلامًا.

فالطفل الذي يتعرض للتحرش قد يعيش حالة من  الدونية ورفض الذات، ويطغى عليه شعورٌ دائم بأنه أقل قيمة أو أنه مذنب رغم أنه الضحية، ومع مرور الوقت، تتسع دائرة الألم النفسي لتشمل  الاكتئاب، والعزلة، وفقدان الثقة بالنفس وبالآخرين، وتتزايد احتمالات ظهور أفكار انتحارية أو سلوكيات إيذاء النفس نتيجة العجز عن استيعاب التجربة أو الحديث عنها.

و قد يلجأ بعض الأطفال إلى  العنف أو السلوكيات العدوانية كآلية دفاعية بديلة، في محاولة لاستعادة السيطرة التي سُلبت منهم في طفولتهم.

وهنا؛ قد تبدأ بذور التطرف تنمو، من تلك  اللحظة التي يتعوّد فيها المرء كسر حاجز الخوف من العدوان؛ فالمتحرش حين يستهين بكرامة الآخرين يفتح في داخله المدخل ذاته الذي ينفذ منه المتطرف ليستبيح الدماء والحرمات، وكلاهما يقوم أولًا بإلغاء إنسانية "الآخر" وتحويله إلى مجرد شيء، وهذه الأنماط السلوكية، إن لم تُعالَج في وقت مبكر قد تشكّل مدخلًا خطيرًا لجماعات أو أفكار متطرفة تبحث عن أشخاص يعانون هشاشة نفسية، وشعورًا بالظلم، وفراغًا داخليًّا عميقًا.

ويشترك كلٌّ من  المتحرِّش والمتطرِّف في آلية نفسية خطيرة وإن اختلفت فيها درجة العنف، وهي تعطيل القدرة على التعاطف، فكلاهما منزوع الإحساس بآلام الآخرين، لديهما نفس التسويغ الذاتي الذي يُضفي على الجريمة غطاءً زائفًا، فالمتحرِّش يقنع نفسه بأن الضحية "أغرته" أو أن مظهرها سبب فعلته، بينما يوسّع المتطرّف دائرة التبرير بقوله: "إنهم يستحقون القتل" أو "المجتمع فاسد ويجب تطهيره".

وإذا كان التحرش بالبالغين جريمة شنيعة، فإن التحرش بالأطفال إثم مضاعف، لأنه يطعن الفطرة في أصفى مراحلها، ويمس البنية النفسية والأخلاقية للطفل في وقت تتشكّل فيه ملامح شخصيته الأولى. فالطفل المعتدى عليه غالبًا ما يواجه خوفًا مستمرًّا، وتشوشًا في الهوية الجسدية، وشعورًا غامضًا بالعار لا يستطيع تفسيره، ومع غياب الاحتواء الأسري أو المجتمعي، يتحول هذا الجرح إلى غضبٍ صامت، أو نفور وكراهية للمجتمع،  وقد يدفعه ذلك إلى الانحراف أو العنف أو الانجذاب إلى جماعات تمنحه وهم القوة واستعادة السيطرة، فالجماعات المتطرفة عادةً ما تستغل أصحاب الجراح النفسية، وتقدّم لهم وهمًا بالقوة والانتماء والتقدير، مما يجعل الطفل أو الشاب الذي تعرض للتحرش سابقًا فريسة سهلة للاستقطاب، خاصة إذا كان يعاني من الانعزال الاجتماعي أو غياب الدعم الأسري.

ومن هنا تأتي أهمية الدور الكبير للمؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر الشريف، الذي لم يكتفِ بإدانة هذه الجريمة، بل شدّد على أنها جريمة منحطة تناقض الفطرة الإنسانية، وطالب بتغليظ عقوباتها، وبضرورة تقديم الدعم النفسي للأطفال وتأهيلهم، وحمايتهم من آثار التجربة.

كما يتحتم على المؤسسات التعليمية والإعلامية والقانونية التعاون معًا لإنشاء بيئة واقية تدعم الطفل، وتمنع تكرار الجريمة، وتَحد من تحول آثارها النفسية إلى مسارات تهدد أمن المجتمع.

وفي هذا السياق، يؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن جريمة التحرش بالأطفال ليست مجرد سلوك منحرف، بل هي فعل يصادم الفطرة السليمة ويرتطم بجدار الإنسانية والرحمة التي فطر الله الناس عليها. ويشدد المرصد على أن هذه الجريمة  محرّمة شرعًا بكل صورها، وتمثل عدوانًا على أمن المجتمع وهدمًا لأسس التربية السوية، وقد تُصبح مدخلًا لانحرافات فكرية وسلوكية إذا لم يتم التعامل معها بوعي ومسؤولية.

ويؤكد المرصد على أنه لابد من منظومة شاملة تبدأ بترسيخ تقوى الله في النفوس، وتربية الشباب على غضّ البصر وصون الأعراض، ونشر الفكر الوسطي الذي يسد الفراغ العقدي والمعرفي ويحمي من خطاب الكراهية، كما يؤكد على أهمية تعزيز  دور الأسرة في بناء شخصية سوية تحترم الجسد وحقوق الناس، مع ضرورة تحقيق عدالة رادعة ترفض التستر على الجناة وتشجع الضحايا على اللجوء للقنوات الرسمية؛ فالتصدي للتحرش ليس مجرد علاج لسلوك منحرف، بل هو حماية لمقاصد الشريعة وصيانة للمجتمع من جذور التطرف الأخلاقي والفكري والسلوكي، كما أنَّ إعادة بناء الطفل نفسيًّا وترميم ثقته بذاته وبمن حوله هو جزء أساسي من  منع التطرف وتجفيف منابعه.

وحدة الرصد باللغة الأردية

قراءة (193)/تعليقات (0)