12 يناير, 2026

مبادرات إيطالية تعزز من فرص التعايش والاندماج

مبادرات إيطالية تعزز من فرص التعايش والاندماج

     يشير الاندماج في علم الاجتماع، إلى العملية التي يدخل من خلالها الأفراد أو المجموعات المختلفة (من حيث الثقافة أو الدين أو اللغة أو الأصل العِرقي) ليصبحوا جزءًا من المجتمع المضيف، وذلك من خلال مشاركتهم في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية من دون أن يضطروا بالضرورة إلى فقدان هويتهم أو ثقافتهم الأم.

ولضمان فعالية الاندماج، يلزم تعاون جوهري بين جميع الأطراف: القادمين الجدد والمجتمع المضيف. فالاندماج الهيكلي، الذي يعني تمكين الوصول الفعلي إلى الخدمات الأساسية كالتعليم والعمل والسكن والمشاركة السياسية، هو المسار الرئيس الذي يجب على الدولة أن تضمنه. وعلى القادمين الجدد بدورهم أن يبادروا بقوة للمساهمة الإيجابية في هذا المسار، حتى تكتمل دائرة الاندماج بنجاح.

بينما يُشكل الاندماج الثقافي من حيث: تعلّم اللغة والقواعد الاجتماعية والقوانين والقيم المشتركة، وكذلك من حيث: تكوين الصدقات والروابط الاجتماعية، أحد أبرز المحاور التي ينبغي على الوافدين الجدد تحقيقها. ويحقق الوافدون الجدد الغاية المثلى من الاندماج عندما يصلون إلى الإحساس بالانتماء إلى المجتمع المضيف، مع الحفاظ على الهوية الثقافية الأصلية.

ولا شك أن أي اندماج حقيقي يحتاج أولًا إلى بيئة داعمة وآمنة، تُعلي من شأن الحوار والتسامح، حيث تشجع القوى الإيجابية في المجتمع على تقبل التنوع الثقافي والتعايش بين المختلفين، وتوسع مساحات التفاهم المشترك، وتعمل على تقليص الأحكام المسبقة ومظاهر التمييز.

وقد شهدت الساحة الإيطالية في الآونة الأخيرة مبادرات تعزز من فرص الاندماج، والحد من الأحكام المسبقة ضد الجالية المسلمة في إيطاليا؛ حيث إن معرفة الآخر معرفة حقيقة من مصادر موثوقة، تمثل الخطوة الأولى نحو اكتشاف الآخر وتعزيز ثقافة التسامح والسلام.

من بين تلك المبادرات التي شهدتها الساحة الإيطالية، أن قامت مكاتب الأمانة العامة لمؤتمر الأساقفة الإيطاليين CEI: (المكتب الوطني للوحدة المسيحية والحوار بين الأديان UNEDI، المكتب الوطني للتعليم والمدرسة والجامعة UNESU، الخدمة الوطنية لتدريس الدين الكاثوليكي IRC) بالتعاون مع المعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية – PISAI، بترويج مشروع ثقافي موجه إلى المدارس الإيطالية، يتمثل في إعداد كتيِّب بعنوان: "بطاقات للتعرُّف على الإسلام"، والذي قُدِّم في روما يوم الإثنين الموافق 10 من نوفمبر 2025م.

ويُعد هذا المشروع آلية فعّالة لتعزيز الثقافة والمعرفة أداةً حقيقية لمواجهة الأحكام المسبقة وتصحيح الصور المشوّهة عن الآخر. فبعد مرور ستة عقود على إصدار الوثيقة المجمعية التأسيسية "نوسترا آيتات" (في عصرنا)، الصادرة في الثامن والعشرين من أكتوبر ١٩٦٥م والمصادق عليها من المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني والبابا بولس السادس، والتي تشكل نصًّا محوريًّا في حوار الأديان، يمثّل كتيّب: "بطاقات للتَعَرّف على الإسلام" دليلًا عمليًّا على أن مبادئ المجمع لا تزال حيَّة وذات قيمة وفائدة وضرورة في زماننا هذا.

 

لقد مكّنت الثقة المتبادلة والتعاون الفعَّال بين الخبراء المسلمين والمسيحيين، مع احترام الاختلافات وفهم عميق للتقاليد المتبادلة، من تنفيذ هذا المشروع واعداد كتيّب: "بطاقات للتَعَرّف على الإسلام"، لضمان "المعرفة الصحيحة بالإسلام ونقلها بصورة سليمة".

ويهدف هذا المشروع إلى توفير نصوص تعليمية ذات جودة عالية للمدارس الإيطالية لتدريس الدين الكاثوليكي (IRC)، مع تعزيز الثقافة والمعرفة كوسيلة حقيقية لمواجهة كل أشكال الأحكام المسبقة وتشويه الحقيقة. إن نشر كتيّب: "بطاقات للتَعَرّف على الإسلام"، يمثل شهادة على أن المبادرات التي من شأنها أن تعزز الاندماج كثيرة ولا تتطلب سوى النية الصادقة والبدء، من أجل نشر وترسيخ الفهم المتبادل للمجتمعات التي تتعايش في إيطاليا، ولتعزيز التماسك الاجتماعي المبني على العدالة والقيم الأخلاقية والسلام والحرية. إن دعم هذا المشروع سيتطلب بالضرورة تعزيز العمل بين ممثلي الأديان وبين القطاع المدرسي، وتفعيل مبادرات ترويجية له.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا المشروع الذي يُعد خطوة جديدة في مسارٍ التَعَرف على الأديان، كان قد أصدر في وقت سابق كتيّب مماثل مخصّص للتعرّف على الديانة اليهودية. وعليه، إن وضع معرفة مشتركة في متناول القرّاء ودور النشر، تقوم على حوار بين الأديان يتيح للمسيحيين فهمًا حقيقيًّا للإسلام، وفي الوقت ذاته يُمَكّن المسلمين من الشعور بأنّهم مُمثَّلون ومُقدَّمون بصورة صحيحة من خلال استخدام المصادر الأصلية بعيدًا عن التحريف وسوء الفهم، يمثل بحق أحد المبادرات الناجحة التي تجمع ولا تفرق، وتؤسس لمجتمع متماسك متعدد الأعراق والثقافات.

من بين تلك المبادرات الأخرى التي شهدتها الساحة الإيطالية، أصدرت وزارة الاقتصاد والمالية الإيطالية، بالتعاون مع المعهد الوطني الإيطالي للطباعة وسك العملة، ثلاث عملات تذكارية من الفضة فئة 3 يورو، تحمل واحدة منها صورة كاتدرائية القديس بطرس بروما، والثانية تحمل صورة المسجد الكبير بروما، والثالثة تحمل صورة الكنيس اليهودي الكبير بروما.

تمثل هذه الخطوة قيمة رمزية عميقة، حيث تصبح العملات، وسيلة لنقل رسالة عالمية عن الأخوَّة. فهذه السلسلة ليست مجرد مجموعة من العملات، بل هي أداة حقيقية للدبلوماسية الثقافية.

يكمن الجانب الأكثر أهمية في المشروع في جعل رمز من رموز الدولة —  ألا وهي العملة التذكارية المسكوكة— يقوم بمهمة نقل قيم الحوار بين الأديان والسلام. ففي زمن تتسم فيه العلاقات بالتوترات وسوء الفهم، تُظهر هذه المبادرة كيف يمكن للمؤسسات أن تكون فاعلة في تعزيز التعايش والفهم المتبادل.

 

وفي عالمٍ كثيرًا ما تُصنَّف فيه الاختلافات الدينية على أنها حدودٌ تفصل بين البشر، تذكِّرنا هذه المبادرة بأن الحوار ليس ممكنًا فقط، بل هو حاجة ملحَّة. إن الدعوة إلى المعرفة المتبادلة، والاعتراف بالآخر، واللقاء معه، التي تجّدها هذه البطاقات، تُشكل بلا ريب إسهامًا ثمينًا في بناء "ثقافة اللقاء" التي يحتاج إليها عالمنا اليوم بشكل كبير.

في هذا السياق الهش، المليء بالحروب والنزاعات وتصاعد خطابات الكراهية الخطيرة، يرحب مرصد الأزهر بهذه المبادرات بتقدير صادق، معترفًا بقيمتها الإنسانية والرمزية، فضلًا عن قيمتها ومكانتها في التعريف بالآخر وبثقافته من منظور وإطار صادقين. ويعرب المرصد عن امتنانه للمبادرين بهذه المشاريع التي لا ترحب فحسب، بل تدمج أفرادًا من ديانات مختلفة، مذكرًا بأن التنوع ليس سببًا للافتراق أو الاغتراب عن بعضنا بعضًا، بل هو أصل للتكامل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الأنبياءُ إخوةٌ لعَلَّاتٍ؛ أمَّهاتُهُم شتَّى ودينُهُم واحدٌ».

وحدة الرصد باللغة الإيطالية
 

قراءة (347)/تعليقات (0)