تشهد فرنسا منذ عقود تحولات عميقة في طبيعة التدين وصياغة الهوية داخل مجتمعها المسلم، الأمر الذي يُشكل جزءًا حيويًّا وفاعلًا من النسيج الاجتماعي الفرنسي. ومع صدور استطلاع معهد الرأي العام الفرنسي (IFOP) لعام 2025 حول "علاقة المسلمين في فرنسا بالإسلام والإسلاموية"، يتضح أن هذه التحولات لم تعد ظواهر عابرة أو هامشية، بل تحولت إلى واقع بنيوي راسخ يهز توازنات الهوية الوطنية ويثير تحديات للنموذج الجمهوري العلماني الفرنسي. فالهوية الإسلامية تجاوزت عتبة التحول من مجرد انتماء روحي أو ممارسة طقسية إلى موضوع صراع رمزي وسياسي يعكس توترات جوهرية بين الانتماء الديني والولاء للمواطنة الجمهورية. ومع نشر نتائج هذا الاستطلاع في 18 نوفمبر، اندلعت موجةٌ عارمةٌ من ردود الفعل في الأوساط السياسية والإعلامية، حاملةً معها انطباعًا سائدًا بأن القيم الجمهورية تترنح تحت وطأة ما يُصاغ في الخطاب العام تحت عنواني "التشدد الديني" و"الأسلمة المتصاعدة".
يُظهر الاستطلاع أن 7% من الفرنسيين يُعرّفون أنفسهم كمسلمين، لكن النسبة الأكثر إثارة للجدل تظهر بين الشباب (15-24 عامًا)، حيث يُفضل أكثر من نصفهم صراحةً تطبيق الشريعة الإسلامية على القوانين الفرنسية الوضعية، مما يعكس تحولًّا عميقًا في منظومة القيم، وفي تصورهم للشرعية السياسية والاجتماعية([1]). لكن هذه الأرقام التي تُثار في الإعلام والسياسة الفرنسية تحتاج إلى قراءة متأنية وموضوعية، بعيدًا عن التسرع والتحليلات المضطربة التي تفتقر إلى الدقة المنهجية.
فعند سؤال المشاركين في الاستطلاع عن موقفهم من الإسلامويين وأفكارهم، لجأ مُعدُّو الدراسة إلى حيلة ماكرة من خلال دمج فئتين متباينتين تحت عنوان "يوافقون على بعض آراء الإسلاميين على الأقل"، مما شكَّل تمويهًا إحصائيًّا يُغيِّب الفروقات الجوهرية بين الفكر الإسلامي المعتدل والتطرف.
ففي الواقع، 34% فقط اختاروا "بعض الآراء"، بينما لم تتجاوز نسبة من أيدوا "معظم الآراء" سوى 8%، وهي حقيقة تختفي خلف الأرقام المُعلنة؛ حيث إن ما يتم إغفاله عمدًا أو سهوًا هو أن 62% من المسلمين يرفضون تلك الآراء كليًّا، وأن نحو 92% يعارضون بعضها، وهذا التوجيه في عرض البيانات يمثل إنحرافًا متعمدًا يكشف عن نزعة في الخطاب الإعلامي والسياسي لرسم صورة معاكسة للواقع، تخدم أجندة أيديولوجية ضيقة([2]).
وعليه، فإن القراءة المتأنية لنتائج الاستطلاع، مع مقارنتها بدراسات موازية وسياق تاريخي أوسع، تظهر صورة أكثر توازنًا وتعقيدًا لعلاقة المسلمين الفرنسيين – خاصة الشباب – بالإسلام والعلمانية. وقد تناول المؤرخ الفرنسي شارل ميرسييه والباحث في العلوم السياسية فيليب بورتييه هذه القضية عبر تحليل نقدي متوازن نُشر في صحيفة "لوموند" بتاريخ 28 نوفمبر 2025، سلطا فيه الضوء على جوانب ظلت لفترة طويلة خارج الحوار العام([3]).
أما بخصوص الشباب المسلم، فيشير تقرير IFOP إلى أن نحو 42% منهم يعبرون عن تعاطف مع أفكار تيارات الإسلام السياسي ذات التوجه المتشدد، وهي نسبة تثير قلقًا وتستدعي تحليلًا عميقًا لفهم أبعادها وسياقاتها. لكن يجب فهم هذا التعاطف في سياق أوسع، وعدم اختزاله كدليل على "أسلمة" المجتمع، خاصة مع ارتفاع نسب الممارسات الدينية (كزيادة حضور المساجد، والصيام، والصلاة المنتظمة، وارتداء الحجاب)، والتي تعبّر عن تأكيد الهوية الدينية أكثر من كونها مجرد ممارسة روحانية خالصة. وبالتالي، يجب فهم هذا الارتفاع في الممارسات الدينية كجزء من تحولات دينية أوسع تشهدها مجتمعات متنوعة عالميًّا، وليس كظاهرة معزولة.
ورغم الأسئلة المشروعة حول منهجية الاستطلاع، تُظهر الأرقام أن التحدي يتجاوز المسألة الدينية ليعكس أزمة انتماء وكرامة. فعندما يُحرم الشباب المسلم من فرص العمل اللائق والمشاركة الفعلية في الحياة العامة، يصبح الدين ملاذًا نفسيًّا من الشعور بالاغتراب والحرمان. وفي هذا السياق، لا تكون الممارسات الدينية مجرد عبادة، بل مقاومة صامتة ضد التهميش الذي يصل إلى حد قمع التعبير الديني. وتضع هذه الأرقام فرنسا أمام اختبار وجودي: صراع بين صعود الهوية الدينية لدى الشباب ومبادئ الجمهورية العلمانية. فبينما يروّج الخطاب الرسمي لوحدة الأمة ومواطنة عادلة، يجد الشباب المسلم أنفسهم في فراغٍ اجتماعي ونفسي يتجاهل هوياتهم ويُقوّض إنسانيتهم في الفضاء العام. ومن هذا التناقض بين الوعد والواقع، ينشأ شعور عميق بالظلم والإقصاء، وتتسع الهوة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية للدولة والإعلام التي غالبًا ما تحوّل الرموز الإسلامية إلى تهمة وتستبعد المسلمين من المشاركة الحقيقية. وهذا الحصار يُنتج هوية دينية منكفئة، قد تجد في التشدد درعًا وهميًّا ضد إقصاء متواصل.
في هذا السياق، تبرز العلمانية الفرنسية بصورتها الصارمة كمحور جدلي في الأزمة. فبينما تهدف في الأصل إلى حياد الدولة وحرية الضمير، تحولت في الممارسة إلى أداة تراقب الممارسات الدينية – خاصة الإسلامية – وتُقيّد الرموز كالحجاب في المدارس والمؤسسات العامة، تحت مسمى مكافحة ما يُوصف بـ"الانفصالية الإسلامية". وهكذا تحولت العلمانية من ضامنة للحريات إلى قيد على الممارسة الدينية. ومن هذا التحريف لمعناها، تُعاد صياغة صورة مشوهة للإسلام في الوعي الفرنسي، تُصوّره كتهديدٍ للحضارة والهوية الوطنية. وينشأ عن هذا تصور ثنائي يقسم المجتمع إلى "نحن" و"هم"، مما يضع الشباب المسلم في موقف دفاعي دائم، حيث تُستهدف حتى ممارساتهم الدينية السلمية.
ومن التحليل الاجتماعي المتأني، يتضح أن تصاعد النزعات المتشددة لدى الشباب المسلم لا ينبع فقط من عوامل دينية أو أيديولوجية، بل هو نتيجة لتراكمات عميقة من الإقصاء الاجتماعي والتمييز الاقتصادي، وشعور متزايد بالاغتراب عن الدولة ومؤسساتها. والحقيقة المرّة أن المقاربة الأمنية والسياسية، لم تفلح في الامتداد إلى جذور الداء الحقيقية، بل اشتعلت بها نيران جديدة من الشعور بالاستهداف والملاحقة. ففي غياب حوار حقيق ي صادق الجنان، وحين تُرتج أبواب المؤسسات الرسمية في وجه الصوت المسلم، يُضطر الشباب إلى البحث عن انتماء في تدين انطوائي فينكفئون على ذاتهم؛ وينزلقون نحو التشدد والعزلة، يطلبون الدفء والأمان داخل جماعاتهم الدينية الضيقة، في استجابة طبيعية حتمية لفراغ عميق خلّفته السياسات الرسمية وأركانها.
ولا شك أن للعنصر السياسي دورًا محوريًّا في تشكيل هذه التحولات الهوياتية المعقدة، خاصة مع قيام القوى الإسلامية والحركات الدينية -ولا سيما المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين- بدور الحامي والملاذ. فهي تقدم للشباب الضائع هوياتٍ صلبةً ومتماسكة. لكن انجذاب الشباب نحوها لا ينبع أساسًا من اقتناع فكري عميق، بل هو صرخة نفسية وأنينٌ روحي بسبب فقدان الاعتراف والحقوق في الوطن والمجتمع. فكلما ضاقت دوائر الاعتراف في ظل الدولة، اشتدت حاجة الشاب إلى هوية أوسع وأعمق، تتجاوز الحدود الوطنية لتمنحه الكرامة والعدل الذي افتقده، حتى لو كانت هذه الهوية تحمل سماتٍ أيديولوجية وسياسية بارزة.
من جانب آخر، لا يمكن فهم هذا الواقع المعقد دون النظر إلى البيئة الإعلامية والسياسية في فرنسا، التي تُشكّل صورة المسلمين بعناية وإصرار. إذ يصرّ الخطاب السائد على تصويرهم باعتبارهم تهديدًا أمنيًا محضًا، لا مكونًا طبيعيًا وشرعيًا للمجتمع. فالتركيز الإعلامي على كل حادثة تطرف فردية، جنبًا إلى جنب مع الخطاب السياسي الذي يرسم صورة قاتمة لـ"الخطر الإسلامي" و"أسلمة فرنسا"، قد نسجا معًا تصويرًا مشوهًا يربط الإسلام بالعنف والانقسام. وقد أدى هذا النسيج الخطير إلى ارتفاع صادم في حوادث رهاب الإسلام بنسبة 75% في عام 2025 مقارنة بالعام السابق([4]).
هذه الأجواء المسمومة تعمق الشعور بالغربة والجرح النفسي لدى المسلمين، وتُذكي نزعات الانكماش والدفاع عند شبابٍ يشعرون بأنهم مستهدفون في هويتهم ووجودهم، مما يؤسس لحلقة مفرغة من الاستقطاب والتباعد، يصعب كسرها دون إرادة حقيقية وجهود شاملة.
وتُظهر نتائج الاستطلاع أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الشباب الذكور وحدهم؛ بل تشمل أيضًا الفتيات المسلمات اللاتي يُظهرن التزامًا أقوى بالرموز الدينية كالحجاب والممارسات الدينية المنتظمة والمتسقة. وينم هذا عن رغبة عميقة في بناء هوية مرئية ومعترف بها وسط ضغوط اجتماعية حاقدة تسعى إلى تجريم التعبير الديني للمرأة المسلمة في الفضاء العام. وللانتماء الطبقي والموقع الجغرافي دور محوري وحاسم في ديناميات هذه الحركة؛ فالنزعات المتشددة تتصاعد بحدة لافتة في الضواحي والأحياء المنسية التي تئن تحت نيران البطالة والجريمة والحرمان من الخدمات الأساسية والضرورية.
لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في جوهر التدين النقي، بل في الانزلاق التدريجي منه نحو التشدد. فالتدين الحق يتجلى في روح عميقة وعبادة صادقة، واستجابة فطرية للإيمان عبر الوسطية والسماحة. إلا إن التهميش الاجتماعي والفراغ المؤسسي يحوِّلان هذه النزعة الفطرية تدريجيًا عن مسارها. فالتشدد لا يظهر فجأة، بل هو تحول بطيء ينشأ من الممارسة المتطرفة، فيتحول الدين من حالة روحية متوازنة إلى فكر جامد، تسوده الغلو والتعصب، مما يؤدي إلى الانعزال ورفض قيم التعايش المجتمعي.
ويحذّر الإسلام بوضوح من هذا الانحراف، لأن التشدد يؤدي إلى الفرقة والفوضى، كما في الحديث: "إن الدين يُسر، ولن يُشاد الدين أحد إلا غلبه". وهذا بيان جليّ أن التطرف ليس من جوهر الدين ولا من مقاصده، بل هو انحراف يؤذي صاحبه. وتكمن المأساة في أن الشباب الذين يبحثون عن الكرامة والاعتراف عبر التشدد، يبتعدون في الواقع عن الدين الحقيقي السمح الذي جاء به النبي محمد ﷺ، ليسقطوا في هوّة انحرافٍ عن روح الإسلام السمحة.
يرافق التشدد عادةً انتهاك صريح لروح الرفق والمرونة، التي تُعد أساسًا للعيش المشترك. فالتدين الوسطي المعتدل يمثل عامل استقرار وجسرًا للتكامل الاجتماعي، بينما يشكل التطرف تهديدًا مباشرًا لنسيج التعايش المجتمعي. ويؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن التجارب الواقعية في فرنسا والدول المتقدمة تثبت أن الشاب المسلم المتدين يمكن أن يكون مواطنًا مندمجًا وإيجابيًّا، ما دامت ممارساته تحترم القانون وتقدّس قيم المواطنة الحقيقية.
غير أن جذور التطرف لا تعود إلى الدين بحد ذاته، بل إلى خليط معقد من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مثل التهميش المزمن والتمييز المنهجي والجمود السياسي، مصحوبة بخطاب ديني مشوه يُستغل لأغراض أيديولوجية. وتعمل هذه العوامل مجتمعة على إنتاج الظاهرة التي نلاحظها. ومن ثم فإن الحل الجذري لا يكمن في مهاجمة الدين نفسه، بل في مقاومة التشدد من خلال تعزيز فهم ديني وسطي، وتبني سياسات إدماج مجتمعي فعّالة، وإعادة توجيه الدين ليكون عامل بناء واستقرار بدلًا من كونه أداة انقسام. ولن ينجح هذا المسعى إلا بتعزيز قيم الوسطية والتسامح، والالتزام بحكم القانون، مع ضمان الحق الكامل للأفراد في ممارسة معتقداتهم بحرية، في نطاق احترام القيم المجتمعية المشتركة.
فالحل يكمن في اعتماد مقاربة شاملة تُعيد تأسيس العقد الاجتماعي الفرنسي على قواعد العدالة والمساواة الفعلية، وتوازن بين حرية الممارسة الدينية والمبادئ الجمهورية الأساسية. ويتطلب ذلك إصلاحًا تعليميًا جوهريًا يعزز دور المدرسة كرافعة حقيقية للاندماج، ويقدم تاريخ الأديان والتنوع الثقافي بموضوعية لتشجيع التعايش بدلًا من التخويف. كما تُعد السياسات الاقتصادية والاجتماعية الفعالة لمعالجة البطالة والتهميش في المناطق المتنوعة ضرورة مُلحة، لأن تحقيق العدالة الاجتماعية هو الضمانة الحقيقية للحد من الانعزال والانكفاء الهوياتي.
واجه هذه التحديات، يصبح إعادة النظر في علاقة الدولة بالمجتمع -خاصة فيما يخص الهوية والدين- أمرًا ضروريًّا. فلابد من إنشاء منصات مؤسسية فاعلة للحوار المجتمعي والديني، تجمع بين الدولة والقادة الدينيين المعتدلين والمجتمع المدني، لصياغة خطاب جامع يتجاوز الثنائية الصلبة بين العلمانية والدين، ويتبنى نموذجًا تفاعليًّا يحمي الحريات الدينية من الاستغلال السياسي. إن قدرة فرنسا على تطوير نموذجها الجمهوري في القرن الحادي والعشرين مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بقدرتها على استيعاب التنوع الديني والثقافي، وصياغة توازن دقيق يحمي الوحدة الوطنية مع احترام الاختلاف الإنساني بكل تجلياته.
وعلى صعيد الإعلام والسياسة، تقع على المؤسسات مسؤولية كبيرة في توجيه الخطاب العام نحو الواقعية، بتجاوز الثنائيات المبسطة التي تصور الشباب المسلم بين طرفي الاندماج الكامل والتطرف المطلق. فهذه النظرة القطبية تُغفل تعقيد الواقع وتعيق النقاش الموضوعي القائم على فهم أعمق. وعلى وسائل الإعلام أن تتجنب خطاب التخويف والإثارة، وتلتزم بسرد عادل يعكس مساهمات المسلمين الحقيقية والمتنوعة في المجتمع الفرنسي عبر الثقافة والعلوم والاقتصاد، مع إدراك أن الاعتراف الرمزي والاجتماعي لا يقل أهمية عن الإصلاحات المادية في تعزيز الشعور بالانتماء والاندماج الحقيقي.
كما يجب دعم مؤسسات الخطاب الديني المعتدل بشكل متواصل وفعَّال، وتزويدها بالموارد اللازمة لتطوير خطاب ديني معاصر يتناسب مع السياق الفرنسي، ويعرض الإسلام كقوة إيجابية وفاعلة في المجتمع، لا ككيان منعزل أو معادٍ؛ إذ أثبتت دراسات وتجارب أوروبية عديدة أن سياسات استبعاد الدين من المجال العام تؤدي إلى نتائج عكسية، حيث تخلق فراغًا تستغله التيارات المتطرفة لاجتذاب الشباب الباحث عن هوية واضحة.
كما يجب الإقرار بأن أسباب ازدياد التدين بين الشباب المسلم في فرنسا متشعبة، فهي مزيج من البحث الروحي والسعي للاعتراف الاجتماعي والحقوقي المفقود، في ظل عجز نماذج الاندماج التقليدية عن مواكبة التحولات المجتمعية السريعة. وتكشف هذه الأزمة عن هشاشة في الموازنة بين الوحدة الوطنية وتنوع الهويات، مما يفرض ضرورة تطوير مفهوم المواطنة والعقد الاجتماعي ليكون أكثر إنصافًا وشمولًا، وقادرًا على احتضان التنوع بدلًا من كبته أو تجميده.
ولذلك، ويؤكد مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن قدرة فرنسا على تحقيق تعايش حقيقي بين الإسلام وقيمها مرهونة بمدى جديّة انخراط مؤسساتها ونخبها في مشروع إصلاحي شامل، يقوم على المساواة والحوار المؤسسي، لا على الحلول المؤقتة أو السطحية؛ فالشباب المسلم -الذي صُوِّر في بعض الخطابات كتهديد للنموذج الجمهوري- هو في الحقيقة مرآة تعكس الأزمات البنيوية للمجتمع الفرنسي، وتظهر الحاجة الملحة للمراجعة الذاتية والإصلاح الجاد. ولا يعد الاعتراف بهم كشركاء فاعلين في بناء المواطنة مسألة أخلاقية فحسب، بل هو السبيل الوحيد لحل الأزمة الحالية وبناء سلام مجتمعي دائم.
وفي الختام، لا تمثل معركة الهوية في فرنسا خلافًا عابرًا حول الدين أو الثقافة، بل هي صراع جوهري حول مفهوم الوطن والانتماء ذاته. ورهانها الحقيقي هو قدرة المجتمع على التكيّف والتجدّد في ظل تعقيداته وتغيّراته السريعة. لذا، فإن المستقبل يفرض بناء مواطنة حقيقية شاملة، تجمع كل المواطنين في فضاء الكرامة والمساواة الفعلية، وتترجم القيم الجمهورية من الشعارات إلى ممارسة ملموسة؛ فهذا الإطار الجامع هو وحده الكفيل بحفظ النموذج الفرنسي وتجدده في عصر تعدد الهويات، ليصبح المجتمع نهرًا حيًّا تلتقي فيه روافد التنوع كلها، دون أن يُطمَس لأحد أثر أو يُغيَّب صوت.
وحدة الرصد باللغة الفرنسية
[1] IFOP, État des lieux du rapport à l’islam et à l’islamisme des musulmans de France, rapport pour Écran de veille, novembre 2025.
[2] Cf. Charles Mercier et Philippe Portier« Les nouvelles générations musulmanes intensifient leur rapport à leur religion, mais cette dynamique s’observe aussi dans le catholicisme et le judaïsme », le monde, le 28 novembre 2025
[3] Cf. Ibid.
[4] Le Monde avec AFP, "Les actes antimusulmans en hausse de 75 % et les actes antisémites à un niveau toujours « très élevé » en début d’année 2025, selon le ministère de l’intérieur", Publié le 03 juillet 2025