18 يناير, 2026

"سلسلة الوعي (1)" مصر وإيجبت.. فكاهة قد تؤدي إلى فُرقة

"سلسلة الوعي (1)"  مصر وإيجبت.. فكاهة قد تؤدي إلى فُرقة

      "خفة الظل" هي عنوانٌ للشعب المصري، الذي يلجأ دائمًا لمداواة عثراته بالفكاهة والسخرية، وكذلك للتعبير عن رأيه، أو للتنفيس عن حزنه، أو حتى من أجل الفكاهة نفسها.. شعب قادر على تحويل الألم إلى أمل، والحزن إلى فرح وسعادة، والأجواء الملبدة بالغيوم لأجواء محملة بالآمال والتفاؤل وحسن الظن بالله.

ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي وتحول العالم لقرية صغيرة، ومع كون الثقافة المصرية بكل روافدها أحد أبرز قواها الناعمة، انتشرت هذه الروح المرحة عبر تلك الوسائل الحديثة، وأثرت في الكثير من الشعوب المحيطة؛ لدرجة أن بعضهم يوجد خصيصًا في الصفحات المصرية للاستمتاع بهذه الروح. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل إن بعض الصفحات غير المصرية بدأت تحول النكتة والفكاهة المصرية في مواقف بعينها من اللهجة المصرية للهجاتهم العربية الأخرى.

ومن العبارات الفكاهية الشهيرة والمنتشرة مؤخرًا بين الشباب وفي الأوساط المصرية وغير المصرية عبارة "دي إيجيبت مش مصر"، والتي تتداول في مصر وخارجها كنوع من الفكاهة بين الشباب؛ للتعبير عن الفروقات بين "مِصْرَيْن"، الأولى هي مصر الشعبية والثانية الارستقراطية.

ورغم أن الأمر منحصر حتى هذه اللحظة في نطاق الفكاهة وخفة الدم، واستعراض الفروقات بين أنماط الحياة المختلفة داخل مصر، عن طريق ريلز وفيديوهات حية لمشاهير شباب على وسائل التواصل الاجتماعي، لكن يبقى هناك تساؤل وتخوف مشروع: "هل العبارة تعد تعبيرًا فعليًّا على وجود مصريْن مختلفتيْن عن بعضهما البعض؟" و"هل من الممكن أن يتطور الأمر لينتقل من نطاق الفكاهة إلى نطاق الطبقية أو الحقد بين أبناء البلد الواحد؟!".

مع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي وكونها مُتاحة للجميع، تابعت وحدة البحوث والدراسات خلال الفترة السابقة ما ينشر من محتوى سواء مقروء ومرئي له علاقة بتلك العبارة، ورغم أن الكثير من المحتوى المنشور والخاص بها أو ما يترتب عليه من تعليقات وردود فعل لا يخرج عن الفكاهة والتندر وخفة الدم، لكن بعض التعليقات والمنشورات دفعتنا نحو دق ناقوس الخطر من احتمالية تحول الأمر فيما بعد لنوع من الإحساس بالمظلومية أو الاستعلاء أو غيرها من المشاعر السلبية التي قد تتحول فيما بعد لتفرقة وطبقية وعنف.

حيث قام صاحب أحد المنشورات بتصوير فتاة لا ترتدي الحجاب، ولا يعجبه مظهرها، واعتبر أنه بوصفه رجلًا سيجبر في يوم ما على حماية "هذه الأشكال" القادمة من إيجبت – حسب وصفه – لتأتي بعض التعليقات كالتالي: "أشكال ماتعرفش ربنا ولا بتخاف منه"، "حرامية وواكلين مال الشعب"، "تجار أعضاء"، و "الإسلام محتاج يدخل مصر من أول وجديد". وغيرها من التعليقات التي تسببت في وجود ردود معاكسة من نوعية "فلاحين"، و"فقرا وجعانين"، و"كفاية حقد وغيرة"، "ناس بتكمل عشاها حقد"، وغيرها.

تعليقات وتعليقات مضادة بمثابة الشحن غير المرئي لمشاعر قد تتراكم وتتحول لقنبلة موقوتة قد تنفجر في وجوهنا جميعًا، خاصة في ظل عالم وسماوات مفتوحة بات الكل يستعرض فيها حياته المرفهة أو حتى يشحذ من خلالها استعطاف الآخرين في مقابل حفنة من الجنيهات، في حالة غياب تام للوعي لدى أكثرهم، ودون الأخذ في الاعتبار الأمن القومي للبلاد.. قنبلة بدأت بفكاهة وتندر رسخ وأسس لمبدأ التفرقة والطبقية، وكأن مصر بين ليلة وضحاها اكتشف أهلها أنها عبارة عن مجتمعيْن مختلفيْن عن بعضهما بعضًا وغير متكاملين... وهو الأمر الذي يخالف الواقع والمنطق.

والحقيقة أن مصر دائما ما كانت دولة موحدة خارجيًّا وكتلة واحدة داخليًّا.. ورغم تنوع ثقافاتها وبيئاتها وطبقاتها لكنها كانت وما زالت وستظل مكملة لبعضها البعض... فسيفساء تظلل بتكاملها سماء مصر صاحبة التاريخ والحضارة والشعب الذي طالما قهر أعداءه وانتصر عليهم، فلماذا إذًا نترك كل هذا التكامل في مهب الريح، وفي ظل تقدم التكنولوجي يسمح للجميع بالتعبير عن رأيه عن طريق حسابات بعضها وهمي يستخدمها أصحابها لبث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد؟! أو تتسبب على المدى البعيد في زرع الفتن لخدمة أجندات طالما حاولت تفكيك اللحمة الوطنية؟!

إن الوعي هنا هو العامل الأساسي الواقي من أية خطورة قد تنتج عن الفكاهة غير محسوبة العواقب.. نعم الفكاهة مطلوبة وضرورية وتعد بمثابة المتنفس لأصحابها ومجتمعاتها، لكنها في غير محلها قد تتسبب في تغذية مشاعر سلبية والتأصيل لفجوة ففُرْقة فعنف... أي إنها سلاح ذو حدين. والوعي هنا وعي الجمعي... وعي غالبية المجتمع والذي قد لا يكون مشاركًا في هذه النكات (المتلقي)، لكن طريقة تلقيه الواعية لها يدعم الحماية والوقاية... أيضًا هو وعي صانعي المحتوى بأهمية الكلمة وخطورتها حتى ولو كانت على سبيل المزاح، ووعيهم تجاه المحتوى المقدم من قبلهم لرواد وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة وأن الغالبية منهم تسعى لتحقيق أعلى المشاهدات عن طريق التريندات، التي يضرب بعضها بالقيم والمبادئ الدينية والإنسانية والمجتمعية عرض الحائط، لا لشيء سوى لتحقيق المكاسب السريعة حتى ولو كانت على حساب الأمن القومي.

لقد أصبحت الحاجة ماسة للتأسيس لمشروع قومي توعوي هدفه الأساسي هو حماية الوعي لدى جموع الشعب المصري تجاه المخاطر التي تحيط بهم على الأصعدة كافة وعلى كل المستويات؛ مشروع يعيد المصري لهويته وثقافته ويرد له وعيه الذي لم يغيب ولكنه ربما يكون تعثر في معترك الحياة.

ختامًا:

"أتعرف ما معنى الكلمة؟

مفتاح الجنة في كلمة

ودخول النار على كلمة

وقضاء الله هو الكلمة

الكلمة لو تدري حرمة..

زاد مذخور

الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور

بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري

الكلمة فرقان ما بين نبي وبغي..

بالكلمة تنكشف الغمة..

الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة

(الشاعر والأديب المصري: عبد الرحمن الشرقاوي)

قراءة (478)/تعليقات (0)