19 يناير, 2026

من حصاد 2025: التطرف الرقمي وإستراتيجيات المواجهة (رؤية تحليلية)

من حصاد 2025: التطرف الرقمي وإستراتيجيات المواجهة (رؤية تحليلية)

     يُعد "الاستقطاب" الركيزة الأساسية التي تعتمد عليها التنظيمات المتطرفة بمختلف أيديولوجياتها لضمان استمراريتها وتمددها، وهي عملية معقدة تهدف إلى عزل الفرد عن سياقه المجتمعي والفكري المعتدل، وإعادة صياغة هويته بما يتوافق مع أهداف التنظيم، وقد لاحظ مرصد الأزهر لمكافحة التطرف تحولًا جوهريًّا في إستراتيجيات الاستقطاب؛ حيث لم تعد التنظيمات المتطرفة تقتصر على "الاستقطاب المباشر" عبر حلقات الدروس أو اللقاءات الشخصية، بل انتقلت إلى الاستقطاب غير المباشر الذي يستهدف العاطفة قبل العقل، ويستغل الأزمات النفسية والاجتماعية للشباب، ومن ثم تعتمد هذه التنظيمات على عدد من الإستراتيجيات، ومن أبرزها: خطاب المظلومية، حيث تركز التنظيمات المتطرفة على الأزمات مثل: جراح الأمة ومعاناة المستضعفين لاسيما في ظل جرائم الاحتلال الصهيوني المستمرة، لتقوم بتوظيف المشاعر الصادقة الناتجة عن تلك الأزمات في مسارات منحرفة تخدم أجندات العنف. والمتأمل في أدبيات تلك التنظيمات المتطرفة يجد أنها  تستغل الهجمات على المساجد أو الحملات الإعلامية المضللة ضد المسلمين في الغرب لإثارة الشعور بالاغتراب لدى الشباب المسلم، وقد قام مرصد الأزهر لمكافحة التطرف برصد حالات تخريب ضد مؤسسات إسلامية في بعض المدن كما حدث في "هانوفر"؛ الأمر الذي اتخذه المتطرفون ذريعة لإقناع الشباب بحتمية الصدام بسبب رفض المجتمع لهم، وهنا يعتمد المتطرفون على إستراتيجية العزلة الشعورية، حيث يسعون من خلالها إلى  إقناع الشخص المستهدف بأنه غريب في مجتمعه، وأن النجاة لا تكون إلا بالانضمام إلى الفرقة الناجية أو إلى المقاومة العنيفة لتغيير هذا الواقع.
وفي العصر الرقمي وعلى مدار سنوات عديدة، تطورت هذه الإستراتيجيات لتشمل الإغراق المعلوماتي وتزييف الحقائق عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي، مما يخلق بيئة موازية يسهل فيها صيد العقول الشابة وتوجيهها نحو التطرف، وبناءً عليه فإن مواجهة الإسلاموفوبيا وتفنيد خطابات الكراهية يقطعان الطريق أمام التنظيمات المتطرفة التي تتغذى على مثل هذه الأزمات لبناء روايتهم المضللة.
وقد كشف عام 2025 عن تطور جديد في إستراتيجيات التجنيد التي تقوم بها التنظيمات المتطرفة، حيث انتقلت من الخطاب التقليدي إلى تقديم التطرف بوصفه نمط حياة جذاب للشباب عبر منصات: "تيك توك" و"إنستغرام"، وتستخدم هذه التنظيمات مؤثرين من الشباب، بينهم نساء، لتطبيع الفكر المتطرف تدريجيًّا دون إثارة الاشتباه، وهذا التطور يؤكد أن التطرف بات ظاهرة عابرة للتيارات والأيديولوجيات، وأن مواجهته يجب أن تبدأ من تعزيز الوعي الرقمي والنفسي لدى الشباب؛ فالتنظيمات المتطرفة باتت تستخدم القوى الناعمة، مما يفرض ضرورة تطوير خطاب ديني وفكري موازٍ يتسم بالمرونة والقدرة على النفاذ لعقول النشء لتحصينهم من الانزلاق خلف دعاية زائفة تجمل العنف وتصوره بطولةً زائفة.
كما تبرر أيضًا على الساحة الرقمية خلال عام 2025 إستراتيجية خطيرة تعتمد على منصات الألعاب الإلكترونية كأداة للتطرف؛ حيث حذَّرت دراسة صادرة عن المعهد الدولي لأبحاث الشرطة والحماية العامة (IPPPRI) من أن هذه المنصات أصبحت ساحة لانتشار الأيديولوجيات المتطرفة، وعلى رأسها الفكر اليميني المتطرف، وأشارت الدراسة المنشورة في مجلة  (Frontiers in Psychology)  إلى أن التنظيمات المتشددة تستغل خاصيتي المحادثة والبث المباشر للتسلل بين المستخدمين ونشر محتوى يدعو إلى التمييز العنصري وتفوق العرق الأبيض، ويبرز مظاهر النازية الجديدة، وكراهية النساء، ونظريات المؤامرة، وعلى الرغم من أن هذا المحتوى ينتهك شروط المنصات، فإنه لا يزال دون رقابة كافية، مما يسهل عملية التجنيد في بيئات تجمع غرباء يشتركون في الاهتمامات نفسها.
وتؤكد هذه الظاهرة -من وجهة نظر المرصد- استمرار التنظيمات المتشددة في تطوير إستراتيجياتها للوصول للفئات الأصغر سنًّا في بيئات ترفيهية، وأن مواجهة هذا التحدي تتطلب تزويد الآباء والمعلمين بالأدوات المعرفية لاكتشاف المؤشرات المبكرة، وتعزيز الإبلاغ الفوري عن أي محتوى يحرض على الكراهية، مع تحميل المنصات المسؤولية الأخلاقية والقانونية في حماية القاصرين.
وفي السياق الرقمي ذاته، حذَّرت وكالة الشرطة الأوروبية "يوروبول" عام 2025 من تصاعد محاولات استدراج الأطفال عبر الإنترنت باستغلال نقاط ضعفهم النفسية، وقد رصدت فرق التحقيق أكثر من 2000 رابط لمحتوى دعائي يحرض على العنف مصمم خصيصًا لاستهداف القُصَّر باستخدام الذكاء الاصطناعي، وأوضحت كاثرين دي بول، المديرة التنفيذية ليوروبول، أن الأخطر هو استخدام "روايات الضحية" عبر عرض صور أطفال قتلى في مناطق النزاع لإثارة التعاطف العاطفي وتحفيزه نحو الانتقام والعنف؛ مما يمثل قمة الانتهاك الأخلاقي لتحقيق مكاسب أيديولوجية، ولكننا نؤكد أيضًا على أن حماية الأطفال في مناطق النزاعات والحروب هو واجب وضرورة؛ لأننا بهذا نقطع المدخل الأساسي لاستغلال هذه الرواية ونضمن حق الأطفال في بيئة آمنة بعيدة عن التطرف.
ولم يتوقف التحريض عند الحدود الفكرية؛ فقد كشفت محادثات إلكترونية عبر منصات ألعاب شهيرة في 2025 عن خطط لقاصرين لتنفيذ هجمات مسلحة على بعض المدارس، ووفقًا لمشروع (GEMS)  الأوروبي، فقد تم رصد حالات تجنيد في سن الـ 12 عامًا، حيث أسهمت الألعاب في كسر الحواجز النفسية تجاه العنف عبر تطبيع مشاهد القتل وشيطنة فئات مجتمعية مثل المسلمين أو الأجانب وتصويرهم أعداءً، وفي مواجهة ذلك، برزت أدوات حديثة مثل "Watchtower" التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي لرصد المؤشرات المبكرة للنشاط المتطرف داخل الألعاب.
إن ما رصده مرصد الأزهر خلال عام 2025 من تحولات رقمية في إستراتيجيات التنظيمات المتطرفة يضعنا أمام مسؤولية تاريخية تتجاوز مجرد الرصد إلى ضرورة صياغة إستراتيجية وقائية، حيث إن تفعيل الرقابة التربوية الواعية من قِبل الأهل والمؤسسات التعليمية لم يعد خيارًا ثانويًّا، بل صار ضرورة حتمية لحماية النشء من الوقوع في براثن التجنيد الرقمي، كما أن تطبيع مشاهد العنف وشيطنة الآخر داخل منصات الألعاب والترفيه يمثل جريمة فكرية تسعى لتزييف وعي النشء وزرع بذور الإقصاء في داخله، وهو ما يستوجب التزامًا مؤسسيًّا ومجتمعيًّا كاملًا بمتابعة هذه الظواهر وتطوير أدوات مواجهتها؛ عبر نشر الوعي الديني الصحيح وتعزيز قيم المواطنة العالمية، خاصة في ظل استغلال التيارات المتطرفة للقضايا العادلة لتمرير أجندات العنف وتفكيك السلم المجتمعي، مما يجعل من معركة الوعي الرقمي حائط الصد الأول والضمانة الحقيقية لاستقرار المجتمعات وحفظ أمن الإنسانية جمعاء، ومع التأكيد على محورية الوعي الرقمي، فإنه لا يمكن إغفال الفجوة بين التحصين الفكري والواقع المادي الذي يعيشه بعض الشباب؛ إذ إن الفراغ والتهميش الاجتماعي يمثلان المادة الخام التي تشكل بيئة خصبة لنجاح عمليات الاستقطاب الرقمي، مما يفرض ضرورة تبني مقاربة شاملة تدمج بين التحصين الفكري والتمكين الاجتماعي والاقتصادي للشباب، لضمان عدم تحول الإحباط الواقعي إلى عجلة دفع للشباب نحو التطرف الافتراضي، وبذلك نغلق جميع الثغرات التي يتسلل منها المتطرفون، ونحول طاقات الشباب نحو البناء بدلًا من الانزلاق في مسارات العنف، كما يؤكد المرصد  أن مواجهة هذا الطوفان المتطرف لا تتوقف عند حدود التفنيد فحسب، بل تمتد لتشمل ضرورة بناء منهج رقمي بديل يرتكز على إنتاج محتوى قيمي تفاعلي يخاطب عقول الشباب بلغتهم وأدواتهم المعاصرة، ويناشد الشركات الخاصة بإنتاج المحتويات الرقمية على العمل على تحويل القيم الوسطية إلى تجارب رقمية جذابة وألعاب إلكترونية هادفة تنافس محتويات الترفيه الرقمي، مما يسهم في سحب البساط من تحت أقدام التنظيمات المتطرفة التي استثمرت في الفراغ الرقمي طويلًا، وذلك عبر تقديم نماذج واقعية للبطولة الحقيقية، في مواجهة الرواية المضادة للبطولة الزائفة التي تروج لها آلة القتل والتدمير.
وحدة الرصد باللغة الألمانية

قراءة (291)/تعليقات (0)