لم يعد الثاني من يناير، تاريخ سقوط غرناطة سنة 1492م، مجرد محطة تاريخية جامدة في الوعي الإسباني المعاصر، بل أضحى مناسبة خلافية تكشف عمق الصراع حول الذاكرة والهوية. فبينما تصر تيارات قومية محافظة على الاحتفال به باعتباره «استردادًا» وانتصارًا حضاريًّا، يرفض قطاع متزايد من الإسبان هذه الاحتفالات، لا إنكارًا للتاريخ، بل اعتراضًا على توظيفه الإقصائي، ودفاعًا عن قيم التعايش والاحترام المتبادل، لا سيما تجاه المسلمين الذين يشكّلون اليوم جزءًا أصيلًا من المجتمع الإسباني؛ فالمسلم الآن لم يعد يمثل ذلك الوجود الهامشي، الذي يُغض عنه الطرف، بل أمسى يمثل قوة متنامية من الإسبان المنصفين للحضارة الإسلامية، والإسبان المسلمين، والجالية الإسلامية.
وقد بلغ عدد المسلمين في إسبانيا ما يقرب من مليوني ونصف مسلم. لذلك، أصبح من المنطقي هذا الرفض، الذي يفتح الباب أمام تفكيك أطروحة شائعة مفادها أن «استيعاب الإسلام في إسبانيا كان مستحيلًا»، وهي أطروحة لا تصمد أمام قراءة تاريخية نقدية، ولا أمام واقع اجتماعي معاصر يُكذّبها عمليًّا. فمن الخطأ أن نقرأ التاريخ بعيون الحاضر، لا سيما وأن هناك قراءات أخرى للمشهد ونظريات منطقية تثبت هشاشة نظرية "الاسترداد".
أولًا: إسبانيا لم تكن موجودة إبان الفتح الإسلامي
تُعدّ أولى المغالطات المفهومية في خطاب «حروب الاسترداد» إسقاط مفهوم الدولة القومية الحديثة، بحدودها الصلبة وهويتها الأحادية، على سياق تاريخي لم يكن يعرف هذا النموذج أصلًا. فإسبانيا، بصورتها السياسية والرمزية المعاصرة، لم تكن قائمة زمن الفتح الإسلامي في القرن الثامن الميلادي، بل كانت شبه الجزيرة الإيبيرية فضاءً مجزّئًا تتقاسمه ممالك وقوى متنازعة، بعضها قوطي وبعضها استمرار للنفوذ الروماني، دون كيان موحّد يمكن الادعاء بأنه «استُرد» لاحقًا.
بل إن الحديث عن «كيان مسلوب» قبل الإسلام يتجاهل واقعًا تاريخيًّا أكثر تعقيدًا؛ إذ إن الإيبيريين أنفسهم كانوا قبل الفتح الإسلامي خاضعين لصراعات متتالية بين الاحتلال الروماني ثم القوطي، ذاق على إثره السكان المحليون في ظل هذه التحولات ألوانًا من القهر والاستغلال بغض النظر عن دينهم وانتماءاتهم. لذلك، فإن افتراض وجود «أرض أصلية» ذات سيادة مستقرة سُلبت فجأة على يد المسلمين ليس سوى بناء سردي لاحق، صيغ لتسويغ مشروع سياسي ديني ظهر بعد قرون من الأحداث نفسها. فالمسلمون والمسيحيون واليهود كانوا يعيشون جنبًا إلى جنب في المدن نفسها؛ فمدينة طليطلة مثلًا كانت ولا تزال تسمى مدينة الثقافات الثلاث.
كما ظهر بعد الفتح الإسلامي مصطلح "مستعرَب" أي: الإسباني الذي يعيش داخل الأراضي التي يحكمها المسلمون؛ يتحدث معهم اللغة العربية، ويمارس دينه بكل حرية. ولم يكن المستعرَبون نفرًا قليلًا، بل كانوا عددًا معتبرًا يعبر عن ظاهرة راسخة لدى الإيبيريين وقتها بأن المسلمين لم يكونوا غزاة، بل إن غير المسلمين كانوا يتبؤون مناصب في الدولة.
ومن أبرز الأمثلة التاريخية موسى بن ميمون، وحسداي بن شبروط اليهودي، وربيع بن زيد القرطبي (Recemundus)، وغيرهم الكثير، ما يعكس مدى اعتماد الدولة الإسلامية في الأندلس على كفاءات مسيحية ويهودية في مواضع قيادية. فإذا كان المسلمون غزاة لماذا لم يهاجر المستعربون إلى الممالك المسيحية بل فضلوا العيش في كنف المسلمين؟
ويزداد هذا الطرح إشكالًا حين يُستدعى مفهوم «الاسترداد» بوصفه توصيفًا محايدًا، في حين أنه يحمل حمولة أيديولوجية واضحة. فالاسترداد، لغويًّا وتاريخيًّا، لا يكون إلا لما أُخذ من صاحبه الشرعي في سياق زمني قريب ومحدد. أما حين تتغير البنى السياسية والسكانية والثقافية عبر قرون طويلة، وتُعاد صياغة الأرض والناس والعمران واللغة، فإن الحديث عن «السلب» يصبح توصيفًا اعتباطيًّا، لا يستند إلى منطق التاريخ بقدر ما يستند إلى حاجة الهوية اللاحقة إلى تأسيس شرعيتها الرمزية.
إن هذا الاستخدام السياسي للتاريخ يحوّل الماضي إلى أداة إقصاء، ويُفرغ التحليل التاريخي من دقته العلمية. فالصراعات التي شهدتها شبه الجزيرة الإيبيرية لم تكن مواجهة بين «أمة ثابتة» و«غزاة طارئين»، بل سلسلة من التحولات المعقّدة التي شاركت فيها شعوب وثقافات متعددة، وأسهمت مجتمعة في تشكيل الواقع الذي ستُسمّى لاحقًا «إسبانيا». ومن ثم، فإن وصف تلك القرون بـ«حروب الاسترداد» ليس قراءة للتاريخ، بل إعادة صياغة له بمنطق لاحق، يُسقِط الحاضر على الماضي، ويُحمّل الوقائع ما لم تكن تحتمله. فلنا أن نتخيل أن إسبانيا الحالية ما هي إلا تمازج بين الأجناس البشرية المختلفة، من عرب وبربر وإيبيريين، انصهرت جميعها في عنصر واحد، وهو العنصر الأندلسي.
ثانيًا: عمران لم يكن موجودًا قبل الإسلام
يزداد هذا الطرح هشاشة حين نُخضعه لمنطق العمران والتاريخ الحضري، لا لمنطق الشعارات السياسية. فالحضور الإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية لم يكن مجرّد مرحلة عسكرية عابرة يمكن اختزالها في ثنائية الفتح والاسترداد، بل كان مشروعًا حضاريًّا متكاملًا أعاد تشكيل الجغرافيا البشرية والعمرانية للمنطقة. لقد دخل المسلمون أرضًا كانت تعاني التفكك السياسي والركود الاقتصادي، فحوّلوها عبر قرون إلى فضاء عمراني نابض، قامت فيه مدن جديدة، وتحوّلت فيه تجمعات هامشية إلى حواضر كبرى.
إذن فإن المدن ليست مجرد أبنية، بل كائنات تاريخية تولد وتنمو وتتشكل داخل بيئة ثقافية واقتصادية محددة. وكثير من المدن الإسبانية التي صارت لاحقًا رموزًا للهوية الوطنية لم تكن قائمة قبل الإسلام، أو كانت مجرد قرى محدودة الأثر، قبل أن يعاد بناؤها وتخطيطها وفق نموذج حضري جديد: شوارع وأسواق وحمَّامات ومساجد، وأنظمة مياه دقيقة، جعلت من العمران الأندلسي أحد أكثر النماذج تقدمًا في أوروبا الوسيطة. كما أن الزراعة نفسها شهدت ثورة حقيقية بفضل إدخال تقنيات الري، وتنويع المحاصيل، وربط المدينة بالريف في منظومة إنتاج متكاملة.
وفي ضوء هذا الواقع، يصبح الحديث عن «الاسترداد» إشكاليًّا من حيث المبدأ؛ إذ كيف يُسترد ما لم يكن موجودًا أصلًا؟ وكيف يُنظر إلى إخراج سكانٍ عمَّروا الأرض وأسسوا مدنها بوصفه عودةً إلى «أصلٍ مفقود»، بينما الأصل التاريخي ذاته تشكَّل في ظل هذا الحضور؟ إن هذا التوصيف لا يعكس قراءة علمية للتاريخ، بل تعبيرًا عن رغبة لاحقة في نزع الشرعية عن مرحلة كاملة من البناء الحضاري. إن هذا الاندماج لم يعد مجرد اندماج ثقافي أو اجتماعي، بل أصبح انصهارًا حتى مع طين الأرض وجدران البيوت.
كما أن اختزال الوجود الإسلامي في كونه احتلالًا طارئًا يتجاهل أن العمران لا يُفرض بالسيف وحده، بل يُنتج عبر الاستقرار والتفاعل والامتداد الزمني. وما كان للأندلس أن تصير ما كانت عليه لولا هذا الجذر الحضاري العميق. ومن ثمّ، فإن إنكار هذا البعد ليس تبسيطًا للتاريخ فحسب، بل تفريغ له من معناه الإنساني، وتحويله إلى أداة أيديولوجية بدل أن يكون مجالًا للفهم والتعلم.
وإذا كان البعض يحتفل بسقوط غرناطة بوصفه نهاية «عنصر دخيل»، فإن الحقيقة التاريخية تُثبت أن ما يُسمَّى اليوم بالحضارة الأندلسية لم يكن نتاج عنصر واحد، ولا ثمرة ثقافة صافية، بل هو –كما ذكرنا آنفًا- نتيجة تمازج عميق بين عناصر إنسانية وثقافية متعددة: عرب وبربر، وإيبيريون وقوط، ويهود ومسيحيون ومسلمون. وقد أفرز هذا التمازج «العنصر الأندلسي» المميَّز، الذي أنشأ حضارةً ما زالت إسبانيا تفاخر بها حتى اليوم في العمارة واللغة والموسيقى والزراعة والعلوم ونظم العيش. ومن المفارقة أن يُحتفى بهذه المنجزات عالميًّا، بينما يُحتفل في الوقت نفسه بإقصاء أحد مكوناتها الأساسية.
بعد هذا كله، فإن القول باستحالة استيعاب الإسلام يفترض ضمنًا أن ما جرى بعد سقوط غرناطة كان محاولة إدماج حقيقية، بينما الواقع التاريخي يكشف عن سياسات متقلبة، قام كثير منها على الإكراه، ونقض العهود، ومصادرة اللغة واللباس والعادات.
والاندماج -بطبيعته- لا يُفرض، ولا يُقاس تحت التهديد، ولا يُختبر في ظل الخوف، وما محاكم التفتيش منا ببعيد، بل إنها ألغيت فعليًّا في أواخر القرن التاسع عشر. فكيف يُطلب من جماعة أُجبرت على التخلي عن لغتها وثقافتها ودينها، أن «تندمج بصدق»، ثم يُتّخذ رفضها أو مقاومتها دليلًا على «استحالة» اندماجها؟ إن هذا منطق دائري يُدين الضحية ويبرّئ الجاني.
من هنا، يكتسب موقف الإسبان الرافضين للاحتفال بسقوط غرناطة دلالة خاصة. فهم لا ينكرون التاريخ، بل يرفضون تزييفه وتحويله إلى أداة إقصاء، ويؤكدون أن الذاكرة الجماعية ينبغي أن تكون مساحة للاعتراف والتعلّم والمشاركة والتعايش، لا منصة للتفاخر بالإلغاء. ويعكس هذا الموقف وعيًا متقدمًا بأن المجتمعات الحديثة لا تُبنى على نقاء متخيّل، بل على قبول التعدد، والاعتراف بالمساهمات المتبادلة.
ومن هذا كله نخلص إلى أن تفكيك أسطورة «الاسترداد» لا يعني إعادة كتابة التاريخ بدوافع أيديولوجية مضادة، بل تحريره من الأحكام المسبقة. فإسبانيا لم تُسترد من يد أحد، بل تشكّلت عبر قرون من التفاعل والتمازج. والحضارة التي تفاخر بها اليوم هي ثمرة هذا التلاقي الإنساني والتآلف المجتمعي الخصب، لا نتيجة إقصائه. ومن ثم، فإن الاحتفال بسقوط غرناطة لا يكون إلا إنكارًا لجزء من الذات. بينما الاعتراف بهذا الإرث المتعدد هو الخطوة الأولى نحو تعايش حقيقي، وتعددية حقيقية، واحترام حقيقي يليق بتاريخٍ صنعه الجميع.
وحدة رصد اللغة الإسبانية
المراجع
1. José María Carrera, Hurtado, "La asimilación del Islam, un imposible que buscó Isabel la Católica desde un 6 de enero en Granada", disponible en: https://www.religionenlibertad.com/historia/260106/evangelizacion-moriscos-isabel-catolica-expulsion_115859.html
2. Luis Suárez Fernández, Judíos españoles en la Edad Media, RIALP, S. A., Madrid, 1980, pág. 36.
3. José Alberto Cepas Palanca, «Égica, el antepenúltimo Rey Godo», en Revista de Historia. Disponible en: Egica, el antepenúltimo Rey Godo - Revista de Historia, fecha de consulta: 06/01/2026.
4. علي ابراهيم أبو الفتوح، "هل ساعد اليهود المسلمين في فتح الأندلس؟"
https://alantologia.com/blogs/35211/