زيف الصورة بمختلف أشكاله البصرية والرمزية هو أداة مركزية لإعادة تشكيل الواقع في أذهان المتلقي والمشاهد، لا بهدف نقل الحقيقة، بل لتوجيه العقول، وبناء سردية تخدم أهدافًا أيديولوجية بعيدة كل البعد عن الحقيقة، ففي عصر الصورة المضللة، لم يعد السؤال: هل ما نراه حقيقيًّا؟ بل: مَن يريد لنا أن نرى ذلك؟، فلم تعد الصورة دليلًا قاطعًا على الحقيقة كما عهدناها.
ففي زمن الذكاء الاصطناعي، وعصر الرقمنة، تحولت الصور والفيديوهات إلى أدوات لصناعة واقع بديل، واقع يُفصَّل حسب الطلب، وتُعاد فيه كتابة الأحداث بمهارة فائقة، والأخطر من ذلك أن هذه التقنية أصبحت سلاحًا بأيدي الجماعات المتطرفة التي تتقن توظيف الزيف البصري لترويج خطابها، وبث الكراهية، وزعزعة استقرار المجتمعات، فكيف تحولت الصورة من مرآة للواقع إلى أداة لصناعته وتزويره؟ وما السبل الممكنة لمواجهة هذا الخطر؟
الصورة.. من وثيقة إلى سلاح
على مدى عقود، كانت الصورة "شهادة بصرية" يصعب الطعن فيها، وقيل: إنَّ الصورة تُغني عن ألف كلمة، لكن الذكاء الاصطناعي قلب هذه المعادلة رأسًا على عقب، وبات بإمكان أية جهة – مهما كانت إمكانياتها – إنتاج صور ومقاطع فيديو مزيفة لوقائع لم تحدث قط، لكنها تبدو حقيقية بدرجة تثير الرعب، وقد وجدت الجماعات المتطرفة في هذا التطور فرصة ذهبية، فهي لم تعد تحتاج اليوم إلى جيوش أو إعلام ضخم، بل إلى مقاطع فيديو مزيفة تنتشر على منصات التواصل لتأجيج الصراعات، أو لصور مفبركة، أو مجتزأة ومنزوعة السياق الزماني والمكاني، فتُقدَّم الأحداث على نحو مغاير لحقيقتها، ومن أهم آليات الجماعات المتطرفة لإعادة تشكيل الوعي، ونشر أفكارها المتطرفة:
تغذية فكرة الانقسام وصناعة الكراهية: صورة واحدة، عند عزلها عن سياقها، قد تتحول من توثيق عادي إلى "دليل" على مؤامرة أو اضطهاد شامل، لتغذي خطاب الكراهية والتحريض، ويبدأ بها ذلك التقسيم الثنائي (نحن، وهم) ما يسوغ العنف بوصفه رد فعل مشروع.
استثارة المشاعر والعواطف: زيف الصورة لا يخاطب العقل، بل يستهدف المشاعر: خوف، وغضب، وإحساس بالإهانة، متجاوزة بذلك كل مراحل التفكير النقدي، مما يدفع المتلقي إلى تبنّي موقف متطرف دون تمحيص.
خلق هوية وبيئة بديلة: تعمل المنصات التابعة للجماعات المتطرفة على بناء فضاء وهمي يمنح الأفراد شعورًا بالقيمة والانتماء، في ظل تغييب البدائل الواقعية، حيث يُصوَّر الانضمام للجماعة كأنَّه المسار الوحيد لاستعادة الكرامة وتحقيق الذات.
إضفاء الشرعية على العنف: باستخدام مشاهد العنف وتصوريها كأنَّها رد فعل مشروع أو بطولة أخلاقية.
استغلال الخوارزميات الرقمية: الصور والفيديوهات التي تثير العواطف والمشاعر سهلة الانتشار خوارزميًّا، وبذلك يُمكن وصولها إلى أكبر عدد ممكن من الفئات القابلة للاستقطاب.
أثر زيف الصورة
نشأة جيل بلا هوية فاقد للانتماء الحقيقي والقيم الراسخة.
الهروب من واقع الحياة، والبحث عن القيمة الذاتية في المواقع الوهمية، مما يجعله فريسة سهلة للاستقطاب من قِبل الجماعات المتطرفة.
تزييف الوعي المجتمعي، وتشويه الحقائق، بما يخدم أجندات فكرية أو سياسية خفية.
إضعاف القدرة على التفكير النقدي والتحليل المنطقي.
تعزيز التلقي السلبي للمحتوى.
نشر الكراهية والانقسام بين أفراد المجتمع الواحد.
زعزعة استقرار المجتمعات وأمنها.
ولمواجهة هذا الزيف الموازي للواقع؛ علينا التركيز على الجوانب التقنية، والاخلاقية، والمعرفية كافة، ومنها:
تعزيز التفكير النقدي لدى الأفراد وخاصة فئة الشباب.
تعزيز الوعي الإعلامي، ليصبح الأفراد أقل قابلية للتأثر بالمحتوى المضلل.
تطوير أدوات تقنية متقدمة لكشف التزييف البصري، وإتاحتها على نطاق واسع.
دعم المؤسسات الإعلامية والمراكز البحثية لمراقبة المحتوى الرقمي وكشف الحملات المضللة.
بناء خطاب بديل على المنصات الرقمية، قائم على الشفافية والدقة، لمواجهة الدعاية المتطرفة.
ويشير مرصد الازهر لمكافحة التطرف أنَّ ما نراه اليوم على الشاشات ليس بالضرورة ما حدث فعلًا، بل قد يكون ما يريد صانعو الصورة أن نصدقه، وأنَّ زيف الصورة لا يزوّر حدثًا فقط، بل يعيد تشكيل وعي الإنسان، ويخلق "واقعًا بديلًا" تتحكم فيه الجماعات المتطرفة عبر العاطفة، لا الحقيقة، وعبر الانفعال، لا العقل.
ويؤكد المرصد من جانبه أنَّ الحماية المعرفية "مسؤولية جماعية"، والخيار الوحيد المتبقي هو تعزيز الوعي الرقمي والإعلامي بما يجعلنا نتعلم كيف نرى ما وراء الصورة، فالحقيقة في زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد مجرد ما تلتقطه العين… بل ما تكشفه العقول اليقظة.
وحدة الرصد باللغة الأردية