03 نوفمبر, 2017

الدكتور طه أبو كريشة.. يكتب: الإسلام والسلام المجتمعي

الدكتور طه أبو كريشة.. يكتب: الإسلام والسلام المجتمعي

من الحقائق المقررة التى أثبتها القرآن الكريم أن الإنسان خلق فى هذه الحياة لأداء رسالة إيمانية جليلة، فهو لم يخلق عبثا تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. كما قال سبحانه «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون، فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم» المؤمنون 115: 116 إن هذه الرسالة هى رسالة جامعة بين أمرين متلازمين، هما عبادة الله عز وجل وإعمار الأرض التى يعيش عليها الإنسان، كما قال الله تعالى عن أمر العبادة «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون» الذاريات: 56، وكما قال سبحانه عن أمر الإعمار «هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها»، هود: 61.

 ولكى يقوم الإنسان بأداء هذين الأمرين على الوجه الأكمل الذى يريده الله عز وجل فإنه لا بد أن يكون المجتمع الذى يعيش فيه مهيأ لكى يؤدى ما يتعلق بالعبادة أداء حسنا مقبولا، ولابد أن يكون كذلك مهيأ لكى يقوم بالإعمار على الوجه الصالح المثمر المفيد، ولن تتحقق هذه التهيئة إلا من خلال توافر الأمن والسلام فى المجتمع، بحيث لا يكون فى المجتمع من يروع الآمنين، ومن يثير الفزع فى القلوب، والجزع فى النفوس من حيث لا يحتسب الإنسان، ومن هنا فقد رأينا فى القرآن الكريم وفى السنة النبوية المطهرة كثيرا من التوجيهات التى تحقق السلام للإنسان فى بيته وخارج بيته حيثما كان.

إن من التوجيهات القرآنية التى تدعو إلى تحقيق السلام العام فى المجتمع ما جاء فى قول الله عز وجل خطابا لمجتمع المؤمنين «يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين» البقرة: 208، إنه نداء يحمل توجيها ربانيا لكل المؤمنين أن يحققوا كل مظاهر السلام والأمان فى المجتمع بحيث تبدو للناظر كأنها بناء حسى له باب يدخل منه كل الناس مع التحذير من السير وراء نزغات الشيطان التى من شأنها أن تثير العداوة والشحناء بين الناس وما يترتب على ذلك من النزاع والشقاق والاختلاف والترويع والاقتتال، فالشيطان عدو للإنسان، ومن شأن العقلاء أن لا ينساقوا وراء من يضمر لهم العداوة، ولا يريد لهم أن يتحدوا ويعتصموا بحبل الله تعالى المتين.

ومع التوجيهات التى تحذر من نزغات الشيطان فإن القرآن الكريم يتابع السلوك الإنسانى بكثير من التوجيهات التى تجعل هذا السلوك سلوكا إنسانيا يدعو إلى المحبة والتلاقى على المودة القلبية الصادقة، ومن هذه التوجيهات ما يتعلق بالكلمة التى ينطق بها اللسان حيث يجب أن تكون بعيدة عن إيذاء المشاعر كما قال الله عز وجل ناهيا: «يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون» الحجرات: 11 ومن هذه التوجيهات ما يتعلق بالنظرة التى تنظر بها العين بحيث تكون نظرة متصفة بالحياء الذى يمنع من التجسس وتتبع االعورات، كما قال عز وجل ناهيا «ولا تجسسوا» الحجرات: 12، وكما قال سبحانه آمرا «قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم» النور: 30، ومن هذه التوجيهات ما يتعلق بالحفاظ على حرمات البيوت بحيث يكون الإنسان مطمئنا إلى أن أحدا لن يقتحم عليه بيته فى أى وقت دون استئنذان سابق، كما قال الله عز وجل «يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون، فإن لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم» النور 27-28، ومن هذه التوجيهات ما يتعلق بطريقة سير الإنسان فى الطرقات بحيث لا تكون هيئة السائر جارحة للمشاعر كما قال عز وجل ناهيا «ولا تصعر خدك للناس ولا تمش فى الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد فى مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير» لقمان 18: 19 هذا إلى جانب النهى العام عن القيام بأى صورة من صور الاعتداء على الأنفس أو الأعراض أو الأموال. كما قال الله تعالى «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين» البقرة: 190، وكما قال سبحانه «ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل» البقرة 188، إن هذه التوجيهات القرآنية تلتقى معها التوجيهات النبوية الشريفة التى قدمت تعريفا للمؤمن الحق فى قول النبي- صلى الله عليه وسلم- «المؤمن من أمنه الناس»، وللمسلم الحق فى قوله عليه الصلاة والسلام «المسلم من سلم المسلمون- أو الناس- من لسانه ويده».

كما جاء فيها النهى عن إتيان أى صورة من صور الترويع وذلك فى قول النبي- صلى الله عليه وسلم - «لا تروعوا المسلم فإن روعة المسلم ظلم عظيم» إن من يعكرون صفو السلام فى المجتمع فى لحظاتنا الحاضرة عليهم إن لم يتوبوا أن يكونوا على يقين بقول الله تعالى «ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين» النساء: 14.

قراءة (5601)/تعليقات (0)

كلمات دالة: