02 أغسطس, 2026

كلنا دعاة ولسنا جميعًا مفتين

كلنا دعاة ولسنا جميعًا مفتين

مقال بقلم الشيخ / يعقوب ريان - واعظ بمجمع البحوث الإسلامية

الحمد لله الذي جعل الهداية نورًا يُقذف في القلوب، وجعل أسبابها:كلمةً طيبة، وخلقًا كريمًا، وقدوةً صالحة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، الذي لم يكُن داعيةً بلسانه فحسب؛ بل كان دستورًا أخلاقيًّا، حتى شهدت له أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- فقالت: «كان خُلُقه القرآن» (رواه مسلم).

​في زمنٍ أصبح فيه الوصول إلى الناس أيسر من أي وقت مضى، بضغطة زر أو منشور أو مقطع قصير، باتت الكلمة أمانة، والرأي مسئولية، والتوجيه عبادة إذا أُريد به وجه الله، لكن في خضم هذا الانفتاح اختلط على كثير من الناس الفرق بين الدعوة إلى الله، التي هي رسالة كل مسلم، وبين الفتوى، التي هي أمانة لا يحملها إلا أهل العلم.

الدعوة رسالة كل مسلم

​لم يجعل الله الدعوة إلى الخير حكرًا على العلماء أو الخطباء؛ وإنما فتح بابها لكل قلبٍ عرف الله وأحب الخير لعباده، فكل مسلم يستطيع أن يكون داعية، لا بمنصب يحمله، ولا بمنبر يعتليه، ولكن بصدق إيمانه، ونقاء سريرته، وحسن معاملته.

​  قال الله تعالى:﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [فصلت: 33].

​ والمتأمل لهذه الآية الكريمة يرى كيف جمع الله -تعالى-بين الدعوة والعمل الصالح؛ لأنَّ الكلمة إذا لم يصدقها العمل، فقدت أثرها، أمَّا إذا خرجت من قلبٍ صادقٍ وأعقبها عملٌ صالحٌ، فستدخل القلوب قبل الآذان.

​  قال رسول الله ﷺ: «بلِّغوا عني ولو آية» (رواه البخاري)، ​هذا الحديث الشريف دعوة لكل مسلم أن يبلِّغ ما علمه يقينًا، وأن يكون جسرًا يصل الناس بربهم، دون تكلُّف، ودون ادِّعاء علم ليس عنده، ورب كلمة خرجت من قلبٍ مخلص أحيت قلبًا غافلًا، ورب ابتسامةٍ صادقة، أو يدٍ امتدَّت إلى محتاج، أو مسامحةٍ عند المقدرة؛ كانت سببًا في هداية إنسان لا يعلم حقيقته إلا الله.

الدعوة الحقيقية.. حين تتحدث الأخلاق

​ ليست الدعوة: كثرة الكلام، ولا جمال العبارات، وإنما أعظم الدعوة: أن يرى الناس الإسلام في أخلاقك قبل أن يسمعوه من لسانك، فكم من إنسانٍ دخل قلبه حب الإسلام؛ لأنه رأى مسلمًا صادقًا في قوله، سمحًا في بيعه، أمينًا في عمله، رحيمًا بالضعفاء، عفيف اللسان، بشوش الوجه.

ولهذا كان القرآن الكريم شديدًا في التحذير من التناقض بين القول والعمل؛ فقال سبحانه:

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: 44].          

​وكان رسول الله ﷺ النموذج الذي سبق قوله فعله، فلم يحتَج إلى أن يثبت صدقه؛ لأنَّ حياته كلها كانت برهانًا على رسالته؛ ولذلك قال ﷺ: «إنما بُعثت لأتمِّم صالح الأخلاق» (رواه أحمد، والبخاري في الأدب المفرد).

​فالخُلُق الكريم ليس أمرًا ثانويًّا في الإسلام؛ بل هو من أعظم وسائل الدعوة، وربما كان أبلغ  وقعًا على النفس من مئات الخطب والمحاضرات.

بين الدعوة والفتوى شعرة من نور لا ينبغي تجاوزها

​وهنا يقع الخلط الذي ينبغي أن يتنبَّه إليه الجميع؛ فالدعوة شيء، والفتوى شيء آخر.

​أن تقول للناس: صلوا، وبروا والديكم، وأحسنوا إلى جيرانكم، واصدقوا في معاملاتكم، فهذا من باب الدعوة إلى الخير التي أمر الله بها، أمَّا أن تقول: هذا حلال، وهذا حرام، وهذا يجوز، وهذا لا يجوز؛ فذلك مقام آخر، مقام التوقيع عن ربِّ العالمين.

​ولهذا قال الله تعالى في هذا المقام(مقام الفتوى):

﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأنبياء: 7].

​وقال سبحانه محذِّرًا من الفتوى بغير علم واصفًا إياها بأنها افتراءٌ على الله بالكذب:

﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النحل: 116].        

​وكان السلف الصالح -مع سعة علمهم- يهابون الفتوى، حتى إنَّ أحدهم كان يرجو أن يكفيه غيره مؤونتها؛ لأنه يعلم أنه يتكلَّم في دين الله.

​وقال رسول الله ﷺ: «من أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه» (رواه أبو داود في سننه)، ​ثم أخبر ﷺ عن زمن يقل فيه العلماء، فيتصدر الجُهَّال للفتوى، فيُفتون بغير علم، فيُضلون أنفسهم ويُضلون الناس، فقال: «حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُءوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» (متفق عليه).

​إنَّ أخطر ما يفسد الدين: أن يتكلم الإنسان في شرع الله بغير علم، فيظن أنه يحسن صنعًا، وهو يحمل أوزار نفسه وأوزار من تبعه.

فلنكُن دعاة لا مدَّعين

​ليس مطلوبًا من كل مسلم أن يكون مفتيًا، ولكن المطلوب من كل مسلم أن يكون صادقًا، أمينًا، رحيمًا، نافعًا للناس.

​ادعُ إلى الصلاة، ولكن لا تُفتِ فيما تجهل.

ذكِّر ببر الوالدين، ولكن لا تتصدَّر للأحكام بغير علم.

انشر الأمل، وواسِ المكسور، وأطعِم الجائع، وأعِن المحتاج، وابتسِم في وجوه الناس؛ فهذه كلها دعوة إلى الله، وقد تكون عند الله أعظم أثرًا من كلمات كثيرة لا يصاحبها عمل.

​  إنَّ الأمَّة لا تحتاج إلى كثرة المتكلِّمين بقدْر حاجتها إلى كثرة الصادقين؛ تحتاج إلى أبٍ يربِّي أبناءه بخلقه، وأمٍّ تغرس الإيمان في بيتها برحمتها، ومعلِّمٍ يعلِّم قبل أن يعظ، وتاجرٍ يعبد الله بصدقه، وموظفٍ يجعل إتقانه للعمل رسالةً صامتةً تُعبرُ عن عظمة هذا الدين.

​فلنجعل أخلاقنا عنوانًا للدعوة إلى الإسلام، ولنجعل ألسنتنا لا تنطق إلا بعلم، فإنَّ الكلمة قد ترفع صاحبها إلى أعلى الدرجات، وقد تهوي به في أعظم التبعات، وما أجمل أن نلقى الله يوم القيامة وقد كسبنا قلوب الناس بحسن الخلق، وتركنا الفتوى لأهلها، فنكونَ بذلك قد جمعنا بين الدعوة  إلى الله على بصيرة، وبين الأدب مع شريعة الله رب العالمين.

عدد المشاهدة (514)/التعليقات (0)