03 أغسطس, 2026

النية... سِرُّ قبول الأعمال ومفتاح البركة.. حين يَصنع القلبُ قيمةَ العمل

النية... سِرُّ قبول الأعمال ومفتاح البركة.. حين يَصنع القلبُ قيمةَ العمل

إعداد/ سامح العدل عبد الحكيم على الدهشان - واعظ بمجمع البحوث الإسلامية

الحمد لله رب العالمين، الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وجعل صلاح القلوب أساسًا لصلاح الأعمال، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، الذي ربَّى أمته على الإخلاص، وربط قيمة الأعمال بما تنطوي عليه القلوب من صدق المقاصد وحسن النيات، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. وبعد،

اعلم أنه قد يؤدي رجلان العمل نفسه، وفي المكان نفسه، وفي الوقت نفسه، وبينهما عند الله من الفضل ما بين السماء والأرض؛ لا لاختلاف في ظاهر العمل، وإنما لاختلاف ما استقر في القلب من نية وإخلاص. فكم من عمل صغير عظَّمته النية، وكم من عمل كبير أفسدته المقاصد، ومن هنا كانت النية سرَّ قبول الأعمال، ومفتاح البركة فيها، وأساس صلاحها.

   وتُعد النية من أجلِّ أعمال القلوب، بل هي الميزان الذي تُوزن به الأعمال، وهي سببٌ في تعظيم العمل القليل حتى يبلغ أعلى الدرجات، وقد يكون فسادها سببًا في حرمان صاحب العمل من ثواب العمل الكثير إذا خالطه الرياء أو قُصد به غير وجه الله تعالى، فالعمل الواحد قد يراه الناس صغيرًا، لكنه عند الله عظيم إذا صدق صاحبه النية.

 ولهذا اهتم الإسلام بإصلاح النيات قبل الاهتمام بكثرة الأعمال؛ لأنَّ الله سبحانه لا ينظر إلى صور الأعمال وهيئاتها، وإنما ينظر إلى ما استقر في القلوب من إخلاص وصدق، كما قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسادكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم"رواه مسلم.

ولهذا كان اختيار الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ أن يفتتح صحيحه بحديث النيات اختيارًا بليغًا؛ ليبين أنَّ العلم والعمل لا يقومان إلا على قصد صحيح.

يقول النبي ـ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا، فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ». متفق علي، وقد بيَّن العلماء مكانة هذا الحديث، فقال الإمام الشافعي ـ رحمه الله: "يدخل هذا الحديث في سبعين بابًا من أبواب الفقه"، وقال الإمام أحمد ـ رحمه الله: "أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث"، وكان حديث النيات أحدها؛ لما اشتمل عليه من القواعد العظيمة والأصول الجامعة.

والنية في حقيقتها ليست ألفاظًا ينطق بها اللسان، وإنما هي قصد القلب وإرادته، وهي التي تمنح العمل قيمته، وتحدد منزلته عند الله تعالى، ولهذا كان السلف الصالح يعتنون بإصلاح نياتهم عنايةً تفوق عنايتهم بكثرة أعمالهم؛ لأنَّ فساد النية يفسد العمل، وصلاحها يباركه ويزكيه.

ولم يجعل الإسلام النية شرطًا لقبول العبادات فحسب، بل جعلها وسيلةً لتربية المسلم على المداومة على مراقبة الله تعالى؛ فمن اعتاد أن يفتش في قلبه قبل أن يعمل، قلَّ رياؤه، واستقامت مقاصده، وأصبح همه رضا الله- سبحانه وتعالى- لا رضا الناس، ومدح الخالق لا ثناء المخلوق.

وقد ذكر العلماء أن للنية فائدتين عظيمتين؛ أولاهما: أنها تميز العبادات عن العادات، فالغسل مثلًا قد يكون عبادة إذا قصد به المسلم رفع الحدث، وقد يكون عادة إذا قصد به النظافة أو التبرد، والنية هي التي تُفرق بين الأمرين. أما الفائدة الثانية: فهي أنها تميز بين العبادات نفسها؛ فالصلاة قد تكون فرضًا أو نافلة، والفريضة قد تكون ظهرًا أو عصرًا، والنافلة قد تكون راتبة أو مطلقة، والنية هي التي تُعيِّن العبادة وتميزها.

وللنية مراتب، ومن أسمى مراتبها: أن يقصد العبد بعمله وجه الله تعالى والدار الآخرة، كما قال سبحانه:﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[الأنعام:162]، وقال عز وجل:﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾[الإسراء: 19].

وكلما اتسعت مقاصد الخير في العمل الواحد ازداد صاحبه أجرًا، فينوي المسلم مع إخلاصه لله تعالى نفع الناس، وإحياء السنة، والإحسان إلى الخلق، وإعانة نفسه على الطاعة. ومن رحمة الله تعالى بعباده أن أبواب الأجر لا تقتصر على العبادات المحضة، بل تمتد إلى شئون الحياة كلها؛ فالنوم قد يصبح عبادة إذا قصد به صاحبه التقوِّي على قيام الليل، والطعام قربة إذا قصد به الاستعانة على الطاعة، والعمل عبادة إذا قصد به الكسب الحلال وكفاية النفس والأهل، وطلب العلم قربة إذا قصد به رفع الجهل عن نفسه وعن الناس، بل إنَّ بر الوالدين، وحسن تربية الأبناء، وإتقان العمل، وخدمة المجتمع، كلها تتحول إلى عبادات متى صلحت فيها النية، فالمعلم إذا قصد بتعليمه نفع الناس أُثيب، والطبيب إذا قصد بعلاجه تخفيف آلام الخلق أُثيب، والموظف إذا قصد بإتقان عمله أداء الأمانة أُثيب...

ومن هنا ندرك معنى ما قاله عبد الله بن المبارك ـ رحمه الله: (رُبَّ عملٍ صغيرٍ تُكثِّره النية، ورُبَّ عملٍ كبيرٍ تُقلِّله النية)، فهذا القول يُبين أنَّ قيمة الأعمال ليست بكثرتها، وإنما بما يصاحبها من إخلاص وصدق.

ومن سعة فضل الله تعالى: أنَّ النية الصادقة قد تبلغ بصاحبها منزلة العامل وإن حال بينه وبين العمل عذر، فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: (إنَّ بالمدينة رجالًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم؛ حبسهم العُذر) رواه البخاري، وقال ـ صلى الله عليه وسلم: (إذا مرض العبد أو سافر كُتب له مثل ما كان يعمل صحيحًا مقيمًا) رواه البخاري. وهذان الحديثان يفتحان باب الأمل لكل مسلم صدقت نيته، فمنعه المرض أو السفر أو غيرهما من الأعذار، فإنَّ الله لا يحرمه أجر ما كان يعمله مخلصًا له.

وفي عصرنا الحاضر، ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الحاجة إلى تصحيح النية أشد من أي وقت مضى؛ فقد أصبح نشر الأعمال أيسر من القيام بها، وصار كثير من الناس يقيسون النجاح بالشهرة والانتشار وعدد المشاهدات والإعجابات، بينما يزن الله الأعمال بميزان الإخلاص. ومن هنا ينبغي على المسلم أن يراجع قلبه قبل أن يتحدث أو ينشر أعماله ويشاركها الآخرين، وأن يسأل نفسه: هل أبتغي بهذا وجه الله تعالى، أم أطلب ثناء الناس؟ فإنَّ الإخلاص هو روح الأعمال، وإذا فارقها أصبحت أجسادًا بلا أرواح، وفقدت بركتها وثمرتها.

إنَّ تجديد النية عبادة لا تنقطع، يحتاجها المسلم في عباداته، ومعاملاته، وعمله، وطلبه للعلم، وعلاقته بأسرته ومجتمعه، وإذا كان الإنسان يحرص قبل كل عمل على إتقانه وإعداد أسبابه، فإنَّ أول ما ينبغي أن يهيئه هو نيته؛ لأنها بداية الطريق إلى قبول العمل، ومفتاح البركة فيه. وما أحوج المسلم إلى أن يجدد نيته كل يوم، حتى تكون حياته كلها لله، كما قال سبحانه:﴿ قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾[الأنعام:162].

فالنية هي بداية كل عمل صالح، وهي أول ما ينبغي للمؤمن أن يصلحه؛ إذ لا صلاح للعمل إلا بصلاح النية، ولا بركة فيه إلا بالإخلاص لله تعالى، فالسعيد من راقب قلبه قبل عمله، وجعل رضوان الله غايته، فإنَّ الأعمال تُقبل بإخلاصها، وتزكو بصدق أصحابها.

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يجعل سرنا خيرًا من علانيتنا، وأن يتقبل منا صالح الأعمال، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

المراجع:

* القرآن الكريم.

* صحيح البخاري، كتاب بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي.

* صحيح مسلم، كتاب الإمارة.

* شرح صحيح مسلم، والأربعون النووية للإمام النووي.

* جامع العلوم والحكم لابن رجب الحنبلي.

* فتح الباري لابن حجر العسقلاني.

* حلية الأولياء لأبي نعيم. 

عدد المشاهدة (591)/التعليقات (0)