25 أغسطس, 2026

أثر الوعي في استقرار الفرد والمجتمع

أثر الوعي في استقرار الفرد والمجتمع

 

ملخص كلمة فضيلة أ.د. عبَّاس شومان، الأمين العام لهيئة كبار العلماء في الأسبوع الدعوي الثاني والعشرين الذي أقيم بجامعة الإسكندرية تحت عنوان: "مقوِّمات الوعي في عصر الانفتاح المعرفي" بتاريخ 20 أغسطس 2026

 

إنَّ العقل البشري إذا تكوَّن تكوينًا صحيحًا، وقام على قواعد سليمة ومعلومات موثوقة؛ فإنه يُنتِج فكرًا نافعًا وسلوكًا مستقيمًا، ويصبح صاحبه عنصرًا نافعًا لنفْسه ومجتمعه، أمَّا إذا تكوَّن العقل من معلومات زائفة أو مفاهيم مغلوطة؛ فإنه يؤدِّي إلى نتائج خاطئة تضرُّ بصاحبها قبل أن تضرَّ غيره، وتنعكس في سلوكه وتعاملاته ومواقفه من المجتمع، وهذا ما يمكن ملاحظته في عقليَّات الجماعات المتطرفة التي تَشكَّل وعيها من معلومات غير صحيحة وتأويلات منحرفة؛ فكانت النتيجة رَفْض المجتمع لها، وابتعادها عن قيمه ومبادئه، بل إنَّ أعضاءها حين أطلقوا أحكامهم القاسية على المجتمع استثنوا أنفسهم منها؛ وهو ما يكشف بوضوح عن اضطراب الوعي واختلال المنهج الذي قامت عليه أفكارهم؛ لأنَّ السلوك المتطرف ليس إلا نتيجة طبيعية لوعي زائف وفكر مختل، فإذا اختلَّت القاعدة التي يُبنَى عليها التفكير؛ جاءت النتائج -بالضرورة- مختلَّة ومضِرَّة بالفرد والمجتمع.

إنَّ تدفُّق المعلومات وسرعة الحصول عليها لا يعنيان بالضرورة بناء وعي صحيح؛ فالمعلومات السريعة التي لا تقوم على منهجيَّة واضحة ولا تتيح فهم الموضوع في سياقه الكامل قد تمنح الإنسان معرفة ناقصة أو مشوَّشة، بينما يحتاج الفهم الحقيقي إلى التعمُّق، ورَبْط المعلومات ببعضها، والرجوع إلى مصادرها الأصليَّة والموثوقة، والاستعانة بالمرجعيَّات العِلميَّة المعتبَرة؛ لذلك فإنَّ الاعتماد على مصادر غير موثوقة أو مرجعيَّات مجهولة قد يؤدِّي إلى فساد الوعي، وهو ما يظهر في بعض القضايا التي يُنكِر فيها بعض الناس أمورًا دِينيَّة وشرعيَّة ثابتة بنصوص واضحة وإجماع الأمَّة؛ نتيجة اعتمادهم على معلومات مكذوبة أو قراءات مبتورة تُشكِّل وعيهم بصورة غير صحيحة.

ويجب على الشباب ألَّا يستهينوا بأيَّة معلومة يتلقّونها؛ لأنَّ المعلومات المتراكمة تتحوَّل مع الوقت إلى قاعدة معرفيَّة يُبنَى عليها الوعي، فإذا كانت هذه القاعدة صحيحة ومنضبطة؛ أنتجت فهمًا متوازنًا وقدرة على التمييز والحُكم السليم، أمَّا إذا قامت على الشائعات والمعلومات المضلِّلة، فمِنَ الصعب أن تكون مخرَجاتها صحيحة.

ومن الضروري أن يتحرَّى الشباب مصادر المعلومات التي يستقون منها معارفهم، خاصَّة في عصر الذكاء الاصطناعي، وعدم الافتتان بقدراته أو التعامل مع مخرَجاته بوصفها حقيقة نهائيَّة؛ إذْ إنه يستطيع تقديم المعلومات وصياغتها، لكنه لا يُغني عن الرجوع إلى الإنسان المتخصِّص والمرجعيَّات الموثوقة للتحقُّق من صحَّتها وفهمها بصورة صحيحة.

كما يجب الحذر مِنَ المنصَّات والحسابات غير الرسميَّة التي لا تمثِّل جهة عِلميَّة أو معرفيَّة معتبَرة؛ لأنَّ أمن المجتمع يبدأ من أمان مصادر المعرفة التي يعتمد عليها أبناؤه؛ ولذلك يجب التعامل مع الرسائل والمحتويات التي تقدِّمها التكنولوجيا بقدْرٍ مِنَ الحذر والنَّقد، وعدم التسليم بكل ما يُنشر أو يُتداول، والابتعاد عن المصادر الدينيَّة المجهولة أو غير الموثوقة، مع تحرِّي الدقَّة في مختلِف مجالات المعرفة.

وعلى كل من يُقدِّم محتوًى عبر مواقع التواصل الاجتماعي مطالَب أن يتحقَّق من صحَّة ما ينشره قبل تقديمه إلى الجمهور، وألَّا يجعل سرعة الانتشار أو تحقيق المشاهدات والمكاسب مقدَّمة على دقَّة المعلومة وسلامتها؛ لأنَّ صاحب المحتوى مسئول عن كل ما يقدِّمه؛ فالكلمة أمانة، وسيحاسَب الإنسان على ما يقدِّمه للناس وما يترتَّب عليه من آثار؛ لذلك عليهم تحرِّي الصدق والدقَّة، والرجوع إلى المصادر الموثوقة والمتخصِّصين قبل نشر المعلومات، خاصَّة في القضايا الدينيَّة والمجتمعيَّة التي قد يترتَّب على الخطأ فيها آثار واسعة.

إنَّ التكوين الصحيح للوعي كان من أهم الأُسس التي صنعت العلماء العظام الذين عرَفهم التاريخ الإسلامي؛ إذ لم يكُن تَميُّزهم قائمًا على كثرة ما جمعوه من معلومات فحسب؛ وإنما على وعي صحيح تأسَّس على العِلم الموثوق، والفهم العميق، وحُسْن التلقِّي، والقدرة على التمييز بين الحقائق والآراء، ورَبْط العِلم بالعمل والسلوك؛ فقد نشأ هؤلاء العلماء على منهج جعلهم قادرين على فهم النصوص والواقع، ومناقشة القضايا بعقل واعٍ وبصيرة، وتقديم العِلم النافع الذي أسهم في بناء مجتمعاتهم وخدمة أمَّتهم.

عدد المشاهدة (1449)/التعليقات (0)