06 سبتمبر, 2026

وعدُ الله بحفظ القرآن وتجلياتُه في حياة الأمة

وعدُ الله بحفظ القرآن وتجلياتُه في حياة الأمة

مقال بقلم / محمد كمال الفخراني، واعظ عام - منطقة وعظ البحيرة

 

الحمد لله الذي أنزل القرآن هدى ورحمة، وجعله نورًا للقلوب ودستورًا للحياة، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الذي بلَّغ الرسالة وأدَّى الأمانة، وعلى آله وصحبه أجمعين.

إن حفظ الله للقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي تجسّد الرعاية الإلهية الدائمة لحماية دستور الأمة ونقائه عبر العصور؛ وهى الحقيقة التي خلّدها القرآن في قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

جاءت هذه الآية في سياق الرد على ما أثاره المشركون حول القرآن والوحي، فجاء البيان الإلهي حاسمًا؛ فالقرآن تنزيل الله تعالى، وهو سبحانه المتكفل بحفظه.

وقد بيَّن الإمام الطبري أن المراد بالذكر هو القرآن، وأن معنى حفظه من أن يزاد فيه باطل مَّا ليس منه، أو ينقص منه ما هو منه من أحكامه وحدوده وفرائضه[1]. وقرر الإمام القرطبي المعنى نفسه[2]، مؤكدًا حفظ القرآن من التغيير والتبديل.

ولم يكن هذا الحفظ بعيدًا عن أسباب الحياة، بل أجرى الله تعالى حفظ كتابه على أيدي عباده؛ فحُفظ في الصدور، وكُتب في السطور، وتناقله المسلمون بالتلقي والقراءة والتعليم جيلا بعد جيل، ولذلك ظل القرآن المصدر النقي الذي تجتمع عليه الأمة.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يحفظون القرآن ويكتبونه في حياة النبي r، ثم جُمع بعد وفاته r جمعًا موثقًا في عهد  سيدنا أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ، بعد استشهاد عدد من القراء في موقعة اليمامة، فتتبع سيدنا زيد بن ثابت ـ رضي الله عنه ـ جمعه من المواد المكتوبة ومن صدور الرجال[3]، ولم يكن ذلك إنشاءً لنص جديد، وإنما جمعًا وتوثيقًا لما تلقته الأمة عن رسول الله r .

وقد عبَّر القاضي عياض ـ رحمه الله ـ عن استقرار هذه الحقيقة في وجدان الأمة، فقال في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى r: «وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض، المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين، مما جمعه الدفتان من أول الحمد لله رب العالمين إلى آخر قل أعوذ برب الناس، أنه كلام الله ووحيه المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن جميع ما فيه حق». ثم بيَّن أن تَعَمُّدَ الزيادة في القرآن أو النقص منه أو تبديل شيء من ألفاظه خروج عن هذا الأصل الذي انعقد عليه إجماع المسلمين[4].

وهذا النص يكشف عن حقيقة مهمة، وهي أن حفظ القرآن لم يكن دعوى دينية مجردة، بل ارتبط بنص محفوظ في المصاحف، ومتلوٍّ في أقطار الأمة، ومتوارث بالتلقي جيلاً بعد جيل؛ ولذلك استقر عند المسلمين أن ما بين دفتي المصحف هو كلام الله تعالى ووحيه المنزل على نبيه r.

وتعاقبت القرون، وتغيرت الحضارات، وتبدلت المناهج الفكرية، وظهرت دراسات تنتقد القرآن أو تشكك في مصدره أو تاريخ نقله، غير أن ذلك كله لم ينل من حقيقة النص القرآني الذي تلقته الأمة عن رسول الله r وحفظته في صدورها وسطورها.

وليس معنى ذلك أن المسلمين يعرضون عن البحث العلمي أو يرفضون الحوار؛ بل إن المنهج الأزهري يقوم على العلم والإنصاف والتحقيق، والتمييز بين الشبهة والدليل، وبين النقد العلمي والافتراض المسبق،  وقد تصدى العلماء عبر العصور للشبهات المثارة حول القرآن بالبحث والتدقيق، والنزاهة والموضوعية العلمية، والتي بدئت مبكرا بدءًا من النصف الثاني للقرن الأول الهجري / السابع الميلادي، حتى الآن .

"وبدأت هذه المحاولات بيوحنا الدمشقي (650م ـ 750م تقريبا)، ثم توالت بعد الجهود والمحاولات التي بذلت في هذا الجانب، على غرار ما قام به ( أثيميوس زيجابينوس) في كتابه: (العقيدة الشاملة) و(نيكتاس البيزنطي) في مقدمة كتاب: (نقد الأكاذيب الموجودة في كتاب العرب المحمديين)" [5].

ومن المهم كذلك التمييز بين القرآن نفسه وبين فهم الإنسان للقرآن؛ فالقرآن وحي محفوظ، أما الفهم والاستنباط فجهد بشري قد يصيب فيه العالم وقد يخطئ، ولذلك فإن اختلاف العقول في فهم بعض الآيات لا يعني اختلاف القرآن نفسه.

كما أن القرآن لا يحتاج إلى أن نغيّر نصّه حتى يوافق كل تصور فكري عابر، وإنما يحتاج العصر إلى أن يعيد اكتشاف هدايات القرآن في ضوء فهم صحيح للنص وأصول التفسير ومقاصد الشريعة، ولا يحتاج القرآن إلى أن نخشى عليه من الأسئلة، وإنما نحتاج نحن إلى أن نواجه الأسئلة بعلم القرآن وأدوات البحث ورسوخ الإيمان، ومن هنا فإن حفظ القرآن لا ينبغي أن يبقى مجرد حديث عن بقائه في المصاحف والصدور، بل ينبغي أن يظهر أثره في حياة المسلم؛ لأن المقصود من القرآن أن يُتلى ويُتدبر ويُعمل به.

وقد أشار فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر، إلى أن "القرآن الكريم ظل عبر أربعة عشر قرنًا يتعرض لحملات التشويه والازدراء، ولا يزال يتعرض في عصرنا لهذه الحملات، مشيرًا إلى بعض الاتجاهات الفكرية الحديثة التي تتعامل مع النصوص الدينية من منطلقات تجعل الإنسان مصدرًا أوحد للمعرفة، وتتعامل مع الحقيقة الدينية باعتبارها خاضعة للتصور البشري. ثم يحذر من أثر هذه المناهج في التعامل مع نص إلهي كالقرآن الكريم "[6].

فيا معاشر المسلمين، إن كتابًا تكفّل رب العزة بحفظه في السطور والصدور، لجديرٌ بنا أن نحفظ هدايته فكرًا وسلوكًا وعملاً في واقع الحياة.

فقد حفظ الله كتابه، وهيأ لحفظه من الأسباب ما أبقاه حاضرًا في الأمة، وبقيت علينا مسؤولية أن نحفظ أثره في حياتنا، وأن نجعل هدايته نورًا في أخلاقنا وعباداتنا ومعاملاتنا.

 


[1]ـ جامع البيان في تأويل القرآن، محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)، تحقيق: أحمد محمد شاكر، (17/68)، الناشر: مؤسسة الرسالة، ط: الأولى، 1420 هـ - 2000م.

[2]ـ الجامع لأحكام القرآن، أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي شمس الدين القرطبي (المتوفى: 671هـ)، تحقيق: أحمد البردوني وإبراهيم أطفيش، (10/5)، الناشر: دار الكتب المصرية – القاهرة، ط: الثانية، 1384هـ - 1964م.

[3]ـ انظر: صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، (6/183) برقم (4986)، الناشر: دار طوق النجاة، ط: الأولى، 1422هـ .

[4]ـ انظر: الشفا بتعريف حقوق المصطفى، عياض بن موسى بن عياض بن عمرون اليحصبي السبتي، أبو الفضل (المتوفى: 544هـ)، (2/647)، الناشر: دار الفيحاء – عمان، ط: الثانية - 1407هـ.

[5]ـ دفاع عن القرآن ضد منتقديه، عبد الرحمن بدوي، ترجمة: كمال جاد الله، دراسة وتعليق د. محمد عمارة، ص49، سلسة مجمع البحوث الإسلامية، السنة التاسعة والأربعون، المطابع الأميرية، 2017م، بتصرف.

[6]ـ من كلمة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب شيخ الأزهر في احتفال ليلة القدر، رمضان 1439هـ، انظر: القول الطيب، ج1، ص421، الحكماء للنشر، أبو ظبي، 1442هـ/2021م.  

عدد المشاهدة (162)/التعليقات (0)