بين أروقة المركز الإسلامي في سان دييغو بالولايات المتحدة الأمريكية، لم يكن يوم الإثنين الماضي يومًا عاديًّا؛ بل كان شاهدًا على ملحمة إنسانية صاغتها تضحيات ثلاثة رجال، قُتلوا وهم يقفون حائط صدٍّ منيع لحماية 140 تلميذًا من رصاص الكراهية.
لم تكن شجاعتهم مجرد أداء للواجب، بل تجسيدًا لإنسانية عميقة ترويها تفاصيل حياتهم الأخيرة؛ حيث تحولوا في لحظات فارقة إلى "شهداء وأبطال" أنقذوا مجتمعًا بأكمله من كارثة محققة.
قلوب رحيمة تصدّت للكراهية
في مقدمة هؤلاء الأبطال، برز اسم حارس الأمن أمين عبد الله (51 عامًا)، المعروف بين أصدقائه باسم "بريان كليماكس". أمين لم يكن مجرد حارس، بل كان أبًا محبًّا لأسرته، متفانيًا في عمله لدرجة أنه كان يرفض الاستراحة لتناول الطعام في أثناء خدمته لحرصه على أمن المكان. بدموع تنهمر، نعتْه ابنته حواء قائلة: "لقد تصدّى لكل أشكال الكراهية".
إلى جانب أمين، سطر رجلان آخران بدمائهما قصة شجاعة نادرة بهدف تشتيت انتباه المهاجمين. منصور كازيها (78 عامًا) الشيخ المسنّ ومن رواد المسجد الأوفياء، الذي لم تمنعه شيخوخته من المبادرة والاتصال بالطوارئ واستدراج المسلحين للخارج لحماية الأطفال.
ونادر عوض (57 عامًا) السائق القاطن بالجوار، ورغم أنه لم يكن داخل المسجد، إلا أن غريزته الإنسانية دفعته للتدخل مسرعًا، خاصة وأن زوجته تعمل معلمة في مدرسة المركز الإسلامي.
وعن دورهم في منع المهاجمين من استهداف المزيد من الضحايا، قال إمام المسجد طه حسان: "هؤلاء الثلاثة هم شهداؤنا وأبطالنا الذين افتدوا أطفالنا بحياتهم".
وتدرجت أحداث الهجوم الإرهابي الذي نفذه مراهقان (18 و17 عامًا) تبنيا فكرًا متطرفًا ومعاديًا للإسلام عبر الإنترنت، ففي بداية الهجوم رصد الحارس أمين عبد الله الشابين المسلحين في أثناء ركضهما نحو المسجد، وفتح النار عليهما على الفور من مسافة لا تبعد سوى 15 قدمًا عن موقع الأطفال. ورغم تلقيه رصاصة قاتلة في موقف السيارات، نجح أمين قبل رحيله في إرسال نداء استغاثة عبر اللاسلكي، مما فعّل الإغلاق الأمني الفوري للمبنى.
في هذه الأثناء، اقتحم "كازيها" و"عوض" المشهد، ولفتوا انتباه المهاجمين عبر النوافذ واستدرجوهما إلى موقف السيارات الخارجي، مما أتاح للأطفال والمعلمين وقتًا للاحتماء وإغلاق الأبواب بإحكام، وهو ما دفع المهاجمين لمحاصرة الرجلين وقتلهما في الخارج.
وأدى صمود الأبطال الثلاثة إلى إحباط مخطط المهاجمين، اللذين فرّا بالسيارة قبل دقائق من وصول الشرطة نتيجة تشتتهما، ليعثر عليهما الأمن لاحقًا جثتين هامدتين داخل السيارة في حي مجاور بعد أن انتحرا.
وأكدت تحقيقات مكتب التحقيقات (FBI) والشرطة أن الهجوم يُعامل كـ "جريمة كراهية"، حيث ترك المهاجمان رسالة من 75 صفحة تبث أفكارًا عنصرية ومعادية للمسلمين، كما وثقا هجومهما عبر بث حي أظهر لحظاتهما الأخيرة وانتحارهما؛ لتظل تضحية أمين، ومنصور، ونادر النور الذي أطفأ رصاص التطرف وحمى الأبرياء.