لم تكد آلة الحرب الصهيونية تتوقف عن حصد أرواح الفلسطينيين في قطاع غزة، حتى أخذت ملامح مرحلةٍ جديدة من المشروع الاستعماري تتكشف على الملأ، مرحلةٌ لا تكتفي بإبادة الإنسان الفلسطيني، بل تمتد إلى اغتصاب الأرض ذاتها ومحاولة تغيير هويتها، عبر إعادة طرح مشاريع الاستيطان وتهجير السكان الأصليين بوصفها أهدافًا معلنة لقوى اليمين الصهيوني المتطرف. وفي مشهدٍ يكشف حجم التماهي بين المؤسسة العسكرية والسلطة السياسية وهذه التيارات، وفَّر جيش الاحتلال وشرطته الغطاء الأمني والحماية اللوجستية لمسيرةٍ نظمها المستوطنون على حدود قطاع غزة، رفعت خلالها دعوات صريحة لإعادة احتلال القطاع وإقامة مستوطنات فيه، في مؤشرٍ خطير على تصاعد النزعة الاستيطانية وتحولها إلى جزءٍ من الخطاب السياسي الرسمي داخل دولة الاحتلال.
من مسيرةٍ استيطانية إلى حملةٍ انتخابية لليمين المتطرف
أفرد موقع "سيحاه مكوميت"، المناهض لسياسات الاحتلال الاستيطانية، تقريرًا انتقد فيه بشدة ما عُرف بـ"مسيرة الآلاف"، التي نظمها مستوطنون ونشطاء اليمين الصهيوني المتطرف باتجاه الحدود الشرقية لقطاع غزة، للمطالبة بإعادة الاستيطان في القطاع. ووصف كاتب التقرير، الصحفي "أورن زين"، الفعالية بأنها ليست مظاهرةً أو احتجاجًا بالمعنى المتعارف عليه؛ إذ لم تكن موجهة للضغط على السلطة أو معارضتها، بل جرت بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست، وبرعايةٍ مباشرة من الشرطة والجيش، على الرغم من إعلان المنطقة التي أُقيمت فيها منطقة عسكرية مغلقة.
وأشار الكاتب إلى أن الوصول إلى المنطقة المحاذية للسياج الحدودي، التي يُحظر على الجمهور عادةً دخولها، شكّل في حد ذاته رسالةً سياسية، هدفها إظهار أن قوى اليمين المتطرف تتمتع بامتيازات لا يحظى بها غيرها، وأنها قادرة على تجاوز القيود الأمنية والقانونية بدعمٍ من مؤسسات الكيان الصهيوني.
وقال منظمو المسيرة: إن هدفها ممارسة الضغط على رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو للموافقة على إعادة إقامة المستوطنات في قطاع غزة، وهو ما عبّر عنه وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش بقوله: إن المستوطنات ستُقام بمجرد أن يمنح رئيس الوزراء الضوء الأخضر. غير أن الهدف الحقيقي للمسيرة تجاوز مجرد الضغط السياسي، ليتمثل في توجيه رسالة مفادها أن اليمين الاستيطاني هو صاحب القرار الفعلي، وأن مشروع إعادة احتلال غزة أصبح جزءًا من حملته الانتخابية ومن رؤيته لمستقبل القطاع.
ومن جانبها، رأت الصحفية "يوعانا جونين" في صحيفة "هآرتس" أن هذه المسيرة تمثل مؤشرًا على تنامي حضور التيار الاستيطاني داخل الحكومة الصهيونية، وتعكس توجهًا لاستثمار الحرب الدائرة على قطاع غزة في إعادة إحياء مشروع الاستيطان ودمجه في الخطاب السياسي الرسمي.
غطاء رسمي وخطاب يدعو إلى التهجير والاستيطان
شارك في المسيرة عدد من أبرز رموز اليمين الصهيوني المتطرف، في مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، إلى جانب شخصيات استيطانية بارزة، أبرزها دانييلا فايس، إحدى أبرز قيادات الحركة الاستيطانية، فضلًا عن أعضاء في الكنيست وآلاف المستوطنين. وذكر الكاتب أن تعامل الجيش والشرطة مع المشاركين عكس مستوى ملفتًا من الاحتضان الرسمي؛ إذ اكتفت قوات الاحتلال بإقامة حواجز شكلية لم تمنع المتظاهرين من الوصول إلى المناطق المحاذية للسياج، بينما وزع الجنود المياه على المشاركين داخل المنطقة العسكرية المغلقة، بل ونقلت مركبات عسكرية عددًا منهم إلى نقاط التجمع بعد انتهاء الفعالية.
ويقارن الكاتب هذا المشهد بما تعرض له ناشطو اليسار قبل نحو عام، حين اعتُقلوا وتعرضوا للعنف لمجرد تنظيمهم احتجاجًا قرب السياج، معتبرًا أن هذا التباين يكشف ازدواجية واضحة في تعامل أجهزة الاحتلال مع الاحتجاجات، وفقًا لهوية منظميها وأهدافها.
ورفع المشاركون شعارات حملت مضامين صريحة تدعو إلى احتلال القطاع المكلوم وتهجير أهله من بينها: "احتلال.. تهجير.. استيطان"، و"يهود غزة... ليس حلمًا بل حقيقة"، فيما أكد إيتمار بن جفير أن سيطرة الاحتلال على معظم أراضي القطاع تمثل فرصةً لتحقيق مشروع إعادة الاستيطان. وجاء أخطر التصريحات على لسان دانييلا فايس، التي أعلنت أمام المشاركين أن هدفهم هو "إعادة غزة يهودية"، مضيفةً أن "العرب لن يبقوا في غزة"، وهو تصريح يحمل دعوةً صريحة إلى تهجير الفلسطينيين من القطاع، ويعكس طبيعة الخطاب الذي تتبناه قيادات اليمين الاستيطاني في المرحلة الراهنة.
كما نقل التقرير تصريحات لمستوطنين سبق أن أقاموا في مستوطنات قطاع غزة قبل الانسحاب الصهيوني عام 2005م، أكدوا فيها رغبتهم العودة إلى تلك المستوطنات، معتبرين أن الحرب الحالية تمثل فرصةً لإعادة فرض الوجود الاستيطاني داخل القطاع.
تكشف هذه المسيرة وما طوته من مشاهد - أن اليمين الصهيوني لم يعد يكتفي بإدارة الحرب على قطاع غزة، بل يسعى إلى استثمار نتائجها لإحياء مشروع الاستيطان، مستفيدًا من الدعم السياسي والحماية الأمنية التي توفرها مؤسسات الاحتلال. وتؤكد كذلك أن حرب الإبادة على قطاع غزة لم تعد تُدار باعتبارها عمليةً عسكرية فحسب، بل باتت تُستثمر سياسيًّا لتهيئة البيئة اللازمة لإحياء المشروع الاستيطاني، عبر الجمع بين القوة العسكرية والخطاب الإقصائي والدعم الحكومي المباشر.
ويشدد المرصد على أن الدعوات إلى تهجير الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم لم تعد مجرد شعاراتٍ ترفعها جماعات متطرفة، بل أصبحت تجد من يحميها ويؤمّن لها المجال للتحرك داخل مؤسسات الاحتلال، الأمر الذي ينذر بمحاولاتٍ ممنهجة لفرض وقائع جديدة على الأرض، تستهدف تصفية الوجود الفلسطيني في قطاع غزة وإحلال المشروع الاستيطاني محلّه.
وحدة الرصد باللغة العبرية