آخر الأخبار

 

05 أغسطس, 2026

الكلمة .. الأمانة المفقودة في عصر الثرثرة

       في عالمٍ تموج فيه الأحداث، وتتسارع فيه خطى الحياة اليومية، ويتسابق الناس للحصول على لقمة العيش؛ تطفو على سطح المجتمع ظواهر سلبية يندى لها الجبين؛ صور شتى من خيانة الأمانة، والتنصل من المسؤوليات الأسرية، وتفكك عرى البيوت بعدما كانت سكنًا ومودة. إلى غير ذلك من الجرائم والسلبيات المجتمعية. وبإمعان النظر في جذر هذه الأزمات الأخلاقية التي تنخر في جسد أمتنا، يتبين أنها تبدأ وتنتهي عند استهانة الإنسان بما يخرج من بين شفتيه. فعندما فُقدت مسؤولية "الكلمة"، فُقدت معها المروءة والشرف.

لقد تناسى كثيرون أن الكلمة ليست مجرد صوت مسموع أو حبر على ورق، بل هي عقد غليظ، وميثاق شرف، ومسؤولية أمام الله والعباد. وما أصدق وأعظم ما سطره التاريخ في حوار يدرَّس حتى يومنا هذا، حين طلب الوليد بن عتبة من الإمام الحسين بن علي — رضي الله عنهما— مبايعة يزيد، قائلًا له باستهانة: "نحن لا نطلب إلا كلمة، فلتُقل: بايعت، واذهب بسلام"، فجاء رد الحسين زلزالًا يرسخ قيمة الوعي ويهز أركان الزيف، قائلًا:

"أتعرف ما معنى الكلمة؟ ما دين المرء سوى كلمة، ما شرف الرجل سوى كلمة، ما شرف الله سوى كلمة، مفتاح الجنة في كلمة، ودخول النار على كلمة، وقضاء الله هو الكلمة. الكلمة لو تعرف حرمة زاد مذخور، الكلمة نور، وبعض الكلمات قبور، بعض الكلمات قلاع شامخة يعتصم بها النبل البشري. الكلمة فرقان بين نبي وبغي، بالكلمة تنكشف الغمة، الكلمة نور ودليل تتبعه الأمة. عيسى ما كان سوى كلمة أَضاء الدنيا بالكلمات وعلمها للصيادين فساروا يهدون العالم، الكلمة زلزلت الظالم، الكلمة حصن الحرية، إن الكلمة مسؤولية، إن الرجل هو الكلمة، شرف الرجل هو الكلمة، شرف الله هو الكلمة... لا رد لدي لمن لا يعرف ما معنى شرف الكلمة".(http://%22%E2%80%8C%22)

إن هذا النص التاريخي يظهر أهمية الكلمة في دين الله عز وجل، فقد ترفع صاحبها أعلى الدرجات، وقد تهوي به في النار دركات، فبالكلمة خرج إبليس من الجنة، {قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}.([2]) وبها يخسر إنسان دنياه وآخرته، ففي سنن أبي داود، قال أبو هريرة رضي الله عنه: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين، فكان أحدهما يذنب والآخر مجتهد في العبادة، فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب فيقول: أقصر، فوجده يومًا على ذنب فقال له: أقصر، فقال: خلني وربي، أبعثت علي رقيبًا؟ فقال: والله لا يغفر الله لك. فقبض أرواحهما، فاجتمعا عند رب العالمين، فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالمًا؟ أو كنت على ما في يدي قادرًا؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر اذهبوا به إلى النار». قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته.([3])

وبكلمة يكفر الإنسان ويخرج من دين الإسلام، قال تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ...}([4])

وهي من أسباب دخول النار، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: «وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ» رواه الترمذي.([5])

وبها يرضي الإنسان ربه أو ينزل به سخطه، ففي صحيح البخاري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ».([6])

وقد وصف الله تعالى الكلمة في القرآن الكريم بوصفين اثنين لا ثالث لهما، في آية كريمة تتلى إلى قيام الساعة فقال تعالى: }أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ* تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ{.([7]) فالكلمة الطيبة تصلح الأمر ويبقى ثوابها، والكلمة الخبيثة تفسد الأمر ويبقى أثرها.

إنّ الكلمة مسؤولية عظيمة، فكم من كلمة أفرحت وأخرى أحزنت، وكم من كلمة فرّقت وأخرى جمعت ووحّدت، وكم من كلمة أقامت وأخرى نقضت، وكم من كلمة أضحكت وأخرى أبكت، وكم من كلمة شرحت الصدور وآنست القلوب، وكلمات تنقبض منها النفوس وتستوحش منها القلوب، وكم من كلمة واست جروحًا، وأخرى أحدثت حروقًا.

وفي مجتمعاتنا الحديثة أضحى كثير من الناس لا يقيمون للكلمة ميزانًا ولا يلتزمون بما قالوا، وأصبح الرجل منهم يقول كلمته مساءً وينقضها صباحًا، ولا يلتفت لما لكلمته من أثر سيء في النفوس وهدم للبيوت، فعندما يستهين الرجل بكلمته، فيهجر بيته، أو يظلم زوجته، أو يترك أبناءه للضياع في الشوارع والطرقات، فإنه في الحقيقة يسقط شرفه الإنساني لأنه نكث بكلمته. ونقض عهده وميثاقه الذي قال عنه المولى عز وجل في كتابه الكريم: {وأخذن منكم ميثاقًا غليظًا}.([8])

إننا نعيش زمنًا استسهل فيه الناس الكلمات؛ فصار الكذب مسوَّغًا، والوعد المخلف عاديًّا، وخيانة العهود ذكاءً! إن الكلمة إذا خرجت دون وعي بمآلاتها كانت كالرصاصة المرتدة، تُهلك صاحبها وتهدم مجتمعه.

 إن الذي يخون أمانته في عمله، أو ينقض كلمة قالها لأهله، أو يغش وطنه ومجتمعه كذبًا وتزويرًا، إنما يبرهن على أنه لا يعرف "شرف الكلمة" التي التزم بها. فكم من كلمة باطلة فرقت بين زوجين؟ وكم من كلمة منافقة رفعت ظالمًا أو نكست عادلاً؟ وكم من كلمة متطرفة شوهت وعي شاب فجعلته أداة هدم لبلده؟

إن الكلمة —كما قال الحسين— إما "نور" يضيء الدرب للبلاد والعباد، وإما "قبر" يدفن فيه المرء مروءته ودينه.

ونحن في مرصد الأزهر لمكافحة التطرف نؤكد أن مواجهة الظواهر السلبية والسلوكية والأخلاقية السيئة في مجتمعنا تبدأ من إحياء "مسؤولية الكلمة" في النفوس، فيجب أن يدرك كل زوج، وكل أب، وكل مسؤول، وكل صانع محتوى على منصات التواصل الاجتماعي - أن الرجل هو الكلمة، وأن قيمته تُقاس بمدى وفائه بما نطق به.

والأوطان لا تُبنى بالوعود الزائفة، والبيوت لا تستقر بالكلمات المنافقة، والدين لا يستقيم ما لم يستقم اللسان والقلب على الوفاء بالعهد. "فسلامٌ على الحسين الذي علمنا أن الموت أهون من نطق كلمة باطلة، ونقول لكل من يستهين بعهوده، ويخون أمانته تجاه أهله ووطنه: لا رد لدينا لمن لا يعرف ما معنى شرف الكلمة!"

 وحدة البحوث والدراسات

 


([1]) نص منسوب للإمام الحسين بن علي رضي الله عنه، ذكره الكاتب عبد الرحمن الشرقاوي في مسرحيته "الحسين ثائرًا".

([2]) سورة [الحجر/33-35].

([3]) التخريج: أخرجه أبو داود (4901) واللفظ له، وأحمد (8292) صحيح أبو داود، رقم 4901.

([4]) [التوبة/65، 66].

([5]) التخريج: أخرجه الترمذي (2616) ، والنسائي في ((الكبرى)) (11330) ، واللفظ لهما، وابن ماجة (3973) باختلاف يسير. هداية الرواة ص 28.

([6]) التخريج: أخرجه الترمذي (2314) ، وأحمد (7215) واللفظ لهما بزيادة في آخره، وأخرجه ابن ماجه (3970) باختلاف يسير. وأصله في صحيح البخاري (6477)، ومسلم (2988) كتاب صحيح الترغيب، ص رقم 2875.

([7]) [سورة إبراهيم الآية 24].

([8]) [سورة النساء الآية رقم 21].