في ظل التوسع المتسارع في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات العسكرية والأمنية حول العالم، تتزايد التساؤلات بشأن حدود هذه التقنيات وقدرتها الحقيقية على اتخاذ قرارات مصيرية تمس حياة البشر. وفي هذا السياق، نشر موقع "سيحا مكوميت" العبري- صاحب التوجه اليساري المناهض للاحتلال والاستيطان- تقريرًا مطولًا للكاتب (أهارون فيروت)، يتناول بصورة نقدية الدور الذي تؤديه أنظمة الذكاء الاصطناعي في حرب الإبادة الصهيونية على قطاع غزة، محاولًا تفكيك الصورة التي رُسمت لهذه الأنظمة باعتبارها أدوات دقيقة ومحايدة وقادرة على إنتاج قرارات أكثر كفاءة من العنصر البشري.
ويرى التقرير أن الهالة التي أُحيطت بتقنيات الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الأخيرة تحولت من مجرد وصف تكنولوجي إلى أداة تمنح الشرعية لقرارات سياسية وعسكرية واسعة النطاق، وتُخفي خلفها منظومة بشرية كاملة تتنصل تدريجيًّا من المسؤولية الأخلاقية والقانونية عن نتائج أفعالها. ومن خلال استعراض نماذج من العدوان الصهيوني الأخير على غزة ودراسات أكاديمية صهيونية حديثة، يحاول التقرير إثبات أن الذكاء الاصطناعي لم يكن مجرد وسيلة تقنية مساعدة، بل أصبح جزءًا من بنية مؤسسية تسوغ التوسع في استخدام القوة وتُضعف آليات المساءلة.
أولًا: تناقض بين صورة التفوق الاستخباراتي والواقع الميداني
ينطلق التقرير من إعلان جيش الاحتلال خلال مايو 2026 اغتيال عدد من كبار قادة الجناح العسكري لحركة حماس، من بينهم عز الدين الحداد وخلفه محمد عودة، بعد أشهر طويلة من المتابعة والرصد الاستخباراتي.
ويشير (أهارون) إلى أن هذه الإعلانات تثير تساؤلات جوهرية حول فعالية أنظمة الذكاء الاصطناعي التي طالما روج الجيش لقدرتها على تحليل ملايين البيانات وتحديد الأهداف بدقة عالية. فإذا كانت هذه الأنظمة تمتلك بالفعل القدرة الاستثنائية التي تُنسب إليها، فكيف استغرق الوصول إلى شخصيات يصفها جيش الاحتلال نفسه بأنها من أبرز المخططين لأحداث السابع من أكتوبر عدة سنوات من الحرب وآلاف الغارات الجوية؟
ومن هنا يطرح التقرير سؤالًا أكثر حساسية: إذا كان كبار القادة لم يُعثر عليهم إلا مؤخرًا، فمن هم عشرات الآلاف الذين صُنِّفوا سابقًا أهدافًا عسكرية وتم استهدافهم خلال الحرب؟
ثانيًا: الذكاء الاصطناعي بين الحقيقة والأسطورة
يرى التقرير أن مصطلح "الذكاء الاصطناعي" أصبح مظلة واسعة تضم أنظمة متنوعة، بدءً من تحليل البيانات الضخمة والتعرف على الوجوه، وصولًا إلى النماذج اللغوية الحديثة مثل ChatGPT.
ورغم الاعتراف بفوائد هذه التقنيات، يؤكد الكاتب أن المجتمع البشري يميل تاريخيًّا إلى المبالغة في تقدير قدرات التكنولوجيا الجديدة عند ظهورها. ويقارن بين الحماس الحالي تجاه الذكاء الاصطناعي وبين موجة التفاؤل المفرط التي صاحبت انتشار الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي، والتي انتهت بتكوين فقاعة اقتصادية كبيرة.
ويشير التقرير إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على الأسواق المالية، بل تمتد أيضًا إلى المجالات العسكرية، حيث يتم تقديم الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة شبه معصومة من الخطأ، الأمر الذي يمنحه سلطة تتجاوز قدراته الفعلية.
ثالثًا: شركة "بالانتير" نموذجًا لتسويق الهالة التكنولوجية
يخصص التقرير مساحة واسعة للحديث عن شركة Palantir Technologies، التي أصبحت من أبرز الشركات المرتبطة بالحلول الأمنية والعسكرية القائمة على الذكاء الاصطناعي.
ويستعرض تحقيقًا صحفيًّا بريطانيًّا تناول فوز الشركة بعقد ضخم مع هيئة الخدمات الصحية الوطنية البريطانية (NHS)، بقيمة تقارب 330 مليون جنيه إسترليني، بهدف إنشاء منصة موحدة لإدارة البيانات الصحية.
وبحسب ما ينقله التقرير، فإن نجاح الشركة لم يكن نتيجة تفوق تقني واضح بقدر ما كان ثمرة سنوات من بناء العلاقات السياسية وممارسة الضغط المؤسسي، إضافة إلى استقطاب مسؤولين حكوميين سابقين. كما أظهرت التجربة العملية – وفقًا للتحقيق – أن النظام لم يحقق النتائج الموعودة بالكفاءة نفسها التي رُوّج لها، رغم استمرار تدفق الأموال العامة إلى الشركة.
ويعتبر أهارون فروت أن هذه الحالة تكشف كيف يمكن للهالة المحيطة بالذكاء الاصطناعي أن تتحول إلى أداة لتوجيه القرارات الحكومية وتدعيم الإنفاق الضخم حتى في غياب أدلة واضحة على فعالية التكنولوجيا المستخدمة.
رابعًا: من إدارة البيانات إلى إدارة الحروب
يؤكد التقرير أن الرؤية الإستراتيجية لشركة بالانتير تتجاوز الاستخدامات المدنية، إذ تركز بصورة متزايدة على التطبيقات العسكرية والأمنية.
ويشير إلى أن الشركة عززت تعاونها مع الكيان الصهيوني عقب أحداث السابع من أكتوبر، وأعلنت شراكة إستراتيجية مع وزارة الحرب الصهيونية، كما أكد مسؤولوها مشاركة فرقها في أنشطة وصفت بأنها ذات أهمية عملياتية مباشرة.
ومن وجهة نظر الكاتب، يمثل الكيان الصهيوني نموذجًا عمليًّا لتطبيق الرؤية التي تتبناها الشركة، والقائمة على دمج البرمجيات والخوارزميات في عمليات صنع القرار العسكري، حيث تتحول التكنولوجيا إلى جزء أساسي من عملية تحديد الأهداف وإدارة العمليات القتالية.
خامسًا: الذكاء الاصطناعي كأداة لإضفاء الشرعية على العنف
يرتكز القسم الرئيسي من التقرير على كتاب أكاديمي حديث بعنوان: "الحرب الخوارزمية"، صادر عن معهد دراسات العلاقات بين المجتمع والجيش في الجامعة المفتوحة داخل الكيان الصهيوني، ويضم مجموعة من الدراسات التي تتناول أثر الذكاء الاصطناعي في إدارة الحرب على غزة.
ويستعرض التقرير أفكار عدد من الباحثين الذين يرون أن القيمة الأساسية لهذه الأنظمة لا تكمن في زيادة الدقة بقدر ما تكمن في قدرتها على إنتاج كميات ضخمة من الأهداف العسكرية بصورة سريعة، بما ينسجم مع متطلبات العمليات العسكرية واسعة النطاق.
ويذهب بعض الباحثين إلى أن الخوارزميات ساعدت في تحويل سياسات التدمير الواسع إلى إجراءات تبدو قانونية ومنظمة، عبر توفير قوائم أهداف جاهزة تمنح الانطباع بوجود عملية مهنية ومنهجية خلف كل ضربة عسكرية.
كما يشير التقرير إلى أن اعتماد المؤسسة العسكرية على مخرجات الأنظمة الآلية أدى إلى تراجع الميل البشري لمراجعة القرارات أو التشكيك فيها، خصوصًا عندما تُعرض النتائج في صورة أرقام وإحصاءات تبدو علمية ومحايدة.
سادسًا: "مجتمع المسؤولية الموزعة"
يناقش التقرير فكرة أن الأنظمة الرقمية لا تلغي دور الإنسان، لكنها تعيد توزيع المسؤولية بين عدد كبير من الأطراف.
ففي عملية الاستهداف العسكرية يشارك محللو المعلومات، وضباط الاستخبارات، والقادة العسكريون، والمستشارون القانونيون، ومشغلو الطائرات، والطيارون. وكل طرف يؤدي مهمة جزئية محدودة ضمن سلسلة طويلة من الإجراءات.
ويرى التقرير أن هذا التوزيع يجعل من الصعب تحديد المسؤولية الفردية عن النتائج النهائية، إذ يصبح بإمكان كل شخص الإشارة إلى مرحلة أخرى في السلسلة بوصفها صاحبة القرار الحقيقي.
وبذلك تتحول الخوارزمية إلى ما يشبه "الصندوق الأسود" الذي يستند إليه الجميع في تعليل أفعالهم، رغم أن القرارات النهائية تظل في جوهرها قرارات بشرية.
سابعًا: "ساحر أوز" خلف الستار
يختتم التقرير باستعارة أدبية من رواية: "ساحر أوز"، حيث كان الساحر يختبئ خلف ستار بينما توهم الجماهير بأنه يمتلك قدرات خارقة.
ويعتبر الكاتب أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تؤدي وظيفة مشابهة؛ فالشاشات المليئة بالبيانات والمعادلات والأرقام تمنح انطباعًا بوجود عقل خارق قادر على معرفة كل شيء واتخاذ القرار الأمثل. لكن عند النظر خلف هذا الستار، لا نجد سوى شبكة معقدة من السياسيين والعسكريين والمبرمجين والمديرين والمستثمرين الذين يمنحون الآلة سلطة رمزية كبيرة، ثم يتعاملون مع مخرجاتها باعتبارها حقائق موضوعية يصعب الطعن فيها.
ويرى التقرير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في تحويلها إلى مصدر للشرعية السياسية والعسكرية والأخلاقية، بما يسمح بتوسيع نطاق العنف وتقليص مساحة المساءلة البشرية.
وفي النهاية، يكشف هذا التقرير، الصادر من داخل الأوساط الأكاديمية والإعلامية العاملة داخل الكيان الصهيوني، جانبًا مهمًّا من الجدل المتنامي حول توظيف الذكاء الاصطناعي في الحروب الحديثة، ولا سيما في قطاع غزة. فالتقنيات المتقدمة، مهما بلغت قدراتها، لا يمكن أن تتحول إلى بديل عن المسؤولية الإنسانية أو غطاء يعطي الحجة لاستهداف المدنيين وتدمير البنى التحتية تحت ذريعة الدقة التقنية أو الموضوعية الخوارزمية.
كما يؤكد التقرير أن الخطر لا يقتصر على الاستخدام المادي للذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، بل يمتد إلى تحويله إلى أداة تمنح شرعية شكلية لقرارات قد تفتقر إلى الأساس الأخلاقي والقانوني. ومن ثم فإن أي استخدام للتكنولوجيا في النزاعات المسلحة يجب أن يظل خاضعًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وأن يقترن بآليات واضحة للمساءلة والمحاسبة، حتى لا تتحول الخوارزميات إلى ستار يُخفي خلفه انتهاكات جسيمة بحق المدنيين ويُعفي مرتكبيها من تحمل المسؤولية.
وحدة الرصد باللغة العبرية