آخر الأخبار

 

28 أغسطس, 2026

ما بعد داعش.. تحول التطرف إلى "فيروس ذهني" عابر للحدود

انشغل العالم في العقدين الماضيين بملاحقة التنظيمات الإرهابية باعتبارها كيانات مرئية يمكن اختراقها وتفكيكها. لكن السنوات الأخيرة أفرزت تحولات أدخلت التطرف مرحلة معقدة، تحول فيها العنف من بنية هرمية إلى حالة ذهنية متنقلة، ومن مجموعات محددة من الأفراد إلى موجات تحفيز نفسي تنتشر عبر الفضاء الرقمي وحواضن اجتماعية تستوعبه. وهنا لم يعد العالم يواجه "تنظيمات إرهابية" بقدر ما يواجه "بيئات تنتج تطرف" قادرة على تصدير فاعلين منفردين، لا يقسمون قسم ولاء ولا يتواصلون مع قيادات متطرفة.
وبحسب تقرير "تقييم تهديد الإرهاب العالمي 2025 " (Global Terrorism Threat Assessment 2025) الصادر في مارس 2025 عن "مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية" (CSIS) في "واشنطن"، فإن التهديد الإرهابي الأخطر بات يتمثل في الأفراد والمجموعات ذات الارتباط الأيديولوجي غير المباشر، التي تتحرك خارج الأطر التنظيمية الجامدة. كما يشير التقرير إلى تصاعد "الإرهاب الفردي"، حيث أصبحت منصات الدعاية الإلكترونية بيئات لإنتاج أنماط جديدة من الاستقطاب والتعبئة الفكرية، بما يعزز ظاهرة "الذئاب المنفردة" التي ليس لها ارتباط تنظيمي ولا تتلقى أوامر عملياتية تقليدية.[1]
تفكك التنظيم هيكليًّا… بداية العدوى الفكرية
شكل فقدان تنظيم داعش لسيطرته المكانية تحولًا في طبيعة التهديد الإرهابي، وكشف عن انتقال مركز الثقل من التنظيم بوصفه كيانًا ماديًّا إلى الأيديولوجيا بوصفها بنية سردية قادرة على إعادة إنتاج ذاتها وتوسيع تأثيرها خارج الحدود الجغرافية. فقد أعادت نهاية "الخلافة المكانية المزعومة" مسار التشكل الإستراتيجي للتطرف، اتسم هذا المسار بتراجع أهمية الهيكل الهرمي للتنظيم لصالح شبكات فكرية مرنة تعمل داخل الفضاء الرقمي، وتُنتَج أفكارًا متطرفة تُعاد صياغتها وتداولها بصورة تفوق قدرة الأطر الأمنية التقليدية على المتابعة والاحتواء.
وهنا تكتسبت المنصات الرقمية وظيفة تتجاوز مجرد التواصل إلى هندسة الوعي وتشكيل القناعة، مستفيدة من خوارزميات تضخيم المحتوى ومن ديناميكيات الاستقطاب وأزمات الهوية والعزلة الاجتماعية.
وتشير معطيات "وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون" الواردة في تقرير "حالة الإرهاب واتجاهاته في الاتحاد الأوروبي" (European Union Terrorism Situation and Trend Report (TE-SAT) 2024) (ديسمبر 2024م) إلى انتقال مركز الثقل في التهديد الإرهابي من التنظيمات الهرمية إلى شبكات رقمية لا مركزية وأفراد متطرفين يتمتعون بمرونة أيديولوجية عالية وقدرة على التكيف مع البيئة الرقمية.
ويعكس هذا التحول إعادة تموضع الظاهرة الإرهابية من البنية التنظيمية إلى البنية الفكرية، ومن السيطرة على المجال الجغرافي إلى التأثير في الوعي الجمعي. ومن ثم لم تعد المواجهة المعاصرة ضد التطرف معركة يمكن حسمها بتفكيك التنظيمات أو حرمانها من الملاذات الجغرافية فحسب، بل أضحت صراعًا متصاعدًا يرتكز على الوعي والمجال الإدراكي؛ حيث تتحدد فعالية الدول اليوم بقدرتها على تفكيك السرديات المتشددة، ومنافسة أنماط التأثير الخوارزمي، واستعادة المجال المعرفي الذي تحول تدريجيًّا إلى الساحة الأكثر حساسية في صراعات القرن الحالي.
البيئة الرقمية بوصفها "حاضنة تطرف"
أصبحت البيئة الرقمية أحد المكونات البنيوية لإنتاج التطرف المعاصر، بعدما تحولت من فضاء لنقل الأيديولوجيا المتطرفة إلى منظومة فاعلة في تشكيلها وتوسيع نطاق انتشارها. فداخل اقتصاد الانتباه الرقمي، تكتسب السرديات الأكثر إثارة للخوف والغضب والاستقطاب قدرة أعلى على الانتشار، وهو ما يمنح المحتوى المتطرف أفضلية تنافسية. وفي هذا الصدد تؤدي خوارزميات التوصية، عبر آليات التخصيص المستمر وتعظيم التفاعل، إلى تشكيل دوائر معرفية مغلقة تتراجع فيها التعددية لصالح أنماط أحادية التفكير، مما يعزز الانغلاق الفكري ويهيئ بيئات تساعد على ترسيخ القناعات المتطرفة وإعادة إنتاجها. وفي هذا السياق، يصبح الانفعال جزءًا من دورة انتشار المحتوى، وتتحول غرف الصدى الرقمية إلى بيئات حاضنة لإعادة تشكيل التصورات والهويات والولاءات.
وتؤكد أبحاث "المركز الوطني لدراسة الإرهاب وتوابعه" (START) التابع لجامعة ميريلاند، أن التحول الأخطر يتمثل في انتقال التطرف من نموذج التجنيد المباشر إلى نموذج التهيئة المعرفية، حيث يتشكل الميل نحو الراديكالية عبر التعرض لسرديات استقطابية وتفاعلات رقمية متراكمة. وتكشف هذه المعطيات صعودَ نمط من "اللا مركزية الرقمية" تتراجع فيه أهمية الهياكل التنظيمية الصلبة لصالح شبكات رقمية مرنة تستمد تماسكها من المحتوى المشترك والسرديات العابرة للمنصات. وضمن هذا النموذج، تنتشر الأفكار المتشددة بوصفها أنماطًا معرفية قابلة لإعادة الإنتاج، بما يمثل تحديًا لمواجهة البنية الإدراكية التي تُنتج التطرف أكثر من مواجهة التنظيمات التي تتبناه[2].
وتكشف المفارقة في الفضاء الرقمي أن الأدوات التي صُممت لتعزيز التواصل الإنساني هي ذاتها التي أسهمت في إنتاج العزلة. فالمستخدم لا ينقطع عن المحتوى، بل يُحاصر داخله، مما يؤدي إلى تضييق الأفق الفكري وتعزيز قابلية التلقي غير النقدي للسرديات المتطرفة.
وفي المحصلة، أصبح التطرف الرقمي نمطًا تفاعليًّا تنتجه الخوارزميات، وتعيد تشكيله ديناميات الانتباه، وتنشره شبكات لامركزية مرنة. وهكذا تتحول التكنولوجيا من وسيلة اتصال إلى قوة لإعادة تشكيل الوعي، ومن منصة للتواصل إلى بيئة ناعمة ومعقدة لإعادة إنتاج التطرف.
تداخل مسارات التطرف: نظام استقطاب عالمي يتجاوز حدود الإيديولوجيا المتطرفة
تحولت مسارات التطرف من كيانات تتصارع على الهوية والمرجعية، إلى منظومة تفاعلية، تعمل وفق منطق مشترك: تضخيم العداء وإعادة إنتاجه. وما نشهده اليوم ليس تشابهًا عرضيًّا بين تيارات متباعدة فقط، بل هو تلاق وظيفي في آليات التفكير والتعبئة. وتشير تقارير "مركز أبحاث التطرف بجامعة أوسلو" (C-REX)، إلى أن عددًا من التيارات المتشددة، مثل اليمين المتطرف في الغرب والحركات العنيفة في الشرق، لا تلتقي عند وحدة عقائدية أو مرجعية فكرية، بقدر ما تتقاطع عند بنية سردية تعيد تشكيل "الذات" باعتبارها كيانًا يواجه تهديدًا وجوديًّا، في مقابل تصوير "الآخر" بوصفه خطرًا لا يمكن التعايش معه.
وتكشف بعض الدراسات أن هذه السرديات لم تعد حبيسة الأوساط الهامشية أو التنظيمات المتطرفة، بل تسربت إلى فضاءات الخطاب العام عبر وسائط الإعلام الرقمي، واستفادت من البيئة الخوارزمية التي تميل إلى تعزيز المحتوى القائم على الإثارة.  
وتوضح دراسة بعنوان: "سردية الإحلال العظيم: الخوف والقلق والعداء في المجتمعات الغربية"( 12 نوفمبر 2024)، للمركز سالف الذكر، أن سرديات المؤامرة – وعلى رأسها ما يُعرف بنظرية "الاستبدال العظيم"[3]، أصبحت بمثابة لغة رمزية لإنتاج الخوف الجمعي في مواجهة التهديدات. فبدلًا من تقديم العالم باعتباره فضاءً متعدد العوامل، تُعاد صياغته في صورة مواجهة بين "نحن" و"هم"، بما يخلق بيئة نفسية يسهل فيها استدعاء مشاعر القلق والتهديد الوجودي. كما يُعاد تدوير مفاهيم مثل "النقاء" و"الاختراق" و"الانقراض"[4] عبر طيف واسع من الخطابات التي تبدو متناقضة، لكنها تتشابه في بنيتها الانفعالية العميقة[5].
وتتجاوز خطورة هذا النمط حدود الاختلاف الأيديولوجي، إذ تشير دراسات التطرف الحديثة إلى أن بعض الهجمات التي ارتبطت بأشكال من العنف ذي الدوافع العنصرية أو القومية خلال السنوات الأخيرة استندت إلى مضامين مشابهة لهذه السرديات، ما يكشف أن الخطر لا يكمن في الفكرة وحدها، بل في قدرتها على إنتاج حالة ذهنية جماعية تُحول الخوف إلى هوية، والاختلاف إلى تهديد. ومن ثم، فإن النتيجة ليست تقاربًا فكريًّا بالمعنى التقليدي بين تيارات متعارضة، بل حالة من التجانس في البنية الشعورية للتطرف؛ حيث تتغير الشعارات والمرجعيات، بينما تبقى الآليات الذهنية المنتجة للاستقطاب والخوف والعنف على حالها.
الأكثر خطورة أن هذا التداخل لم يعد نظريًّا، بل أصبح مدفوعًا بالبنية الرقمية نفسها. فالخوارزمية لا تفرز المحتوى وفق أيديولوجيته، بل وفق قدرته على توليد التفاعل. وهكذا تتقارب السرديات المتطرفة داخل مسارات توصية واحدة، فيتشكل ما يمكن تسميته بـ "التجاور القسري للراديكالية"؛ حيث تُدفع الخطابات المتناقضة إلى فضاء رقمي مشترك، وتلتقي - بفعل الخوارزميات - داخل اقتصاد رقمي يُعيد تدوير الغضب ويستثمره كوقود للاستقطاب.
ومن ثم تمثل هذه الظاهرة انتقالًا من "التطرف كحركة" إلى "التطرف كنظام بيئي"، تتبادل فيه التيارات المختلفة الرموز والإستراتيجيات، لا عبر التنسيق، بل عبر المحاكاة التنافسية للعنف[6]. وبهذا يُنتج التطرف داخل دوائر استقطاب متبادلة، ويُغذي كل خطاب متشدد الخطاب المقابل، وترفع كل سردية إقصائية منسوب الإقصاء لدى الطرف الآخر. إنها حلقة تغذية راجعة مغلقة، تُعيد إنتاج نفسها دون مركز قيادة أو نقطة انطلاق واضحة.
وتشير بعض الدراسات المعنية بالتطرف الرقمي إلى أن جزءًا من مسارات التعرض للمحتوى المتشدد يبدأ عبر أنظمة التوصية الخوارزمية وآليات الاقتراح الآلي قبل التفاعل البشري، بما يعكس تحوّل البنية التقنية للمنصات إلى عنصر فاعل في إنتاج الاستقطاب. وخلصت "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية" (OECD)، ومقرها "باريس"، في تقريرها "الشفافية المتعلقة بالمحتوى الإرهابي والمحتوى المتطرف العنيف على الإنترنت"، إلى أن خوارزميات التوصية تسهم في توسيع قابلية انتشار المحتوى المتطرف وتعميق دوائر الوصول إليه. كما أكدت "وكالة الاتحاد الأوروبي للتعاون في إنفاذ القانون" في دراستها "التطرف عبر الإنترنت: فهم الترابط بين الفضاء الإلكتروني والواقع" أن مسارات الراديكالية تتشكل عبر تداخل تراكمي بين الفضائين الرقمي والاجتماعي، بما يجعل التطرف عملية إنتاج مستمرة داخل بيئات الاتصال ذاتها.
إذن لم تعد الإيديولوجيا وحدها هي المحرك الأساسي للتطرف، بل أصبح منطق الاستقطاب ذاته هو الإيديولوجيا الضمنية المشتركة .وفي هذا المنطق، تتلاشى الحدود بين "يمين متطرف" و"راديكالية دينية" لصالح بنية واحدة: اقتصاد عالمي للغضب، يعيد تشكيل الوعي الجمعي على أساس التهديد الدائم، والعداء المستمر، وإعادة إنتاج الخصومة.[7]
كيف أصبح الوعي ساحة الصراع الأخطر؟
يظهر التحول الأعمق في مرحلة ما بعد داعش في انتقال التطرف من كونه ظاهرة تنظيمية أو رقمية تقليدية إلى بنية فكرية طفيلية تتغلغل داخل أنظمة الوعي، مستثمرة هشاشته النفسية والثقافية. فالتطرف المعاصر لم يعد يقوم على الإقناع الأيديولوجي المباشر، بل على إنهاك الإدراك عبر تدفقات معلوماتية، وصدمة بصرية متواصلة، وتعرض تراكمي لمحتوى استقطابي، بما يفضي إلى تآكل القدرة على التمييز وإعادة تشكيل أنماط الفهم نحو تفسيرات مبسطة لعالم شديد التعقيد. ويطرح معهد (راند كوربوريشن) الأمريكي في أدبياته حول الحرب المعرفية والحرب المعلوماتية أن الصراع الحديث تجاوز مستوى التأثير في المواقف والسلوكيات إلى مستوى أعمق يستهدف البنى الإدراكية التي يُنتج الإنسان من خلالها إدراك الواقع، بما يجعل السيطرة على الانتباه وإدارة الإدراك موردًا حاسمًا في بيئة القوة المعاصر[8].
وفي الاتجاه ذاته، يؤكد المنتدى الاقتصادي العالمي (WEF)  في تقرير المخاطر العالمية (Global Risks Report 2025) المنشور في يناير 2025 أن التضليل المعلوماتي والاستقطاب الرقمي باتا من أبرز المخاطر العالمية قصيرة المدى، نظرًا لقدرتهما على تفكيك الثقة المجتمعية وإعادة تشكيل المجال العام، بما ينتج بيئات معرفية منغلقة تُعامل فيها الحقائق بوصفها امتدادًا للهويات لا موضوعًا للتحقق[9].
ويشير معهد الحوار الإستراتيجي (ISD)، ومقره لندن، في بعض دراساته حول التطرف إلى أن الفاعلين المتطرفين باتوا يعتمدون كثيرًا على "المضامين الثقافية المتداولة" بدلًا من الخطاب العقائدي المباشر، عبر توظيف الميمات[10] والمقاطع القصيرة والمحتوى الترفيهي كقنوات تمرر المضامين الراديكالية داخل الثقافة الرقمية، بما يعكس انتقال التطرف من الهوامش إلى قلب الفضاء الثقافي السائد[11].
وفي المحصلة، تظهر خطورة التطرف في انتقاله إلى مستوى أعمق يتمثل في إعادة تشكيل الوعي بوصفه ساحة صراع حقيقية. فالتنافس لم يعد يدور حول السيطرة على الفضاء المادي أو الرقمي، بل حول التحكم في آليات الوعي والإدراك التي تُفهم من خلالها الوقائع، بما يجعل الوعي هدفًا ووسيلة معًا. ومن ثم، يغدو المجال الرقمي بنية لإعادة إنتاج المعنى، حيث لا تُعرض الوقائع بوصفها معطيات محايدة، بل تُعاد صياغتها داخل بيئات استقطاب تُحدد ما يُرى وكيف يُفسَّر، وما يُعتبر حقيقة وما يُهمَّش باعتباره ضجيجًا. وهكذا يتحول الصراع إلى عملية دائمة لإعادة تعريف الواقع من داخل الوعي، لا من خارجه.
ختامًا نقول: إن العالم لم يعد يواجه تنظيمات ذات حدود جغرافية واضحة يمكن تفكيكها، بل يواجه تطرفًا تحول من كيان تنظيمي إلى حالة ذهنية، ومن مشروع أيديولوجي مغلق إلى نظام بيئي عالمي لإنتاج الاستقطاب وإعادة تدوير الغضب، وهو ما يتطلب تطورًا في المكافحة، بحيث تكون مكافحةً متكاملة فكريًّا وأمنيًّا.
إن أخطر ما أفرزته البيئة الرقمية بجانب اتساع نطاق انتشار الأفكار المتشددة، هو التأثير في القناعات البشرية والوعي الإنساني؛ إذ لم تعد الخوارزميات أدوات لتنظيم تدفق المعلومات فحسب، بل أصبحت جزءًا من هندسة الوعي الذي تتشكل داخله التصورات والانتماءات، ومن ثم لا ينبغي ترك الساحة الرقمية للمتطرفين، إنما ينبغي مزاحمتهم فيها بنشر خطاب الوسطية والاعتدال.

وحدة رصد اللغة التركية


كلمات دالة: