آخر الأخبار

 

01 أكتوبر, 2026

المواطنة والحياة العامة.. المسلمون في مجتمع إسبانيا المعاصر

     في سياق التحولات العميقة التي يشهدها المجتمع الإسباني المعاصر، لم يعد حضور المسلمين فيه مجرد ظاهرة ديموغرافية مرتبطة بالهجرة أو الاستقرار الاقتصادي، بل أصبح اليوم جزءًا من إعادة تشكيل المجال العام نفسه، حيث تتداخل أسئلة المواطنة والهوية والاندماج مع ديناميات المشاركة في الحياة الحزبية والعمل العام.

ومن هذا المنظور يمكن فهم تصاعد حضور المسلمين في إسبانيا، لا على أنه انتقال من الهامش إلى المركز، بل بوصفه إعادة تعريف لمفهوم الانتماء داخل مجتمع متعدد الثقافات، يتأسس على التعددية والتعايش الديمقراطي.

ومع مرور الوقت، ظهرت أجيال جديدة من أبناء المسلمين، وُلدوا داخل السياق الإسباني، فتقلّصت المسافة بين "الداخل الديني" و"الخارج المدني"، وبدأت تتشكل هوية تجمع بين الانتماء الإسلامي والمواطنة الإسبانية، وهو ما فتح الباب أمام مشاركة أوسع في النقابات والأحزاب والمجالس المحلية والعمل العام بشكل أوسع.

لذلك، يعكس المسلمون في قلب العمل العام تحوّلًا نوعيًّا في طبيعة العلاقة بين الدين والمجتمع، حيث لم يعد المسلم فاعلًا محصورًا في المجال الخاص أو الديني، بل أصبح جزءًا من صناعة القرار في الفضاء العام، يسهم في النقاشات المتعلقة بالتعليم، والهجرة، والعدالة الاجتماعية، وحقوق الإنسان. ولا يعني هذا التحول اندماج أفراد فقط، بل يعكس أيضًا تطورًا في بنية المجتمع الإسباني نفسه، الذي بات أكثر قابلية لاستيعاب التعدد، وأكثر انفتاحًا على تمثيل مختلف مكوناته. ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يخلو من التحديات؛ فالمشاركة الحزبية للمسلمين تصطدم أحيانًا بصور نمطية راسخة، وبخطابات سياسية توظف الهوية الدينية في سياقات أمنية أو انتخابية.

ومن هذا المنطلق، فإن حضور المسلمين في العمل العام يحمل دلالات أعمق من مجرد المشاركة السياسية أو في العمل العام؛ فهو يعكس انتقالهم من موقع "الجالية" إلى موقع "المواطنة الفاعلة"، ومن الانكفاء على الذات إلى الإسهام في الشأن العام. كما يسهم هذا الحضور في إعادة تشكيل صورة الإسلام داخل المخيلة الإسبانية، فيتحول المسلمون إلى عنصر حقيقي فاعل ضمن عناصر النسيج الاجتماعي.

وفي السنوات الأخيرة لم يعد حضور المسلمين في إسبانيا مقتصرًا على المجال الديني أو الاجتماعي الضيق، بل بدأ يتبلور تدريجيًّا داخل الفضاء العام والسياسي، وهو ما يعكس انتقالًا مهمًّا من مرحلة "التمثيل غير المرئي" إلى مرحلة "الحضور الفاعل" داخل مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. ويمكن رصد هذا التحول من خلال نماذج واقعية لمسلمين تمكنوا من الوصول إلى مواقع داخل البرلمانات الإقليمية، والمجالس البلدية، والنقابات، والأحزاب السياسية، ليصبحوا جزءًا من صناعة القرار.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك السياسية القطلونية من أصل مغربي نجاة درويش، وهي نائبة في برلمان قطلونية عن حزب اليسار الجمهوري القطلوني. وقد عُرفت بمواقفها المتعلقة بالعدالة الاجتماعية، والاندماج، ومكافحة التمييز، وليس فقط بالقضايا المرتبطة بالمسلمين. فوجودها داخل مؤسسة تشريعية إقليمية يعكس تطورًا مهمًّا في تمثيل فئة من المسلمين داخل السياسة الإسبانية، ويؤكد أن الهوية الدينية لم تعد عائقًا مطلقًا أمام المشاركة السياسية.

وفي السياق نفسه، هناك محمد شعيب، وهو سياسي من أصل مغربي وعضو سابق في برلمان قطلونية عن الحزب الاشتراكي القطلوني، حيث شارك في ملفات تتعلق بالهجرة والسياسات الاجتماعية والتعايش الثقافي. كما تعكس تجربة شعيب مرحلة مبكرة من انخراط المسلمين في الأحزاب التقليدية الإسبانية، ومحاولة العمل من داخلها بدل البقاء في الهامش.

أما في مدينتي سبْتة ومليلية، وهما فضاءان يتميزان بكثافة سكانية مسلمة مقارنة بغيرهما من مدن  إسبانيا، فقد برزت شخصيات سياسية مثل فاطمة حامد حسين، وهي زعيمة حزب "حركة سبتة من أجل الكرامة والمواطنة"، وعضوة في جمعية سبتة المحلية، وقد اضطلعت بدور مهم في الدفاع عن قضايا المساواة ومحاربة التمييز وتعزيز حقوق الفئات الهشة. وفي مليلية نجد مصطفى أبرشان، وهو أحد الوجوه السياسية المعروفة في حزب "التحالف من أجل مليلية"، وقد شغل سابقًا منصب رئيس المدينة ذاتية الحكم، وكان له حضور قوي في ملفات التعدد الثقافي والتوازن الاجتماعي داخل المدينة.

إلى جانب العمل البرلماني، يتزايد حضور المسلمين في المجالس البلدية في مدن كبرى مثل برشلونة ومدريد، حيث يشارك عدد من المستشارين المحليين من أصول مغربية في تدبير الشأن المحلي، خصوصًا في ملفات الإسكان، والتعليم، والهجرة، والخدمات الاجتماعية. ورغم أن هذا الحضور لا يزال محدودًا عدديًّا، فإنه يحمل دلالة رمزية قوية على إمكانية انتقال المسلمين من موقع "المقيم" إلى موقع "المواطن الفاعل" داخل البنية السياسية المحلية. كما لا يقتصر هذا الانخراط على الحياة الحزبية فقط، بل يمتد إلى النقابات العمالية والاتحادات المهنية، حيث يشارك مسلمون في الدفاع عن حقوق العمال، ومناقشة قضايا سوق العمل، والاندماج الاقتصادي، ومحاربة الهشاشة الاجتماعية.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذا النوع من المشاركة غالبًا ما يتجاوز القضايا المرتبطة بالهوية الدينية، ليشمل ملفات عامة تمس المجتمع الإسباني بأكمله، مثل العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وسياسات الهجرة، مما يعزز صورة المسلم باعتباره مواطنًا كامل الحقوق والواجبات، وليس مجرد ممثل لفئة دينية. لذلك، يمكننا أن نقول: إن جيلًا جديدًا بدأت تتشكل ملامحه يرى في المشاركة الحزبية أداة للاندماج الفعلي، ولإعادة تعريف العلاقة بين الهوية الدينية والانتماء الوطني في إطار ديمقراطي تعددي.

وعلى الرغم من تنامي حضور المسلمين في الحياة الحزبية والعمل العام في إسبانيا، فإن هذا الحضور لا يزال يواجه بعض التحديات، من بينها محدودية التمثيل في المواقع القيادية داخل بعض الأحزاب، إلى جانب تأثير بعض الخطابات السياسية للأحزاب اليمينية المتطرفة التي تتناول قضايا الإسلام والهجرة والأمن والهوية الوطنية، بما قد يجعل المشاركة السياسية لبعض المسلمين أكثر حساسية وتعقيدًا.

كما تتداخل مع ذلك عوامل اجتماعية واقتصادية وإعلامية قد تؤثر في مستوى المشاركة واتساعها؛ فالأولويات المرتبطة بالاستقرار المعيشي والعمل قد تحد أحيانًا من الانخراط المنتظم في النشاط الحزبي والمدني، بينما يمكن لبعض التغطيات الإعلامية التي تركز على قضايا الهجرة أو الأمن أن تسهم في تكوين تصورات جزئية عن المسلمين، في مقابل أهمية إبراز تنوع أدوارهم وإسهاماتهم في المجتمع.

ومن جهة أخرى، يظل تعزيز المشاركة داخل المجتمع المسلم نفسه عاملًا مهمًّا في تطوير هذا الحضور، ولا سيما بين الأجيال الشابة التي نشأت في السياق الإسباني. ومن ثم، فإن توسيع المشاركة في الحياة الحزبية والعمل العام يرتبط بتوفير مساحات أوسع أمام الكفاءات الشابة، وتشجيع الانخراط المدني، وتعزيز ثقافة المواطنة والمشاركة الديمقراطية بما يدعم التعايش والتعددية.

كما أن مشاركة المسلمين في مجالات العمل العام تتيح مساحة مؤسسية مهمة للتعبير عن القضايا التي ترتبط بحياتهم واحتياجاتهم، مثل: حرية المعتقد، والتعليم الديني، ومكافحة التمييز، وسياسات الاندماج والمشاركة الاجتماعية. كما تتيح هذه المشاركة طرح هذه القضايا ضمن الأطر القانونية والمؤسسية المعمول بها، وبما يدعم الحوار والتفاهم بين مختلف مكونات المجتمع.

ولا تقتصر أهمية هذا الحضور على تمثيل المصالح والمطالب، وإنما تمتد إلى تعزيز المشاركة المدنية وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة. فالمشاركة في الحياة العامة تتيح للمسلمين الإسهام، إلى جانب سائر المواطنين، في مناقشة القضايا التي تهم المجتمع، والمشاركة في المبادرات والبرامج العامة، وبناء علاقات مؤسسية قائمة على التعاون والاحترام المتبادل.

وفي المحصلة، فإن تجربة المسلمين في إسبانيا تعكس مسارًا متدرجًا نحو ترسيخ الحضور المدني والمؤسسي ضمن مجتمع يتسم بالتعدد والتنوع. ولا يقاس نجاح هذا المسار بمجرد اتساع الحضور أو ارتفاع مستوى التمثيل، وإنما بمدى قدرة مختلف الأطراف على تحويل هذا التنوع إلى مجال للتعاون والحوار والمشاركة المسؤولة. ومن هذا المنظور، تظل المواطنة المشتركة، واحترام القانون، والانفتاح على المجتمع، والعمل من داخل المؤسسات، ركائز أساسية لبناء علاقة متوازنة ومستدامة بين المسلمين ومختلف مكونات المجتمع الإسباني.

 

وحدة رصد اللغة الإسبانية