حذرت أوساط فلسطينية داخل الأراضي المحتلة عام 1948م من مؤشرات على محاولة نقل نموذج البؤر الاستيطانية الرعوية، الذي توسع خلال السنوات الأخيرة في الضفة الغربية المحتلة، إلى منطقة الجليل، وذلك عقب إقامة بؤرة رعوية جديدة قرب بلدة مجد الكروم. وتخشى هذه الأوساط أن يتحول ما يُقدَّم رسميًّا باعتباره نشاطًا رعويًّا مؤقتًا إلى أداة لفرض وجود استيطاني دائم والسيطرة التدريجية على الأراضي، على غرار ما شهدته مناطق واسعة من الضفة الغربية.
وتستند هذه المخاوف إلى تجربة موثقة في الضفة الغربية، حيث ارتبطت عشرات البؤر الرعوية خلال السنوات الماضية بتوسيع السيطرة على الأراضي الفلسطينية وتقييد وصول أصحابها إليها. لذلك لم ينظر سكان مجد الكروم إلى إقامة الخيام وحظائر الأغنام ومرافق المياه في المنطقة باعتبارها مجرد نشاط زراعي عابر، بل بوصفها مؤشرًا على احتمال استنساخ نموذج استيطاني معروف في بيئة جديدة داخل الجليل.
وفي هذا السياق، نشر موقع "سيحا مكوميت" العبري، المعروف بتوجهه اليساري وانتقاده لسياسات الاحتلال والاستيطان، تقريرًا مطولًا أعده الصحفيان أورن زيف وبكر زعبي، تناول فيه تفاصيل إقامة البؤرة الجديدة، وردود فعل السكان والسلطات، والارتباط الذي يراه الأهالي بين هذه الخطوة وبين دعوات متصاعدة داخل اليمين الصهيوني المتطرف لتوسيع الوجود اليهودي في الجليل والنقب عبر المزارع الرعوية والبؤر الزراعية.
وبحسب التقرير، اكتشف سكان مجد الكروم قبل أيام وجود مجموعة من الشبان اليهود المتدينين في منطقة تابعة للصندوق القومي اليهودي، بالقرب من مستوطنة جيلون. وكان الشبان قد أقاموا خيامًا وحظيرة للأغنام، ووضعوا خزانات مياه ورفعوا علم الكيان الصهيوني، كما جرى تسوية جزء من الأرض باستخدام جرافة، في مشهد وصفه التقرير بأنه يشبه إقامة البؤر الرعوية المعروفة في الضفة الغربية.
وقال بعض السكان: إن أفراد المجموعة أخبروهم بأنهم قدموا من الضفة الغربية، بينما أكدت السلطات أن المجموعة حصلت على تصريح من الصندوق القومي اليهودي للرعي. غير أن سكان البلدة ومحاميًا يتابع القضية شددوا على أن تصريح الرعي لا يتيح إقامة مبانٍ أو إنشاء مستوطنة أو استخدام الأرض للسكن الدائم.
احتجاجات ومخاوف من السيطرة على الأراضي
سرعان ما توجه عشرات ثم مئات من سكان مجد الكروم إلى المنطقة للاحتجاج، خاصة أن الموقع تحيط به أراضٍ خاصة يملكها سكان البلدة. كما شارك في الاحتجاج نشطاء يساريون وسكان من بلدات يهودية مجاورة، بينهم سكان جيلون، في حين فرضت الشرطة في البداية قيودًا على وصول السكان وبعض أعضاء الكنيست إلى المكان.
وأفاد التقرير بأن أفراد الشرطة الذين وصلوا إلى الموقع أكدوا أن وجود المجموعة مخصص للرعي وليس للاستيطان، إلا أن هذه التطمينات لم تبدد مخاوف السكان الذين يرون في تجربة الضفة الغربية نموذجًا لما قد يحدث لاحقًا.
وقال رامي حيدر، عضو اللجنة الشعبية في مجد الكروم وأحد أصحاب الأراضي بالمنطقة: إن السكان اكتشفوا البؤرة في أثناء توجههم إلى كروم الزيتون استعدادًا لموسم الحصاد. وأضاف أن المجموعة بدأت بخمسة أشخاص ثم ارتفع عددها إلى نحو 40 شخصًا، وأن أفرادها استخدموا بئر مياه قديمة ونصبوا عليها مضخة، كما قطعوا أشجارًا من المنطقة.
ونقل التقرير عن أحد أفراد المجموعة قوله: إن "هذه الأرض لنا إلى الأبد"، وهو ما عزز مخاوف السكان من أن الأمر يتجاوز نشاطًا رعويًّا مؤقتًا.
وقال أحد سكان مجد الكروم، سَاتي كيوان: إن وجود الأغنام والسيارات والمياه والمعدات لا يشير، في تقديره، إلى زيارة قصيرة، محذرًا من أن إقامة الخيام والحظائر قد تكون بداية لفرض وجود دائم ثم التضييق على أصحاب الأراضي الزراعية.
إخلاء مؤقت أم نهاية للبؤرة؟
وفي تطور لاحق، فوجئ السكان بقيام أفراد البؤرة بتفكيك خيامهم ومغادرة المكان، مع ترك بعض المعدات خلفهم. ورجح السكان أن يكون ذلك قد جاء بعد شكوى تقدم بها صاحب أرض خاصة وُضعت بعض المعدات عليها.
كما وصل ممثلون عن الصندوق القومي اليهودي إلى الموقع وأبلغوا أفراد المجموعة بأن التصريح الممنوح لهم يقتصر على الرعي ولا يسمح بإقامة مبانٍ أو خيام للسكن.
ومع ذلك، ظل مصير البؤرة غير واضح؛ إذ لم يتأكد ما إذا كان الإخلاء نهائيًّا، أم أنه خطوة مؤقتة يمكن أن تسبق عودة المجموعة أو انتقالها إلى موقع آخر.
نموذج الضفة الغربية يصل إلى الجليل؟
يربط التقرير مخاوف سكان مجد الكروم بتجربة البؤر الرعوية في الضفة الغربية. ويشير، استنادًا إلى تحقيق سابق نشره الموقع عام 2022 إلى وجود عشرات البؤر الرعوية التي سيطرت على مساحات واسعة من الأراضي في المنطقة "ج"، معتبرًا أن الرعي أصبح في بعض الحالات وسيلة لفرض السيطرة على مساحات تتجاوز بكثير المساحة التي تشغلها المباني نفسها.
ولا يساوي التقرير بصورة مطلقة بين الوضع في الجليل والضفة الغربية، إذ إن الجليل يخضع للقانون المدني للكيان الصهيوني، بينما تخضع أجزاء واسعة من الضفة لنظام عسكري. لكنه يرى أن السكان يلاحظون تشابهًا في الأسلوب، يتمثل في إنشاء وجود ميداني يبدأ بالرعي والحظائر والخيام، ثم قد يتوسع تدريجيًّا إلى سيطرة فعلية على المجال المحيط.
ويكتسب الأمر، أهمية إضافية في ضوء تصريحات انتخابية حديثة لعدد من شخصيات اليمين الصهيوني المتطرف بشأن تعزيز الاستيطان اليهودي في الجليل والنقب. وينقل التقرير عن عمر رحاميم، المدير العام لمجلس مستوطنات "يشع" ومرشح عن "الصهيونية الدينية"، دعوته إلى نقل النموذج المستخدم في الضفة الغربية إلى النقب والجليل، بدءًا من السيطرة على الأرض من خلال المزارع ورعي الأغنام والماشية.
كما يشير إلى خطة أعلنها وزير مالية الاحتلال المتطرف بتسلئيل سموتريتش تحت شعار: "نعم. نُهوّد!"، وتتضمن إنشاء 40 بلدة جديدة وعشرات المزارع بهدف زيادة عدد المستوطنين في النقب والجليل. كذلك نقل عن وزير الحرب يسرائيل كاتس قوله: إن الحكومة ستعمل في الجليل على غرار ما فعلته في الضفة الغربية من خلال البلدات والمزارع.
ويرى سكان مجد الكروم أن هذه التصريحات تجعل ما حدث جزءًا من سياق سياسي أوسع. وقال رئيس المجلس المحلي، سليم صليبي: إن أفراد المجموعة أقاموا خيامًا كبيرة وربطوها بالمياه والكهرباء، معتبرًا أن ما يحدث قد يكون بداية لمشروعات أخرى في الجليل.
وفي مواجهة التطورات، أعلنت بلدية مجد الكروم واللجنة الشعبية مواصلة التحرك على المستويات الشعبية والإعلامية والقانونية، ودعت السكان إلى الاستمرار في الوصول إلى المنطقة وأصحاب الأراضي إلى مواصلة زراعة أراضيهم، إلى جانب اتخاذ إجراءات قانونية لمنع تحول الوجود المؤقت إلى واقع دائم.
ومن جانبه، يرى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف أن واقعة إقامة البؤرة الرعوية قرب مجد الكروم تكشف خطورة استخدام الأنشطة الزراعية والرعوية وسيلة لفرض واقع جديد على الأرض، خصوصًا عندما تتزامن مع تصريحات سياسية صهيونية تدعو إلى توسيع الوجود الاستيطاني وتغيير التوازن الديموجرافي في الجليل والنقب. فالتصريح المخصص للرعي لا ينبغي أن يتحول إلى غطاء لإقامة تجمعات دائمة أو التضييق على أصحاب الأراضي في الوصول إلى ممتلكاتهم واستغلالها.
ويؤكد المرصد أن حماية حقوق السكان في أراضيهم وضمان وصولهم إليها مسؤولية قانونية وأخلاقية، محذرًا من أن السماح بتكريس وجود مؤقت ثم تحويله تدريجيًّا إلى واقع دائم يهدد بتكرار أنماط السيطرة على الأراضي التي شهدتها الضفة الغربية.
وحدة الرصد باللغة العبرية