آخر الأخبار

 

03 أكتوبر, 2026

بين الاستعلاء الإيماني والمظلومية التاريخية.. قراءة نقدية في خطاب داعش وتوظيفه المتطرف لقصص الأنبياء

     يعتمد الخطاب الإعلامي لتنظيم "داعش الإرهابي"، كما يتجلى بوضوح في افتتاحية العدد  565 من صحيفة النبأ الداعشية تحت عنوان: "غرس الدين"، على إستراتيجية مركبة تمزج بين "الاستعلاء الإيماني" و"المظلومية التاريخية"؛ يهدف التنظيم من خلال هذا النص إلى اختطاف النصوص الشرعية وقصص الأنبياء، وإعادة تدويرها لتسويغ دمويته، وتصوير عزلته وانكساره الميداني على أنه امتداد لابتلاءات الرسل والصالحين. ونتناول في السطور التالية الأبعاد الأيديولوجية والنفسية للخطاب المتطرف، مع الكشف عن فساد استدلال التنظيمات المتطرفة بالآيات والأحاديث ومواقف الأنبياء مع أقوامهم بمنظار المنهج الوسطي المعتدل، والتأكيد على ضرورة تنمية مهارات التفكير النقدي لدى الشباب لتحصينهم ضد الفكر المتطرف.
أولًا: الأبعاد الأيديولوجية والنفسية للخطاب المتطرف،
يسعى التنظيم من خلال هذا المقال إلى غرس مفاهيم مشوهة في عقول أتباعه لضمان ولائهم الأعمى:
• احتكار الفرقة الناجية والإقصاء المطلق لباقي الفرق:
يفتتح المقال بادعاء أن التنظيم هو "المنبر الوحيد الذي ينادي بالحق". وهذا الاحتكار هدفه إلغاء شرعية جميع المؤسسات الدينية وعموم الأمة الإسلامية، ليصبح التنظيم هو المرجعية الحصرية وممثل السماء على الأرض.
• شرعنة السلاح ضد المجتمعات لـ"إنكار المنكر":
يمهد التنظيم لتسويغ إرهابه بتحريف مفهوم "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، مدعيًا أن إزالة المنكر في هذا العصر لا تتم إلا عبر "القتال في ساحات الفداء"، في محاولة لشرعنة حمل السلاح ضد المجتمعات والدول بدعوى التقويم.
• الإسقاط النبوي وتوظيف القياس توظيفًا فاسدًا:
يربط التنظيم قتلاه وهزائمه بما كابده الأنبياء: (نوح، وهود، وصالح، وشعيب، ومحمد عليهم السلام). ويهدف من ذلك إلى إقناع أتباعه بأن كراهية الأمة الإسلامية لهم ورفضها لإجرامهم هو تمامًا كرفض الأقوام الوثنية لأنبيائهم.
• تحويل "النبذ المجتمعي" إلى دليل صحة:
يعلل المقال الإجماع العالمي والإسلامي على محاربة التنظيم بأنه ضريبة "طريق الحق"، محولًا الهزيمة والنبذ المجتمعي إلى نياشين نصر معنوي، وموهمًا أتباعه بأن "اشتداد الخصومة" هو مقياس اليقين.
ثانيًا: كشف فساد استدلال التنظيمات المتطرفة بمنظار المنهج الوسطي المعتدل
يعتمد التنظيم على منهجية "الخوارج" في اجتزاء النصوص وإسقاط الآيات في غير مقاصدها. وفيما يلي تفنيد تفصيلي لأدلتهم وفق الضوابط العقلية والنقلية لأهل السنة والجماعة من السادة الأشاعرة:

1. احتكار  مفهوم "الغرس" وتوظيف الحديث النبوي في غير سياقه:
يسقط التنظيم حديث ابن ماجه: "لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته" على عصاباته المسلحة التي تستبيح الدماء، معتبرًا أن "الغرس" هو التنظيم المسلح. والحقيقة أن "الطاعة" وفقا للمفهوم الصحيح والمقاصدي عند أهل السنة والجماعة تعني البناء، وحفظ الدماء، وإحياء النفوس، ونشر العلم. يشير الحديث إلى استمرار وجود من يستعملهم الله في طاعته وخدمة دينه، ولا يتضمن تخصيص جماعة بعينها بهذا الوصف. ومن ثم، فإن انتساب التنظيم إلى هذا “الغرس” يحتاج إلى إثبات موافقة أقواله وأفعاله للشرع، ولا يكفي فيه مجرد ادعاء نصرة الدين. إذا فالغرس وفقًا للغة والشرع يفيد الإحياء والنماء، بينما منهج التنظيم يفيد الاجتثاث والهلاك.

1. القياس الفاسد للتنظيم في إسقاط قصص الأنبياء على إجرامه
يستدعي التنظيم الآيات التي تحكي صراع الأنبياء مع أقوامهم الوثنيين، عن قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، مثل قوله تعالى:  ﴿ وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [ الزخرف: 23]، وقوله تعالى:  ﴿ وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [ نوح: 23]، وقوله تعالى:  ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: 70]، وقوله تعالى :﴿قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ [هود: 62]، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: 87] وغير ذلك من الآيات، حيث يوظف التنظيم مثل هذه الآيات ليشبه دفاع المجتمعات الإسلامية عن أمنها واستقرارها بدفاع المشركين عن "أصنامهم"، ويشبه قادته وعناصره الإرهابية بالأنبياء! فأي فساد في الاستدلال بعد هذا!  فلا شك أن هذا هو جوهر الخلل العقدي؛ فالأنبياء دعوا إلى توحيد الله ونبذ الشرك، بينما "داعش" تحارب الموحدين لتأسيس سلطة سياسية دنيوية. والأمة الإسلامية اليوم لا تحارب التنظيم دفاعًا عن "أصنام" أو "آلهة باطلة"، بل دفاعًا عن دينها الذي شوهه التنظيم، وحماية لضرورات الشريعة الكبرى: (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال).  ومما سبق يتبين أن تنزيل آيات المشركين على المسلمين هو أصل بدعة الخوارج.

1. الانحراف الداعشي في مفهوم "إنكار المنكر" واستباحة الدماء
يدعي التنظيم في هذا المقال أن إزالة المنكر تغدو حتمًا قتالًا بالسلاح لتسويغ الخروج على المجتمعات، لكن المنهج الوسطي المعتدل لأهل السنة والجماعة من السادة الأشاعرة يرون أن تغيير المنكر بالقوة المسلحة هو من الصلاحيات الحصرية لـ "ولي الأمر" أو السلطة الشرعية للدولة، لضمان عدم الانزلاق إلى الفوضى والحرب الأهلية، وأن استباحة عصابات مسلحة لهذا الحق تؤدي إلى "منكر أعظم" وهو سفك الدماء، وقاعدة الشريعة الذهبية تنص على أن "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".

1. مغالطة "لوم اللائمين" وتشويه مفهوم "الغربة"
يفسر التنظيم إجماع الأمة على مقتهم بأنه هو "غربة الدين"، وأنهم الفئة الثابتة وسط المحن، وهكذا يخلط التنظيم عمدًا بين "غربة الدين" (وهي التمسك بالأخلاق والسنن في زمن الفساد) وبين "عزلة الإجرام". فرفض الأمة لداعش هو تفعيل لقول النبي ﷺ: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". الإجماع المطلق لعلماء الأمة وعوامها على تجريم هذا التنظيم هو الدليل القطعي على ضلاله، وليس العكس. فالمجرم المنبوذ لجرائمه لا يصح أن يدعي أنه نبي مضطهد.
ثالثًا: ضرورة تنمية مهارات التفكير النقدي وتحصين الشباب
لحماية عقول الشباب من هذا التلبيس، يجب تفكيك الخطاب المتطرف بتنمية المهارات التالية:
التمييز بين النص الشرعي وتفسيره وتنزيله على الواقع:
فالنص القرآني حق مطلق، لكن "تفسير" التنظيم للنص و"إسقاطه" على خصومه هو فعل بشري قابل للخطأ والانحراف. ويجب تدريب الشباب على سؤال: هل ينطبق مناط الآية على هذا الواقع؟
• استحضار المقاصد الكلية:
أي تأويل لنص شرعي ينتهي بصاحبه إلى سفك دم معصوم، أو تخريب عمران، أو تمزيق مجتمع مسلم، هو تأويل باطل قطعًا؛ لأنه يصادم مقاصد الشريعة العليا المبنية على الرحمة ومصالح العباد.
بطلان الاستدلال بالمشقة على صحة المنهج:
يدّعي الفكر المتطرف أن الابتلاء والمشقة دليل حتمي على صحة المنهج. ولكن هذا باطل؛ فالمشقة قد تكون عقوبة إلهية وسنة كونية جزاء البغي. فالعصابات الإجرامية وتجار المخدرات يكابدون المشاق ويُقتلون، فهل يعني ذلك أنهم على حق؟
إن ادعاء حراسة الدين عبر تفجير الأسواق، ونقض العهود، وتكفير عوام المسلمين، ليس غرسًا للدين، بل هو اقتلاع لجذوره وتدمير لصورته. الإسلام حُفظ بوسطية علمائه ورحمة تشريعاته، لا بسيوف الغدر وخوارج العصر.

وحدة الرصد باللغة العربية