تعتمد افتتاحية هذا العدد والتي جاءت تحت عنوان: «أقصانا وأسرانا»، أسلوبًا جليًّا في تضليل القارئ والمراوغة العاطفية؛ إذ تستهل طرحها بعنوانٍ يوحي بالانتصار لقضية الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال (مستغلةً إقرار الكنيست لقانون الإعدام الجديد في 30 مارس 2026)، لكنها سرعان ما تحرف المسار نحو ما تسميهم: «أسرى المسلمين» في العراق. وتكيل الافتتاحية الاتهامات لما وصفتها بـ«المقاومة الرافضية» (الفصائل الشيعية والحكومة العراقية) بتنفيذ إعدامات جماعية وسرية ممنهجة.
يستغل النص أحداثًا واقعية —مثل إغلاق المسجد الأقصى منذ فبراير 2026 ، وقانون الإعدام الإسرائيلي— ليخلق ربطًا قسريًّا بين «اليهود» و«الشيعة» في سياق "العداء المشترك للإسلام". ويمضي النص في التحريض الصريح على إحراق الكنس اليهودية في أمريكا وأوروبا والدول العربية، موظفًا آياتٍ قرآنية ووقائع تاريخية (كفتح عمر بن الخطاب واستعادة صلاح الدين لبيت المقدس) في غير سياقها؛ لتسويغ العنف الطائفي والدعوة إلى «تطهير» الصف الداخلي من المحور الشيعي قبل الالتفات لتحرير القدس.
ويُصنف الخطاب الوارد في هذا النص ضمن الأدبيات التقليدية التي دأب تنظيم «داعش» على تصديرها إلى قرائه؛ فهو خطاب تعبوي يعتمد المبالغة ويفتقر للأدلة الموثقة، ويهدف بالدرجة الأولى إلى إثارة الفتنة الطائفية وتحريض الشباب ضد حكوماتهم في توقيت جيوسياسي حرج. وفي الوقت الذي تقتضي فيه الضرورة توحيد الصفوف وتجاوز الخلافات لمواجهة العدوان الخارجي، نجد هذا الخطاب يعمل على تفتيت المجتمعات وضرب استقرارها.
وثمة تناقض داخلي صارخ وتلاعب مقصود لجذب القارئ؛ إذ تقر الافتتاحية صراحةً: «للوهلة الأولى سيبدو لك... أننا نتحدث عن قضية الأسرى الفلسطينيين»، قبل أن تنعطف فجأة نحو ملفات أخرى. هذا الأسلوب يهدف إلى استغلال التعاطف الشعبي مع فلسطين لتوجيه دفة الغضب نحو خصوم التنظيم الطائفيين. هذا التوجه يكشف عن تناقض تكتيكي مع منهج التنظيم نفسه؛ فالأعداد السابقة (مثل العدد 412) وصفت المقاومة الفلسطينية بـ«الفرقة الضالة»، واليوم يستغل التنظيم معاناتهم لاستدرار العواطف، وهو أسلوب دعائي وثّقته دراسات «مرصد الأزهر لمكافحة التطرف».
أما بشأن الادعاءات حول «الإعدامات الجماعية» في العراق، يزعم كاتب النص وقوع تصفيات يومية وسجون سرية تحت الأرض. وبالنظر إلى الواقع الميداني، لا توجد تقارير من منظمة العفو الدولية أو الجهات الحقوقية الأممية تؤكد وقوع إعدامات عشوائية في أبريل 2026، ورغم أن مشكلة اكتظاظ السجون في العراق قائمة وموثقة، فإن النص يحورها من مشكلة إدارية وقانونية إلى «مذبحة طائفية» دون برهان، متجاهلًا أن الإعدامات المنفذة هي أحكام قضائية مرتبطة بجرائم إرهابية مثبتة.
وفيما يخص الدعوة لإحراق الكنس اليهودية واستهداف المدنيين، فإن هذا المسلك يخالف أصول الإسلام التي كفلت حماية دور العبادة. يقول تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَواتٌ وَمَساجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً﴾ [الحج: 40]. كما روي أن الخليفة أبا بكر الصديق رضي الله عنه قبل فتح بلاد الشام (12 هجرية) قال: يا أيها الناس، قفوا أوصيكم بعشر فاحفظوها عنى: لا تخونوا ولا تغلوا، ولا تغدروا ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلًا صغيرًا، ولا شيخًا كبيرًا ولا امرأة، ولا تعقروا نخلًا ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاةً ولا بقرة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، وسوف تمرون بأقوام قد فرغوا أنفسهم في الصوامع؛ فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له،... وقد صنفت «دار الإفتاء المصرية» و«رابطة العالم الإسلامي» هذا الخطاب فكرًا «خارجيًّا» يمرق من جوهر الشريعة التي تعصم دماء من نطق بالشهادتين وتحرم الغدر بالمدنيين.
وأخيرًا، يورد النص مغالطات تاريخية صارخة بحق الخليفة عمر بن الخطاب وصلاح الدين الأيوبي، مدعيًا اعتمادهما "الإبادة" في فتوحاتهم. والحقيقة التاريخية التي أقر بها المؤرخون المنصفون من الشرق والغرب تؤكد أن فتح بيت المقدس واستعادتها كانا نموذجين في العدل والتسامح، وما «العهدة العمرية» إلا شاهدٌ حي على صون دماء وأموال وأعراض أهل الكتاب.
ويمثل هذا الخطاب نموذجًا جليًّا للفكر «الخارجي» المعاصر؛ القائم على اجتزاء النصوص وتحريف التاريخ وتوظيف الأحداث الراهنة لخدمة أجندات تدميرية. إنه خطاب لا يخدم إلا أعداء الأمة، إذ يعمل على تحويل البوصلة من مواجهة الاحتلال والأزمات التي تمر بها المنطقة إلى صراعات داخلية دامية، مما يضعف وحدة المسلمين في مرحلة تاريخية تتطلب أقصى درجات التماسك والوحدة.
وحدة الرصد باللغة الإسبانية