أولًا: التعريف والمفهوم
بات مصطلح الطائفية يتردد على مسامعنا كثيرًا؛ لانتشاره في المجتمعات الإنسانية؛ الانتشار الذي تسبب في تفكك دول بعينها وتدمير أنسجتها المجتمعية والإنسانية، وهو ما أدى بدوره لملايين الضحايا من الأبرياء ... انتشار جعل الوجه السلبي للمصطلح هو الأكثر بروزًا ورواجًا، رغم أن لنفس المصطلح جانب إيجابي غير مظلم، لكنه بالتأكيد ليس الأشهر أو الأبرز على الساحة العالمية.
ويمكن القول بأن "الطائفية" من المصطلحات الشائكة والغامضة في الوقت ذاته؛ بسبب الخلط والتداخل في المعنى والاصطلاح مما أسهم بدوره في زيادة غموضه، ما يتطلب وضع تعريف واقعي له، وتوضيح لأسبابه الحقيقية في المجتمعات الإنسانية؛ لفهمه.
"الطائفية" في اللغة
لم تعرف الثقافة العربية والإسلامية هذا المصطلح إلا في العصور المتأخرة، لكنها وفق لسان العرب تعني: الرجل الواحد إلى الألف، وقيل الرجل الواحد فما فوقه، وقيل أيضًا: إن أقله رجل. وقال عطاء: أقله رجلان. ويقال طائفة من الناس وطائفة من الليل، وفي الحديث: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق". والطائفة من الشيء: جزء منه.
وعرفها البعض بأنها مشتقة من جذر متحرك ومأخوذ من "طاف، يطوف، طوافًا فهو طائف([1]). ويقابلها في الإنجليزية كلمة: "Sectarianism"، وهي من "Sect"، المأخوذة من الأصل الفرنسي"secte"، أو من الأصل اللاتيني "secta"، والتي تعني "الأتباع" أو "العُصبة" أو "الطائفة"، وكلها من الأصل "Sequi"، بمعنى "تابع"([2]).
وكلمة "secta" اللاتينية كان استخدامها وقتها حياديًّا وارتبط بأتباع فكرة بعينها فلسفية، أو دينية، أو غيرهما، وفي اليونانية كانت كلمة "Hairesis"، والتي تعني الاختيار، ثم أصبحت تعني التيار الفكري أو الديني المرادف لكلمة "secta"([3]).
وتعني في الاصطلاح حسب معجم "Oxford" الإلكتروني: التقيُّد ضيق الأفق بطائفة معينة سواء كانت سياسية، أو عرقية، أو دينية، ذلك التقيد والتعصب الذي غالبًا ما يؤدي إلى الصراع مع طوائف مختلفة أو من لديهم معتقدات مختلفة.
وغالبًا ما تكون النزاعات الطائفية أرضًا خصبة لأعمال الإرهاب وتشكيل الجماعات الإرهابية. وفي المصادر العربية: "الطائفية في إطارها التقليدي هي تعبير عن حالة انتماء لمذهب، أو دين، أو عرق، لتتحول إلى هوية مستقلة تحاول أن تحل محل القومية أو الوطنية"([4]).
ويعرفها البعض بأنها: "ليست بالضبط تجسيدًا للطائفة أو تعبيرًا عنها، كما أنها ليست مرادفًا لها... متى تحولت الطائفية إلى أيديولوجية أو عقيدة سياسية، تكون قد أعادت ربط الأفراد أنفسهم، المنحدرين من طبقات اجتماعية متعارضة في المصالح والرؤى، ولكنهم ينتسبون إلى مذهب واحد في المجتمع في رابطة جديدة، تقوم على أساس تصعيد المشاعر وتقديس (الهوية الفرعية)"([5]).
وعند تعريف الطائفية لابد من الأخذ في الاعتبار عددًا من الأبعاد منها البعد النفسي، والذي يكون تعريفها طبقًا له: "حالة نفسية قوامها شعور المواطن أنه ابن طائفته قبل أن يكون مواطنًا، وشعوره بالتضامن مع أبناء طائفته والتباعد عن باقي مواطنيه". أما بالنظر للبعد الديني والاجتماعي والتاريخي، فيمكن تعريف الطائفية على أنها: اتباع دين أو مذهب معين من قبل جماعة تمثل امتدادًا أو تواصلًا تاريخيًّا وذات حدود اجتماعية، ولها ناطقون باسمها سواء كانوا علمانيين أو رجال دين، يتكلمون عنها ويصوغون مصالحها بلغة التعايش والخصوصية مع الجماعات الأخرى([6]). أيضًا هي: "ظاهرة نفسية ودينية واجتماعية واقتصادية وسياسية في الوقت نفسه، أما درجة تأثير هذه المظاهر فيها، فتختلف بالنسبة للحقبة التاريخية وبالنسبة لهيمنة إحدى هذه المظاهر على المظاهر الأخرى"([7]).
من كل التعريفات السابقة، يمكن القول بأنه رغم شيوع المصطلح في كثير من المجتمعات، لكن يبقى مفهوم "الطائفية" أحد أبرز المفاهيم المعقدة والمركبة؛ لوجود أبعاد ثقافية وسياسية واجتماعية ونفسية مؤثره فيه ومرتبطة به، ومركب لكونه يعبر عن ظاهرة متعددة الأبعاد، سياسية كانت أو دينية([8])، كذلك لارتباطه بالكثير من المفاهيم الأخرى مثل: المذهبية والعرقية والإثنية، وهو ما سيتم التطرق له تباعًا.
ومن جملة هذه التعريفات يمكن القول بأن "الطائفية": حالة ما تعبر عن منظومة قد تكون دينية، أو مذهبية، أو عرقية، أو غيرها؛ تشمل جماعة بعينها من الخاص داخل المجتمع الواحد، والذين يتقيدون بقوانين وقواعد هذه المنظومة ويتأثرون بها وبكل ما ينتج عنها، ويُؤِّثرُون من خلالها أيضًا على الأصعدة كافة.
ثانيًا: دلالات المفهوم
كما أنه لا يوجد للطائفية تعريف واحد متفق عليه؛ نظرًا لطبيعتها الشائكة والمعقدة، لا يوجد أيضًا اتفاق بين الباحثين والمتخصصين على دلالة هذا المصطلح من الناحية الإيجابية أو السلبية، حيث يرى البعض أن للمصطلح ومفهومه دلالات إيجابية، والبعض يرى العكس. ففيما يخص الدلالة الإيجابية لمفهوم الطائفية، قد يمنح البعد السياسي والقانوني هذه الدلالة لمفهوم الطائفية في عدد من المجتمعات، وبناء على ذلك يكون هناك تعريفات إيجابية تُضاف للتعريفات العامة السابقة، منها أنه:
"يتضمن فكرة الأقلية العددية الصغيرة المتحركة في إطار الكل المشدودة إليه، بغض النظر عن دينها، أو عرقها، أو لغتها"، واعتبر أصحاب هذا التعريف أن اللفظ قد ظل يستخدم للإشارة إلى كيانات متعددة مختلفة في خصائصها، ولم يتحول المصطلح لأزمة إلا في الآونة الأخيرة؛ بسبب عدد من العوامل الداخلية والخارجية، واختلاطه بمفاهيم أخرى وتأثره بعوامل كثيرة داخلية وخارجية، مما جعل المفهوم يتقارب مع مفاهيم أخرى لها أبعاد دينية وسياسية.
كما يرى آخرون أن المصطلح "لا يدل على عدوان ولا قتال وإنما تعصب في الانتماء إلى طائفة يحمل على استحسان مذهبها والدفاع عنه وذم غيره ولو لم يكن ذلك لما اختار الشخص طائفة على غيرها من الطوائف ولا يلزم من طائفية الشخص الاعتداء على الآخرين"([9]). أيضًا هي: "مجموعات من الأفراد أو الجماعات البشرية لها توجه ديني أو مذهبي أو عرقي واحد، تحاول أن تقوم بواجباتها وتضمن حقوقها في إطار قانوني وسط أغلبية مختلفة عنها، داخل نظام سياسي يكفل حمايتها من الاضطهاد أو التعصب أو التطرف، وفي جو من الحرية"([10]).
وفي هذا السياق يرى عدد من المفكرين والباحثين أن "الطائفية" تعني النظام الحامي للطوائف والمؤمن لحقوقهم والمحافظ على استقرار النظم السياسية في المجتمعات متعددة الهوية، فهو يحمل في مفهومه أفكارًا سلمية تدعو للتعايش والتجانس والسلام، وبالتالي يكون النظام الأمثل لحماية الأفراد المختلفين من الناحية العقائدية أو العرقية أو غيرهما([11]). وبناء على ذلك تكون "الطائفية" عبارة عن نظام قانوني يتناسب مع المجتمعات متعددة الهوية أكثر من أي نظام آخر؛ لكونه يضمن حدوث التوازن السياسي بين أنسجة المجتمعات التعددية، حيث إنه يسمح بتمثيل جميع الطوائف التي تتشكل منها تلك المجتمعات وتكون على مستوى واحد دون تغليب فئة على حساب أخرى، وذلك رغم انطوائه على بعض النتائج السلبية، ورغم الصعوبات التي يواجهها النظام في السيطرة على النظام الطائفي([12])، ونظام يشمل طوائف تضم تحت مظلتها جماعات، أو أقليات تشترك في نفس الدين، أو المذهب، أو العرق، ومن الطبيعي أن تدافع عن مقدساتها ومبادئها، باعتبار أن هؤلاء الأفراد لهم الحق في التعبير عن أنفسهم واختلافهم الديني أو غيره([13]).
أما بالنسبة للدلالة السلبية لمفهوم الطائفية، وهو الاتجاه السائد والأكثر شهرة، والذي يرى بعض من يتبناه أن المصطلح في بدايته كان إيجابيًّا، لكن مع تطور الأحداث تماس مع غيره من المفاهيم التي نزعت عنه المعنى الإيجابي للمعنى السلبي. وبناءً على هذا الاتجاه، عَرَّفَ البعض الطائفية على أنها: "شكل من أشكال التحزب، وهي في العديد من الحالات تتناقض مع الديمقراطية، كما أنها تعني الشمولية في جوهرها، حيث تمنع تمثيل المواطنين كافة، وتحد من الرغبة في الاستقلالية إضافة إلى ذلك فهي تنشر ثقافة الخوف، والأسوأ من ذلك تعميق العنصرية والتي تكون نتيجة لتلك النظرة السيئة التي يحملها كل طرف ضد الآخر". وتعرَّف أيضًا بأنها: "اعتماد لسياسة التمييز الطائفي بين المواطنين وتشجيع حالات الصراع المذهبي لأغراض سياسية، فالصراع الطائفي والصراع السياسي وجهان لعملة واحدة يهدفان إلى تهديم استقرار الدول". كما تعرف بأنها: "نظام سياسي اجتماعي متخلف، يرتكز على معاملة الفرد جزءًا من فئة دينية تنوب عنه في مواقفه السياسية، ولتشكل مع غيرها من الطوائف الجسم السياسي للدولة، وهو كيان ضعيف لأنه مكون من مجتمع تحكمه الانقسامات العمودية التي تشق وحدته وتماسكه"([14]).
وهنا يمكن القول بأن الدلالة السلبية لهذا المصطلح جاءت بسبب الخلط بين الطائفية والتعددية التي من المفترض أن تكون نقطة قوة للمجتمعات لا ضعف بالسياسة؛ حيث تستخدمها الأخيرة أداة من أدواتها لتحقيق بعض المكاسب على حساب وحدة النسيج الوطني، ولأن الخطر السياسي يكون محدقًا في حال تلبس بالانقسامات الدينية والإثنية، وذلك باستخدام العصبيات الدينية والإثنية المرتبطة بظاهرة المحسوبية وغيرها، بهدف الالتفاف على القوانين، وتحويل الدول لساحات للاقتتال الداخلي؛ لتحقيق مصالح جزئية وخاصة([15]).
ويمكن القول بأن ارتباط الطائفية وتماسها مع بعض المصطلحات الأخرى كان سببًا من أسباب رواج الدلالة السلبية للمصطلح عن الدلالة الإيجابية، والتي منها الإثنية: ([16])Ethnicity، والتي في حال وجدت – أي الإثنيات - مع نزعة من الغلو والتطرف في مجتمعات بعينها، أو في حال كونها جماعة يمارس ضدها نوع من التمييز أو العنصرية، أو في حال استغلال هذه الإثنيات من قبل أجندات داخلية أو خارجية، هنا تخرج الطائفية، ويصبح الصراع أو النزاع الداخلي أمرًا حتميًّا قد يستدعي على المدى الطويل التدخل الدولي. والتعصب Bigotry، والذي يقصد به "التزمُّت" و"الغلو" والتمسك ضيق الأفق بعقيدة أو فكرة ما، وهو ما يؤول في كثير من الأحيان إلى التحقير أو الاستخفاف بالآخر وآرائه ومعتقداته، وقد يدفع بدوره نحو الصدام والصراع، وغيرها من المصطلحات التي متى اقترنت بالغلو والتشدد كان هذا مؤشرًا على حتمية وقوع المجتمعات في براثن الطائفية بمعناها السلبي المدمر. وأن اشتقاق "طائفية" من كلمة "طائفة"، لا يعني أن الانتماء للطائفة يُعَدّ طائفية بمعناها السلبي أو حتى صورة من صورها، فالانتماء والولاء في حد ذاته شيء محمود ومطلوب طالما لم يتشدد له صاحبه التشدد الذي يوقعه في براثن التطرف الموجه ضد الطوائف والفئات الأخرى، والذي تظهر معه الطائفية وتصبح واقعًا مجتمعيًّا قد يؤدي لتحويل المجتمع والدولة بأكملها لحاضنة للجماعات الإرهابية.
وحدة البحوث والدراسات
([1]) انظر: ابن منظور، لسان العرب، فصل الطاء المهملة، ط3، ج9، 1414هـ، ص226. وانظر أيضًا: محمد رشيد صبار، أمجد زين العابدين طعمة، الدعاية الطائفية: دراسة تحليلية في واقع ومستقبل الظاهرة (العراق أنموذجًا)، مجلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، مجلد 47، عدد2، ملحق1، 2020م، ص501.
([3]) انظر: فريدة بن جدة، مرجع سابق ذكره، ص30.
([4]) انظر: فريدة بن جدة، مرجع سابق ذكره، ص31.
([6]) انظر: فريدة بن جدة، مرجع سابق ذكره، ص32.
([7]) انظر: فؤاد شاهين، الطائفية في لبنان: حاضرها وجذورها التاريخية والاجتماعية، دار الحداثة، بيروت، ط2، 1986م، ص43.
([8]) انظر: فريدة بن جدة، مرجع سابق ذكره، ص32.
([9]) انظر: أسامة زايدي، الطائفية الدينية وأثرها على الاستقرار السياسي في الدولة: دراسة حالة لبنان، رسالة ماجستير، قسم العلوم السياسية، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة العربي بن مهيدي، 2016/ 2017، ص13.
([10]) انظر: المرجع السابق، ص14.
([11]) انظر: المرجع السابق، ص12.
([12]) انظر: المرجع السابق، ص12.
([13]) انظر: المرجع السابق، ص13.
([14]) انظر: المرجع السابق، ص13، 14.
([15]) انظر: المرجع السابق، ص14.
([16]) الإثنية: مجموعة من السكان لها أسطورة الأصل المشترك، وتتقاسم ذكريات تاريخية، ولها عناصر ثقافية، ومرتبطة بإقليم خاص ومتضامنة". وهي مشتقة من الكلمة اليونانية (Ethnos)، والتي تعني الأفراد الذين ينحدرون من نفس الأصل، وتعني كذلك الأمة، أو الشعب، أو القوم، فهي قائمة في الأساس على وجود أصل مشترك تبدو معالمه في السمات الشكلية والجسمانية في المقام الأول، ثم السمات اللغوية، والدينية، وغيرهما. بينما هناك رأي آخر فيما يخص أصل الكلمة المشتقة منها كلمة Ethnicity، وهي أنها مشتقة من الكلمة اليونانية Eovikos، والتي تعني الوثني، أو غير المتمدن، حيث كان هذا المصطلح مستخدمًا لدى الإغريق للدلالة على الشعوب التي لم تطبق نظام دولة المدينة (City of State).