"سلسلة الوعي (4)" أصحاب الأرض.. وعي حي يؤرّق مضاجع العدو

  • | الثلاثاء, 21 أبريل, 2026
"سلسلة الوعي (4)" أصحاب الأرض.. وعي حي يؤرّق مضاجع العدو

“أثبتت بعض الأعمال الفنية التي تُعرض مؤخرًا — كما بلغني من كثير من المتابعين — أنه يمكن أن تكون الرسالة قوية، فتعرض للشباب جزءًا من تاريخهم وحاضرهم، وتقدّم لهم نماذج القدوة الصالحة من أبطال هذا الوطن وشهدائه الذين ضحّوا من أجله”.

(من حديث فضيلة الإمام الأكبر د. أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف)

بهذا الاقتباس نبدأ رابع مقالات سلسلة الوعي، الذي يتناول أحد أحدث الإنتاجات الدرامية المصرية خلال شهر رمضان المعظم (2026م)، مسلسل “أصحاب الأرض”؛ تلك الرائعة الدرامية التي جاءت لتوثّق مرحلة عصيبة في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال الصهيوني الغاشم.

لقد أرّق هذا العمل مضاجع العدو، حتى إن متحدثته الرسمية ظهرت في مقطع مصوَّر تهاجم المسلسل وتنتقده، لما أحدثه من ردود فعل واسعة في الأوساط الشعبية داخل مصر وفلسطين وخارجهما، بعد أن سلّط الضوء على معاناة شعبٍ أبيٍّ لم يرتكب ذنبًا سوى تمسكه بأرضه ودفاعه عن عرضه وحقوقه.

يرتكز العمل الدرامي في تناوله للأحداث على شقين أساسيين:

الأول: معاناة الشعب الفلسطيني بشكل عام، وأهل غزة بشكل خاص.

والثاني: دور مصر — الذي قد يغيب عن إدراك كثيرين — في دعم الشعب الفلسطيني وقضيته.

وقد تجسّد هذا الدور من خلال شخصية البطلة، الطبيبة المصرية المتطوعة ضمن
إحدى فرق الإغاثة المتجهة من مصر إلى غزة، خلال العدوان الصهيوني الذي أعقب أحداث
السابع من أكتوبر عام 2023م. طبيبة فُجعت بالواقع المرير، وشهدت الأوضاع غير الإنسانية التي خلّفها العدوان على البشر والحجر والشجر، فعاشت تجربة قاسية بين الألم والفقد، وبين الأمل في النجاة والرغبة في الحياة، وسط الأشلاء والركام وصوت القذائف.

رسائل من نور

لكل عمل درامي رسائل، مباشرة كانت أو غير مباشرة. وبالتأمل في أحداث مسلسل “أصحاب الأرض”، نجد أن رسالته المباشرة تتمثل في تسليط الضوء على حقيقة ما يعانيه الشعب الفلسطيني على يد آلة الاحتلال المدعومة عالميًّا، ورصد جانب من الواقع المعيش في الأراضي المحتلة، توثيقًا لحجم المعاناة التي يتغافل عنها المجتمع الدولي عمدًا.

أما الرسائل غير المباشرة، فقد جسّدها أبطال العمل من مختلف الفئات العمرية: الكهول، والشباب، والأطفال؛ وهم أضلاع مثلث المجتمع الفلسطيني.

الكهل

“عم إبراهيم”، الرجل المسن الذي يعيش في غزة، وله أبناء وأحفاد عدة، لكنه في كثير من المشاهد لا يتذكرهم بسبب إصابته بمرض الزهايمر. ورغم ذلك، ظل يحتفظ في ذاكرته بكل تفصيلة تتعلق بوطنه وتاريخه ونضاله.

كان “عم إبراهيم” بمثابة المرشد وسط الحطام الذي أخفى معالم الطرق في أحياء غزة التي دمرها العدوان، حاملًا رسالة عميقة مفادها:

“قد ننسى كل شيء… لكن الوطن لا يُنسى، فهو الذاكرة الباقية”.

الشباب “ناصر”

الأب والشاب والعم الذي عاش معاناة مضاعفة؛ فقد ظل في قطاع غزة مع إخوته وأبنائهم، بينما ترك بناته في الضفة الغربية. وبينما كان يستعد للسفر خارج البلاد سعيًا لتوفير حياة آمنة لبناته، سلبه الاحتلال تلك الفرصة.

دُمّر حيّهم بالكامل، واستُشهدت عائلته كلها، ولم ينجُ منهم سوى “ناصر”، وابن أخيه الطفل، وأخوه الشاب المناضل. وعلى الجانب الآخر، في الضفة الغربية، اعتُقلت ابنته دون وجه حق.

وتحمل هذه القصة رسالة واضحة:

“طالما وُجد الاحتلال، سيظل البطش قائمًا، مهما اختلفت صوره بين قتلٍ أو اعتقال، وبين تدميرٍ أو ترهيب… فالنضال سيبقى مستمرًّا”.

“مجد” الشاب المناضل الذي حمل سلاحًا من نوع آخر: العدسة.

وثّق بها ما يتعرض له الغزّاويون من تنكيل وتهجير، وسجل انتهاكات الاحتلال لحرمة الشهداء داخل المستشفى الميداني أثناء اقتحامه، دون مراعاة لحرمة ميت أو مريض.

ورغم هذا النضال السلمي، لم يسلم “مجد” من رصاص القناصة، ليستشهد في أثناء محاولته البحث عن علبة حليب لإطعام رضيع وُلد وسط الركام.

وجاءت رسالته واضحة:

“الحقيقة لا تموت بموت أصحابها، وما وثّقته عدسات الواقع سيظل شاهدًا على صمت العالم”.

“فدوى”

المرأة الفلسطينية التي حاولت الاختفاء طوال أحداث المسلسل عن أعين الاحتلال، حتى تتمكن من وضع مولودها بسلام. شابة لم ترتكب ذنبًا سوى كونها أختًا لمناضل يمارس حقه المشروع في مقاومة الاحتلال.

ظلت مطاردة حتى لفظت أنفاسها الأخيرة بعد ولادة طفلها، الذي جاء رمزًا لمستقبل فلسطين.

وكانت رسالتها:

“من رحم المعاناة تولد الحياة… والمستقبل لأبناء هذا الوطن”.

الأطفال “يونس”

الطفل الغزّاوي البريء، الذي سُلبت طفولته عندما أُصيب في إحدى الغارات. حاول الاحتلال سرقة ابتسامته، لكنه ظل متمسكًا بالحياة، رغم الحصار والدمار ونقص الإمكانات الطبية.

وفي نهاية المطاف، عاد متعافيًا، مبتسمًا، يمارس لعبته المفضلة: كرة القدم.

وكانت رسالته:

“نحن أصحاب الأرض… متمسكون بالحياة ومتشبثون بالأمل”.

ماذا فعل بنا الاحتلال؟!

إلى جانب الرسائل السابقة، صوّر المسلسل جانبًا آخر من المعاناة الإنسانية، حيث دفعت قسوة الظروف بعض الأهالي إلى التنازع فيما بينهم على كيس من الطحين، لتأمين قوت يومهم.

نقص الغذاء كاد أن يزرع الفرقة بينهم، لولا تذكّرهم أنهم في خندق واحد، يواجهون عدوًّا واحدًا.

كما صوّر العمل مشاهد مؤثرة لركض الأهالي خلف المساعدات التي تُلقى من الطائرات، في محاولة للحصول على ما يسد الرمق، في ظل حصار خانق حرمهم من الغذاء
والدواء.

ومن أكثر المشاهد إيلامًا، اضطرار الناس إلى تأجيل الحزن على شهدائهم؛ إذ لم يعد هناك متسع للبكاء، وسط تزايد أعداد الضحايا.

وكان لسان حالهم يقول:

“لا وقت للحزن… فعلى من نبكي وكل دقيقة تُفجع أسرة جديدة؟!”

مصر والقضية الفلسطينية

في الوقت الذي يحاول فيه البعض التقليل من الدور المصري تجاه فلسطين، جاءت أحداث المسلسل لتُبرز جانبًا من هذا الدور، الذي أشاد به كثير من الفلسطينيين، خاصة من أهل غزة، مؤكدين صدق ما عرضه العمل الدرامي.

كما جسّد المسلسل مظاهر الترابط الشعبي بين الشعبين المصري والفلسطيني، وهو ترابط نابع من وحدة المصير والمسؤولية.

فمن منا لم يشاهد الفلسطينيين وهم يرفعون أعلام مصر؟

ومن منا لم يرَ تجمعهم لمتابعة مباريات المنتخب المصري أو الأندية المصرية، رغم قسوة الظروف؟

وقد ظهرت هذه الروح في مشهد طريف داخل المسلسل، من خلال الجدال الكروي بين “ناصر” المشجع المتعصب لنادي الزمالك، وأخيه وابن أخيه المشجعين للنادي الأهلي.

أما الطبيبة المصرية التي خاطرت بحياتها وسافرت إلى قطاع غزة، فقد كانت رمزًا لدور مصر الإنساني. وكذلك السائق المصري الذي تحدّى المخاطر لإيصال المساعدات، فكان تجسيدًا حيًّا لدور الشعب المصري في دعم القضية الفلسطينية.

عندما قامت وحدة البحوث والدراسات بإعداد دراسة حول دور مصر في دعم القضية الفلسطينية عبر العقود الماضية، ظهرت مصر خلال تلك الدراسة كالأم الحقيقية التي تدافع عن أبنائها، وتبذل الجهد تلو الآخر دون انتظار مقابل.

وربما لأن مصر اعتبرت ما تقدمه واجبًا طبيعيًّا، لم تسعَ كثيرًا إلى توثيق جهودها، مما أتاح للبعض فرصة التشكيك أو التقليل من دورها.

لكن هذا المسلسل — كأحد أدوات القوة الناعمة — جاء ليذكّر بدورٍ ولو جزئي من تلك الجهود، ويؤكد أن فلسطين ستظل دائمًا في القلب والوجدان المصري.

حمى الله مصر، وكتب الحرية للأقصى، والنصرة للقضية الفلسطينية وشعبها المناضل.

وحدة البحوث والدراسات

طباعة