لا تبدأ معارك الهوية دائمًا من ساحات القتال، فقد تبدأ من مقعد دراسي وكتاب مدرسي وصفحة تُفتح أمام طفل في سنواته الأولى؛ حيث تتشكل ملامح الوعي، وتتكون صورة الإنسان عن تاريخه وأرضه وانتمائه. وفي القدس الشرقية، يدفع الاحتلال بالتعليم إلى قلب معركة الهوية، عبر مسار طويل ومتدرج نحو أسرلة المنظومة التعليمية، بلغ هذا العام مرحلة غير مسبوقة منذ احتلال الجزء الشرقي من المدينة المقدسة 1967م.
فمع انطلاق العام الدراسي 2026/2027م، ستدرس جميع الصفوف الجديدة التي تُفتتح في المدارس الرسمية بالقدس الشرقية المنهج الصهيوني للمرة الأولى منذ عام 1967م، في تطور يكشف انتقال سياسة الاحتلال من مجرد محاولة فرض منهجه على مدارس المدينة إلى توسيع نطاق اعتماده بصورة متدرجة داخل منظومة التعليم الرسمي.
من مقاومة المنهج الصهيوني إلى اتساع نطاقه
منذ احتلال القدس الشرقية عام 1967، ظل التعليم في الجزء الشرقي من المدينة مرتبطًا بمنظومة التعليم في الضفة الغربية؛ إذ استمر تدريس المنهج الأردني وإجراء امتحانات الثانوية العامة الأردنية. وفي أعقاب الاحتلال، حاولت سلطات الاحتلال فرض المنهج الصهيوني على المدارس، لكنها واجهت مقاومة فلسطينية واسعة، تمثلت في إضراب طويل شارك فيه المعلمون وأولياء الأمور والطلاب، ما دفعها إلى التراجع عن مطلبها.
وفي تسعينيات القرن الماضي، ومع إنشاء السلطة الفلسطينية، حل المنهج الفلسطيني محل المنهج الأردني في مدارس القدس الشرقية، وأصبح يُدرّس في التعليم الخاص، ولا سيما مدارس الأوقاف، وفي المدارس "المعترف بها وغير الرسمية"، وكذلك في المدارس البلدية الرسمية، بينما كان الطلاب يتقدمون لامتحان "التوجيهي" الفلسطيني، الذي كانت الجامعة العبرية تعترف به لأغراض القبول في برامج الدرجات الجامعية.
وهكذا، حافظ المقدسيون على حضور المنهج الفلسطيني في مدارس المدينة لعقود، رغم محاولات الاحتلال المبكرة لفرض منهجه.
وخلال السنوات الأخيرة، اتبعت سلطات الاحتلال سياسة تدريجية لتوسيع نطاق التعليم الصهيوني، عبر الضغوط على المؤسسات التعليمية، إلى جانب تقديم الدعم للمؤسسات التي تنخرط في هذا المسار، بما يعزز إحكام سيطرتها على منظومة التعليم في القدس الشرقية وإضعاف حضور المنهج الفلسطيني.
44 ألف طالب.. قفزة تكشف سرعة التغيير
تكشف الأرقام حجم التحول الذي طرأ على منظومة التعليم في القدس الشرقية خلال السنوات الأخيرة؛ فعدد الطلاب الفلسطينيين الذين يدرسون المنهج الصهيوني ارتفع من 12 ألف طالب في 2021م، قبل أن يقفز 44,448 طالبًا في 2026/2027م. وبذلك، سيدرس نحو 38% من الطلاب الفلسطينيين في القدس الشرقية المنهج الصهيوني خلال العام الدراسي الجديد، من أصل قرابة 120 ألف طالب.
وتتركز غالبية هؤلاء الطلاب في 105 مدارس بلدية بالجزء الشرقي من المدينة، ويبلغ عددهم 39,363 طالبًا، بينما يدرس 5,085 طالبًا في مؤسسات تعليمية "معترف بها وغير رسمية».
ومع ذلك، لا يزال المنهج الفلسطيني حاضرًا في عدد من الصفوف؛ إذ تستمر بعض الصفوف الدراسية المتقدمة في المدارس الابتدائية والثانوية، من الصف الثاني إلى السادس ومن الصف الثامن إلى الثاني عشر، في تدريس المنهج الفلسطيني، كما يستمر تدريسه في المدارس غير الرسمية، بما فيها المدارس الخاصة والمدارس "المعترف بها وغير الرسمية".
سياسة تدريجية لإعادة تشكيل منظومة التعليم
لم يأتِ هذا التحول دفعة واحدة، وإنما جاء نتيجة مسار متدرج تداخلت فيه الضغوط الرسمية مع التحولات التي طرأت على منظومة التعليم في المدينة. ففي عام 2018م، أقرت الحكومة الصهيونية "الخطة الخمسية" للجزء الشرقي من القدس، التي خصصت تمويلات لتشجيع أسرلة منظومة التعليم. وبالتوازي، أقر الكنيست قوانين تحرم من الاعتراف الأكاديمي أولئك الذين درسوا في جامعات الضفة الغربية.
ويرتبط هذا المسار كذلك بالتغير الذي طرأ على إدارات المدارس البلدية؛ إذ أصبح معظم مديريها من سكان القدس، بخلاف ما كان عليه الحال في السابق، عندما كان معظم المديرين من فلسطيني الداخل (48) القادمين من الجليل أو منطقة المثلث. ووفق مسؤول في منظومة التعليم، أسهم كون المديرين في الماضي من خارج العائلات المقدسية في زيادة شكوك السكان تجاه منظومة التعليم الرسمي.
الأونروا.. فصل آخر من أسرلة التعليم
لا تقف سياسة السيطرة على التعليم عند حدود المناهج الدراسية، بل تمتد إلى المؤسسات التعليمية ذاتها، وفي مقدمتها مدارس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا". فحتى وقت قريب، كانت الوكالة تدير ست مدارس في الجزء الشرقي من المدينة، قبل أن تُغلق هذه المدارس عقب سنّ تشريعات تستهدف الوكالة الأممية. وخلال الأسابيع الأخيرة، استولت بلدية القدس التابعة للاحتلال على مجمّعين كبيرين تابعين للأونروا، تمهيدًا لافتتاح مدارس جديدة فيهما.
وفي مخيم شعفاط للاجئين، استولت بلدية الاحتلال على المدرسة الكبيرة التي بنتها الأونروا في ستينيات القرن الماضي في قلب المخيم. ومن المقرر أن يضم المبنى 14 صفًّا للمرحلة الثانوية، ومدرسة ابتدائية مختلطة للبنين والبنات، وخمس رياض أطفال للتعليم الخاص. أما المركز المهني الذي كانت الأونروا تديره حتى الأسبوع الماضي في كفر عقب شمال القدس، فتخطط البلدية لافتتاح مدرسة ثانوية للبنين فيه.
وتوضح البلدية أن افتتاح المدارس في المنطقتين، اللتين تقعان كلتاهما خلف جدار الفصل العنصري، سيخفف عن الطلاب عناء عبور الحواجز في طريقهم إلى الدراسة. وقد أدانت الأمم المتحدة والقنصليات الأوروبية في القدس بشدة الاستيلاء على مباني الأونروا، واعتبرت أن ذلك يشكل انتهاكًا لحصانة الأمم المتحدة وللقانون الدولي.
من جانبه، يرى مرصد الأزهر أن خطورة أسرلة التعليم في القدس الشرقية لا تكمن في تغيير المناهج فحسب، وإنما في السعي إلى إعادة تشكيل وعي الأجيال وطمس صلتها بتاريخ مدينتها وهويتها الوطنية، من خلال تهميش المنهج الفلسطيني وإحلال منهج يكرّس رواية الاحتلال، لا سيما مع حذف موضوعات أساسية من الرواية والتاريخ الفلسطيني أو تهميشها، وفي مقدمتها النكبة والأسرى والقدس.
ويحذر المرصد من أن استمرار هذا المسار يهدد بتحويل المدرسة من فضاء لحفظ المعرفة والهوية إلى أداة لفرض رواية الاحتلال على أجيال القدس، مؤكدًا أن حماية المنهج الفلسطيني ليست دفاعًا عن كتاب دراسي فحسب، وإنما دفاع عن ذاكرة مدينة وهوية شعب وحق أجيالها في معرفة تاريخها دون وصاية الاحتلال.
وحدة الرصد باللغة العبرية