انتكاسات متتالية للدعاية الصهيونية: كيف انهارت علاقة تل أبيب الخارجية بسبب تصريحات وزراءها؟

انتكاسات متتالية للدعاية الصهيونية: كيف انهارت علاقة تل أبيب الخارجية بسبب تصريحات وزراءها؟

  • | السبت, 12 سبتمبر, 2026
انتكاسات متتالية للدعاية الصهيونية: كيف انهارت علاقة تل أبيب الخارجية بسبب تصريحات وزراءها؟

تتوالى الضربات القاصمة التي تستهدف الرواية والدعاية الإسرائيلية عبر العالم في سلسلة لا تتوقف من الأزمات السياسية والإعلامية. ولم يكن تحطيم النصب التذكاري في قرية "مادما" الفلسطينية على يد عضو الكنيست تسفي سوكوت سوى أحدث حلقة في هذا المسار المتصاعد؛ بدءًا من المواجهات الدبلوماسية المباشرة مع إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، والدعوات الصريحة لـ "محو حوارة"، مرورًا بالتصريح الداعي لإسقاط "قنبلة ذرية على غزة"، والعودة للاستيطان في القطاع وتغيير الوضع القائم في المسجد الأقصى، وصولًا إلى إجراءات الضم والتوسع في الضفة الغربية.
إن هذه السلسلة من المواقف والقرارات الصادرة عن ائتلاف حكومة بنيامين نتنياهو شوهت صورة إسرائيل الخارجية، وفرضت عليها عزلة متزايدة، ووفرت أدلة اتهام مجانية ضدها أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي، حتى انتهى المطاف بفرض عقوبات غربية ودولية غير مسبوقة على وزراء بارزين في الحكومة.
تتجلى الخطورة في هذه الأحداث في كونها تصرفات موثقة ومباشرة؛ إذ إن دخول تسفي سوكوت إلى قرية "مادما" تحت حراسة الجيش الإسرائيلي وحرس الحدود، وإقدامه على هدم النصب التذكاري بالمطرقة أثار عاصفة استنكار واسعة داخل إسرائيل وخارجها. وعلى الرغم من محاولة سوكوت تسويغ خطوته بامتناع الجيش عن إزالة النصب، إلا أن الجيش رد بحدة واصفًا التصرف بـ "الكاذب والمتلاعب" لأنه ورّط الجنود وعرّضهم للخطر، فيما وصف مسؤولون في الخارجية الإسرائيلية الواقعة بأنها: "مسمار آخر في نعش الشرعية الإسرائيلية بالضفة". ورغم أن الحرب المستمرة وأعداد القتلى وحجم الدمار والأزمة الإنسانية في غزة هي المسببات الرئيسية للتدهور الدبلوماسي، إلا أن التصريحات الاستفزازية الصادرة عن قيادات الائتلاف الحاكم أجبرت تل أبيب باستمرار على التملص ومحاولة تقديم مبررات واهية أمام المجتمع الدولي.
بدأ الأمر بالإصلاح القضائي
بدأت الأزمة الاستثنائية مع أكبر حلفاء إسرائيل قبل هجوم السابع من أكتوبر بوقت طويل؛ إذ تحوّل مشروع "الإصلاح القضائي" الذي دفعت به الحكومة مطلع عام 2023 سريعًا من مسألة داخلية إلى خلاف دولي واسع الأبعاد. وعبّر الرئيس الأمريكي آنذاك جو بايدن عن قلقه البالغ بعبارات حادّة وغير مألوفة، مؤكدًا أن إسرائيل لا يمكنها الاستمرار في هذا المسار وممتنعًا عن دعوة نتنياهو للبيت الأبيض. وفيما دعا أعضاء بالكونجرس الأمريكي لاستخدام أدوات الضغط المتاحة لمنع المساس بالقضاء، رد نتنياهو برفض ما أسماه "الضغوط الخارجية"، لتنشأ أول مواجهة علنية بين الطرفين حول طبيعة الدولة ونظامها الديمقراطي.
"يجب على (الدولة) أن تمحو حوارة"
وقبل أن تهدأ أزمة الإصلاح القضائي، فجّر وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أزمة دبلوماسية جديدة عقب مقتل شقيقين إسرائيليين وما تبع ذلك من أعمال شغب للمستوطنين في قرية حوارة؛ حيث صرّح علنًا بـ "ضرورة محو قرية حوارة على يد إسرائيل". وعلى الرغم من محاولته التراجع لاحقًا ونفي قصده التحريض المدني، إلا أن الضرر السياسي كان قد تحقق بالفعل؛ إذ قاطعه مسؤولون في الإدارة الأمريكية في أثناء زيارته للولايات المتحدة، وامتنعوا عن الاجتماع به في ظل تصاعد التوتر حول سياسات الحكومة بالضفة.
"لا يوجد شعب فلسطيني"!
وبعد أقل من ثلاثة أسابيع من أزمة حوارة، أطلق سموتريتش تصريحًا أشد خطورة خلال خطاب ألقاه في باريس، زاعمًا أنه "لا يوجد شيء اسمه شعب فلسطيني". ولم تتوقف الأزمة عند التصريح، بل تفاقمت بسبب اعتلاء سموتريتش منصة كُشفت خلفها خريطة لـ "أرض إسرائيل الكاملة" تدمج حدود المملكة الأردنية الهاشمية. أثارت الخطوة غضبًا عارمًا في عمّان، ودُعي السفير الإسرائيلي لجلسة احتجاج رسمية، فيما طالب الاتحاد الأوروبي بالتنصل من هذه الادعاءات، مما اضطر تل أبيب لتقديم تطمينات رسمية وتأكيد التزامها التام بمعاهدة السلام مع الأردن.
إلغاء قانون فك الارتباط
وفي الشهر ذاته، أقر الكنيست تعديلًا تشريعيًّا على قانون "فك الارتباط"، يتيح مجددًا الوجود الإسرائيلي في المستوطنات المخلاة شمال الضفة الغربية. ورأت واشنطن في الخطوة انتهاكًا كبيرًا للتعهدات؛ حيث استدعت وزارة الخارجية الأمريكية السفير الإسرائيلي مايك هرتسوج في خطوة هي الأولى منذ 13 عامًا، ونُقل عنه وصف المسؤولين الأمريكيين للخطوة بأعمال "فاضحة" تثير قلقًا بالغًا.
بن جفير و"الدليل الذهبي" لمنتقدي إسرائيل
في أغسطس 2023، تسبب وزير الأمن القومي إيتمار بن جفير في أزمة دعاية كبرى حين صرح بأن "حقه وحق عائلته في التنقل بالضفة الغربية أولى وأهم من حق العرب في حرية الحركة". وصف سياسيون إسرائيليون هذا التصريح بـ "الكارثة الإعلامية"، مؤكدين أنه قدم لمنتقدي إسرائيل والجهات التي تتهمها بممارسة الفصل العنصري (الأبارتهايد) "دليلًا ذهبيًّا" مجانيًّا. ولقي التصريح إدانات شديدة من البيت الأبيض والاتحاد الأوروبي لمساسه بأسس حقوق الإنسان.
"قنبلة ذرية على غزة".. تصريح وصل إلى لاهاي
في نوفمبر 2023، وردًّا على سؤال صحفي حول ما إذا كان خيار إلقاء قنبلة ذرية على قطاع غزة مطروحًا، أجاب وزير التراث عميحاي إلياهو: "هذه إحدى الطرق". ورغم مسارعة نتنياهو للتنصل من التصريح، إلا أنه انتشر عالميًّا كالنار في الهشيم. وظهر الأثر القانوني الكارثي لهذا التصريح عندما أدرجته جنوب إفريقيا بندًا رئيسًا ضمن لائحة الدعوى التي رفعتها أمام محكمة العدل الدولية لإثبات "نية الإبادة الجماعية"، إلى جانب اقتباسات واستعارات أخرى لأعضاء بالائتلاف الحاكم مثل نسيم فطوري شعار "لا يوجد غير متورطين"، مما اضطر نتنياهو لمطالبة وزرائه صراحةً بالتفكير الحذر قبل إطلاق أية تصريحات.
عشرة وزراء في مؤتمر يدعو إلى العودة إلى غزة
في يناير 2024، انتقل الأمر من التصريحات الفردية إلى عمل جماعي؛ حيث شارك عشرة وزراء في "مؤتمر النصر" الذي دعا لإعادة الاستيطان اليهودي في قطاع غزة وشمال الضفة، ووقعوا على ميثاق الاستيطان وسط شعارات تطالب بـ "الترانسفير"، فيما صرح بن جفير بضرورة "تشجيع السكان على الرحيل طوعًا". تعارض هذا المؤتمر كليًّا مع الموقف الرسمي الذي كان يعرضه نتنياهو للعالم ومفاده أن هدف الحرب هو تفكيك حركة حماس وليس احتلال القطاع أو تهجير سكانه.
بن جفير والحرم القدسي: العالم العربي مجددًا، وواشنطن مجددًا
شكل المسجد الأقصى طوال ولاية الحكومة نقطة اشتعال دائم؛ ففي بداية 2023 أثارت اقتحامات بن جفير لباحات الأقصى إدانات حادة من الأردن ومصر والسعودية. وفي أغسطس 2024، تصاعدت الأزمة عندما صرح بن جفير من داخل الحرم القدسي بأن سياسته تسمح لليهود بالصلاة هناك، في حين حاول مكتب رئيس الوزراء نفي وجود أي تغيير في الوضع القائم. وعقبت واشنطن وباريس والاتحاد الأوروبي بأن هذه التصرفات الأحادية تعد استفزازًا غير مقبول يهدد الاستقرار.
"ربما يكون من العادل والأخلاقي" تجويع مليوني فلسطيني في غزة
في أغسطس 2024، أثار سموتريتش موجة استنكار دولية عارمة حين قال في مؤتمر صحفي: إن العالم لن يسمح لإسرائيل "بإماتة مليوني مدني جوعًا"، مضيفًا: "رغم أن ذلك قد يكون عادلًا وأخلاقيًّا حتى إعادة الرهائن". تصدر التصريح العناوين العالمية، وذكّرت وسائل الإعلام الدولية بأن التجويع المتعمد يعد جريمة حرب، فيما دعا مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل لفرض عقوبات مباشرة على سموتريتش وبن جفير بتهمة التحريض على جرائم حرب.
من التصريحات إلى السياسات: البؤر الاستيطانية والمستوطنات والضم الفعلي
بالتوازي مع الحرب، قاد سموتريتش بصفته وزيرًا في وزارة الدفاع خطة لتغيير معالم الواقع في الضفة الغربية؛ ففي يونيو 2024، شرعن مجلس الوزراء خمس بؤر استيطانية ووسع البناء وعاقب مسؤولين بالسلطة الفلسطينية. وعرض سموتريتش القرارات باعتبارها ردًّا انتقاميًّا على الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية. وفي فبراير لاحق، أثارت قرارات تعميق الضم والإعلان عن أراضٍ بوصفها أملاك دولة - إدانة مشتركة من ثماني دول، مؤكدة أن ما يجري تصعيد غير مسبوق لفرض السيادة، فيما أعلن البيت الأبيض عدم تأييده لهذه الخطوات.
قوانين الأونروا: عاصفة سياسية حظيت بدعم المعارضة
في أكتوبر 2024، أقر الكنيست بأغلبية ساحقة (92 صوتًا مقابل 10) قانونًا يحظر نشاط وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) داخل إسرائيل، إثر اتهامات بمشاركة موظفين فيها بأحداث 7 أكتوبر. ورغم الدعم الذي حظي به القانون من المعارضة، إلا أن التبعات السياسية كانت فورية؛ حيث دعت سبع دول كبرى لإيقاف التشريع، وصدرت تحذيرات أممية وأوروبية من تقييد المساعدات، فيما بدأت بريطانيا بمراجعة تراخيص تصدير الأسلحة لإسرائيل. ومع بدء إخلاء مقر الوكالة في القدس ونشر بن جفير مقطع فيديو من هناك، تجددت الانتقادات الدولية لسياسات تل أبيب.
ثم جاءت العقوبات على وزراء في مناصبهم
في يونيو من العام الماضي، كسرت دول غربية حاجزًا غير مسبوق في التعامل مع إسرائيل؛ حيث فرضت بريطانيا وكندا وأستراليا ونيوزيلندا والنرويج وفرنسا عقوبات شخصية قيّدت السفر وحظرت المعاملات المالية للوزيرين سموتريتش وبن جفير، متهمة إياهما بالتحريض على العنف والانتهاكات. ورغم مطالبة إدارة ترامب بإلغاء هذه العقوبات واعتبارها غير مفيدة، إلا أن مجرد فرض عقوبات رسمية على وزراء ممارسين ألحق ضررًا كبيرًا بسمعة إسرائيل الدولية.
E1: "محو لفكرة الدولة الفلسطينية"
قدم طرح مناقصات لبناء 1200 وحدة سكنية في المنطقة (E1) الواقعة بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم مثالًا على تقويض حل الدولتين؛ حيث أعلن سموتريتش بثقة أن "فكرة الدولة الفلسطينية قد مُحيت". وأثارت الخطوة تنديدًا من ست دول أوروبية كبرى، ودرست بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا اتخاذ إجراءات عقابية إضافية ضد (إسرائيل) ردًّا على فرض واقع يمنع قيام دولة فلسطينية متصلة الجغرافيا.
فيديو بن جفير ونشطاء أسطول المساعدات المتجه إلى غزة
في مايو من هذا العام، ظهر أحد أوضح الأمثلة على الضرر الإعلامي الذاتي؛ حيث صور بن جفير نفسه ونشر مقطعًا يظهره أمام نشطاء أجانب من أسطول المساعدات وهم مقيدو الأيدي وأوجههم للأرض بميناء أشدود، مُعلقًا: "انتهت العطلة". هاجمه وزير الخارجية جدعون ساعر علنًا قائلًا: "عرض مخزٍ، لقد تسببت في ضرر وأنت لست وجه إسرائيل". واستدعت 24 دولة السفراء الإسرائيليين للاحتجاج، وتصدر الفيديو وسائل الإعلام العالمية، مترافقًا مع شهادات المعتقلين حول تعرضهم لسوء المعاملة.
العلاقات مع إسرائيل وصلت إلى أدنى مستوياتها
تجسد الاستطلاعات الدولية الأثر التراكمي لهذه الممارسات والتصريحات؛ ففي فبراير من هذا العام، أظهر معهد "جالوب" نتيجة تاريخية غير مسبوقة، أظهرت تعاطف الأمريكيين مع الفلسطينيين بنسبة (41%) مقابل (36%) لـ(إسرائيل)، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2001. وأيد 57% من الأمريكيين إقامة دولة فلسطينية. كما ارتفعت النسبة النمطية الرافضة لسياسات إسرائيل في استطلاعات معهد "بيو" إلى نحو 60% من البالغين في الولايات المتحدة، مما أجبر الحكومة الإسرائيلية على إنفاق عشرات الملايين من الدولارات في حملات علاقات عامة تذهب سُدى أمام التصريحات المتواصلة لوزرائها.

وحدة الرصد باللغة العبرية

طباعة