كشف تقرير أعدَّته سارة خان، المستشارة الحكومية البريطانية السابقة لشؤون مكافحة التطرف، أن اثنين من كل خمسة بريطانيين يعتقدون أن المسلمين غير قادرين على الاندماج في المجتمع البريطاني، فيما يرى أكثر من نصف المشاركين في الاستطلاع أن الهوية الوطنية البريطانية آخذة في التراجع بسبب التنوع الثقافي. وأوضحت خان، التي شغلت حتى عام 2024 منصب أول مفوضة لمكافحة التطرف في المملكة المتحدة، أن هذه النتائج تتناقض بصورة ملفتة مع ما أظهرته استطلاعات أخرى للرأي تزامنت مع هذا الاستطلاع، كشفت عن أن 85% من المسلمين يفضلون الاندماج في المجتمع. وأشار التقرير إلى أن الخطابات المتطرفة باتت تستغل وتُروَّج من قبل جهات خارجية معادية وأطراف محلية ذات أجندات متطرفة، موجهًا النظر إلى أن الباحثين رصدوا 1784 فعالية ميدانية لليمين المتطرف، مقابل 225 فعالية للإسلامويين خلال مرحلة امتدت اثني عشر شهرًا.
وجاءت هذه النتائج ضمن تقرير حمل عنوان: "بريطانيا تحت الضغط: انهيار العقد الاجتماعي، وتراجع الثقة الديمقراطية، وتحول التطرف إلى تيار سائد"، حيث حذرت خان، خلال إطلاق التقرير، من أن الفرصة المتاحة أمام رئيس الوزراء الجديد لمعالجة حالة الانقسام المجتمعي وخطابات الكراهية أصبحت "محدودة للغاية". وقالت: "إن التحديات التي تواجهها بريطانيا اليوم أكثر عمقًا وخطورة مما كانت عليه عندما كنت مفوضة لمكافحة التطرف. فنحن لا نواجه تراجعًا عابرًا في الثقة، وإنما أزمة بنيوية ناجمة عن تآكل مزمن في ثقة المواطنين بالمؤسسات". وأضافت: "إن الوقت المتاح لمعالجة هذه الأزمة يكاد ينفد، وعلى الحكومة الجديدة أن تتحرك قبل أن تؤدي المخاوف المرتبطة بالعقد الاجتماعي إلى تقويض القيم الديمقراطية التي يقوم عليها المجتمع البريطاني"
كما أشارت خان، التي عملت أيضًا مستشارة حكومية مستقلة لشؤون التماسك المجتمعي والقدرة على الصمود بين عامي 2021 و2024، إلى أن مسألة الهوية البريطانية أصبحت إحدى أبرز نقاط الانقسام داخل المجتمع، مؤكدة أن الاعتقاد بأن التنوع يهدد الهوية الوطنية لم يعد رأيًا هامشيًّا، بل أصبح يمثل توجهًا واسع الانتشار بين البريطانيين.
وأظهرت نتائج الاستطلاع الذي أجرته مؤسسة "More in Common" المتخصصة في الأبحاث واستطلاعات الرأي أن 55% من المشاركين يعتقدون أن الهوية الوطنية البريطانية تتآكل بسبب التنوع، بينما رأى 31% أن غير البيض لن يكونوا بريطانيين بالقدر نفسه الذي يكون عليه البيض. جدير بالذكر أن نتائج هذا الاستطلاع كشفت عن أن 33% من المشاركين يؤيدون ما يُعرف بسياسة "الهجرة العكسية (Remigration)"، فيما يرى 42% أن المسلمين لا يمكنهم الاندماج في المجتمع البريطاني، وترتفع هذه النسبة إلى 71% بين مؤيدي حزب "إصلاح المملكة المتحدة".
وفي المقابل، أظهرت استطلاعات الرأي الخاصة بالمسلمين البريطانيين أن 85% منهم يؤيدون الاندماج، وذكر 88% أنهم يقيمون علاقات طبيعية مع أتباع الديانات الأخرى، بينما أكد 85% أنهم يتمتعون بحرية ممارسة شعائرهم الدينية. وفي الوقت نفسه، أفاد 64% من المسلمين البريطانيين بأنهم يعتقدون أن البيض "يعملون ضد المسلمين"، فيما رأى 56% أن اليهود فعلوا الشيء نفسه كذلك، بينما قال 27% : إنهم يعتقدون أن المحرقة (الهولوكوست) "قد اختُلقت أو جرى تضخيمها".
وتعليقًا على نتائج الاستطلاع، وصفت إيمان عطا، مديرة منظمة "تيل ماما (Tell MAMA)" المعنية برصد جرائم الكراهية ضد المسلمين ودعم ضحاياها، هذه النتائج بأنها "مقلقة للغاية"؛ وقالت: "إن مصطلح "الهجرة العكسية" أصبح يُستخدم من قبل الجماعات اليمينية المتطرفة والجماعات المعادية للمسلمين للترويج لفكرة أن المواطنين البريطانيين المسلمين ينبغي أن يكونوا جزءًا من عمليات الهجرة العكسية".
وأضافت عطا: "إن هذا الطرح القائم على التحيز والتعصب يتعارض مع المبادئ الأساسية للمملكة المتحدة، وفي مقدمتها سيادة القانون والعدالة والمساواة. وهناك تصدعات حقيقية تضرب العلاقات بين مكونات المجتمع، وإذا لم تتعامل الحكومة مع جذور هذه المشكلات بجدية، فإن البلاد مقبلة على مرحلة أكثر اضطرابًا".
من جانبه، يعرب مرصد الأزهر لمكافحة التطرف عن بالغ قلقه إزاء ما كشف عنه هذا التقرير من تصاعد المؤشرات الدالة على تنامي التصورات السلبية تجاه المسلمين في المجتمع البريطاني، وما يصاحبها من اتساع مساحة الخطابات الإقصائية التي تُشكك في قدرة المواطنين المسلمين على الاندماج، أو تدعو إلى أفكار متطرفة مثل ما يُعرف "بالهجرة العكسية". ويرى المرصد أن مثل هذه المؤشرات تمثل إنذارًا يستوجب التعامل معه بجدية، لما قد يترتب عليه من آثار سلبية تمس السلم المجتمعي والتماسك الوطني.
ويؤكد المرصد أن الاندماج الحقيقي لا يعني الذوبان أو التخلي عن الخصوصية الدينية والثقافية، وإنما يقوم على أساس المواطنة الكاملة، والالتزام بالقانون، والاحترام المتبادل، والمشاركة الإيجابية في بناء المجتمع. ومن ثم فإن التشكيك الجماعي في قدرة المسلمين على الاندماج، رغم إسهاماتهم المتعددة في مختلف المجالات، لا يخدم سوى الخطابات المتطرفة التي تسعى إلى تعميق الانقسام المجتمعي وترسيخ مشاعر الإقصاء والتمييز.
ويدعو المرصد الحكومات والمؤسسات المعنية في أوروبا إلى تعزيز السياسات الرامية إلى مكافحة جرائم الكراهية وخطابات التحريض، وتطوير آليات أكثر فاعلية لرصدها وتوثيقها، وضمان محاسبة مرتكبيها وفقًا للقانون، إلى جانب دعم المبادرات التعليمية والإعلامية التي تُعزز ثقافة التعددية والتعايش، وتُصحح الصور النمطية المغلوطة عن الإسلام والمسلمين.
كما يؤكد المرصد أهمية اضطلاع وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي بمسؤولياتها المهنية والأخلاقية في الحد من انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة، والالتزام بمعايير الدقة والموضوعية، وتجنب التعميمات التي تؤدي إلى وصم جماعات دينية أو عرقية بأكملها بسبب ممارسات أفراد أو جماعات متطرفة.
ويجدد مرصد الأزهر دعوته إلى توسيع مساحات الحوار والتواصل بين أتباع الأديان والثقافات المختلفة، وتعزيز المبادرات المشتركة التي تُرسخ قيم الاحترام المتبادل والتعاون الإنساني، انطلاقًا من أن التنوع يمثل مصدرًا للإثراء الحضاري، وليس سبيلًا للصراع أو الإقصاء، وأن حماية التماسك المجتمعي مسؤولية مشتركة تتطلب تضافر جهود المؤسسات الرسمية والدينية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني.
وحدة الرصد باللغة الإنجليزية