مأساة مسلمى الروهينجا

 

كلمة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية في ندوة دور الأزهر والفاتيكان في مواجهة ظواهر التعصب والتطرف والعنف‎

كلمة الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية في ندوة دور الأزهر والفاتيكان في مواجهة ظواهر التعصب والتطرف والعنف‎

الكلمة بعنوان دور الأزهر الشريف في مواجهة ظاهرة التعصب

دور الأزهر الشريف في مواجهة ظاهرة التعصب

إن الحقائق الإيمانية والقيم الإسلامية الحضارية تؤكد على سماحة الإسلام ونظرته الموضوعية لهذا العالم الذي يشتمل على أتباع الأديان والمذاهب والأفكار المختلفة، فمنذ أن أقام النبي (صلى الله عليه وسلم) دولته في المدينة، لم تكن رعية هذه الدولة مقصورة على المؤمنين بالإسلام بل كانت هناك تعددية، فقد عايش الإسلام أصنافًا شتي من الطوائف والملل والنحل والأديان والعقائد، وعايش أهل الكتاب وغيرهم من المشركين وعبدة الشمس، والكواكب، عايش البوذية والكنفوشية والهندوسية وغير هؤلاء...

ودعا الإسلام إلى الإحسان إليهم في المعاملة والمعاشرة، والتودد والبر والإنصاف قال تعالى: " لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ". [الممتحنة:8].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَلَا مَنْ ظَلَمَ مُعَاهِدًا أَوْ انْتَقَصَهُ أَوْ كَلَّفَهُ فَوْقَ طَاقَتِهِ أَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ فَأَنَا حَجِيجُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» (أبوداود 3/231).

ولم تكن تعاليم الإسلام مجرد عظات وإرشادات نظرية مجردة، وإنما صيغت في قوالب تشريعية وقانونية لتمارس على المستوى الرسمي في الدولة يُذعن لها المسلمون، ويقضى بها القضاة، ولذا استقر في الفقه الإسلامي أن تعامل المسلمين مع غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى وغيرهم ليس حرامًا ولا كفرًا.

إن الإسلام يقرر في أقدس نصوصه: أن المخالفة في الفكر والرأي والعقيدة والدين والمذاهب لا تستلزم العداوة والعدوان بأي شكل، ولا ينبغي أن تحول بين المسلم وبين أن ينشر المعروف ويفعل الخير مع من استطاع وأينما حلّ.

وأن الإسلام أقرّ مبدأ الحوار بين المسلمين وأصحاب الديانات السماوية وغير السماوية وبين أن العدل والتسامح والتعايش السلمي من أسس التعامل مع غير المسلمين.

إن الأزهر الشريف من منطلق مسؤوليته الدينية والتنويرية، لا يألو جهدًا في التنبيه المستمر على انحراف هذه الأفكار، وتصحيحها وتفنيد الشبهات المثارة ضد سماحة الإسلام وبيان أن الفكر المغلوط والمنحرف ليس من الإسلام، وأن من يتبنون هذا الفكر من الإسلام والقرآن والشريعة، أساؤوا إلى الإسلام بأكثر ممَّا أساء إليه أعداؤه، وشوهوا صورته السمحة النقية ، وإن النبي صلى الله عليه وسلم حذر من التعصب والغلو وقال: «أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ»، وفي قوله: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، أي: المغالون والمتجاوزون في الأقوال والأفعال.

إن التعصب ظاهرةٌ اجتماعيًّة شديدة الخطورة، وبخاصَّة عندما يتَّخذ أشكالًا عدوانيَّة عنيفة سافرة.

وللتعصب أشكال مختلفة، منها:

1 - التعصب الديني أو الطائفي .

2- التعصب المذهبي .

3- التعصب العرقي أو القومي أو القبلي.

4- التعصب الفكري: وهو التفكير دائمًا بصفة أحادية مع إلغاء الرأي الآخر ورفض تقبله ونقاشه.

إن التعصب ينتج عن أسباب كثيرة تؤدي إلى الوقوع فيه وتبنّيه فكرًا أو سلوكًا ومن أبرز هذه الأسباب ما يلي:

أولاً: قلة الفقه بالدين:

        لقد تجرأ بعض الناس على إصدار الأحكام - خاصة في الأمور العقدية - من خلال نظرتهم  غير المتعمقة في بعض الآيات القرآنية أو الأحاديث النبوية دون علم ببقية النصوص المتصلة بمناط الاستشهاد، أو أخذهم بالمتشابهات وترك المحكمات.

 

ثانيًا: التقليد الأعمى:

        والتقليد الأعمى ينشأ عن التعصب ، مع أن التقليد في أمور الفقه ضرورة شرعية لأننا لا نستطيع أن نوجب على كل إنسان أن يكون مجتهدًا. ولو فتح باب الاجتهاد لمن لا يملكون الأهلية العلمية، لوقعنا في أخطاء لا حصر لها، تخرج بنا عن الدين كله.

ثالثًا: الانطواء والتقوقع:

        يتخذ (المتعصبون) مواقف معينة من منطلق فهمهم وتفكيرهم.. وهم بطبيعة تعصبهم وتمحورهم لا يقتنعون برأي غيرهم، ولا يستطيعون أن يُقنعوا غيرهم، ويرى كل فرد منهم أن رأيه ووجهة نظره هي الدين وما سواها ضلال مبين.

رابعًا: عدم الاعتراف بالسببية:

        إن من أسباب التعصب غياب العقلية العلمية المنهجية التي تحترم السنن وقوانين الحركة التاريخية، وغياب فكرة السببية، وانهدام معايير التقويم والنقد والمراجعة، وإلغاء المقاصد والغايات من الفعل البشري، وطرح شعارات مضللة وإلباسها لبوس الدين.

خامسًا: الفراغ في حياة الشباب:

        إن الفراغ لدى الشباب وعدم استثمار الوقت فيما ينفع ويفيد يؤدي إلى حالة من التعصب وإلى تلقف ما يطرح من أفكار ومناهج منحرفة بالقبول والتسليم.

        والتأثر بما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي، وبعض وسائل الإعلام من كتابات تدعو إلى التشدد والغلو والتعصب.

سادسًا: اتهام الإسلام بصناعة التطرف والإرهاب:

        إن من أسباب التعصب الفكري الذي يصيب فئات من الشباب، اتهام الإسلام والمسلمين بالتطرف والإرهاب لأن إلصاق التهم بالإسلام وقيمه الإنسانية المشتركة، يؤدى إلى وجود حالة من التعصب بسبب التخويف من كل شيء إسلامي، ويؤدي إلى ردود فعل سلبية. بسبب الظلم واتهام الإسلام بأنه يصنع الإرهاب، وإن المسلمين يتعصبون وإرهابيون.

        إن التطرف والإرهاب موجود في كل الدنيا، ولعل من أبرز أسبابه الظلم الاجتماعي، والتسلط، والطغيان، والاستبداد السياسي، والتحكم في حياة الشعوب الفقيرة والمجتمعات النامية واستغلال الاختلافات المذهبية والقوميات لإشعال الحروب. ولكنه لم ينسب إلى دين، على الرغم من أن شعارات الأحزاب اليمينية في كثير من بلاد العالم دينية، ومسوغاتها دينية أيضًا، إلا بالنسبة للمسلمين.

سابعًا: عدم الانفتاح على الثقافات الأخرى:

        يؤدي الانغلاق وعدم الانفتاح على الثقافات والحضارات الأخرى إلى حالة من العزلة والجمود وعدم الإحساس بالحراك الثقافي والتنوع المعرفي الموجود في العالم مما يؤدي إلى حالة من ضيق الأفق ويفقد القدرة على التفاعل مع الآخر ويؤدي إلى غياب ثقافة الحوار، أو الحوار بين الثقافات.

        إن «التفاعل» مع الحضارات والثقافات العالمية، من موقع الراشد المستقل، يؤدي إلى التلاقح الثقافي والحضاري.

        لقد جعل الإسلام من الآخر الديني جزءًا من أولي الأرحام عندما أقام الأسرة -وليس فقط الأمة-على التنوع الديني. فأصبحت الزوجة الكتابية سكنًا يسكن إليها المسلم، وموضع محبته ومودته، بينهما ميثاق الفطرة. حتى لكأنهما ذات واحدة يجمعها لباس واحد.

إن من مظاهر التعصب ما يلي:-

        1- مُصادرة الرأي المخالف، أو عدم الالتفات إليه.

        2- تعطيل الرخص الشرعية والميل للتشدد وعدم التيسير بذريعة الغيرة على الدين.

        3- عدم إحسان التعامل مع المخالف أيًّا كان مسلمًا أو غيره.

        4- الحرص على تتبع أصحاب التوجهات الفكرية المنحرفة والأخذ عنهم والتأثر بهم.

       

 

 

علاج التعصب

        إن الإسلام دين واقعي ، لأن الله تعالى خلق الإنسان وهو أعلم بظروفه وطاقاته التكليفية، وقدرته على الاحتمال في كل ظرف وحال، لذلك فمن العبث الاعتقاد بأن الله يكلفه بما لا يطيق، أو يشرع ما لم يكن قابلًا للتطبيق ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك:13].

        ولذا فإن الله تعالى قال:" لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا" [البقرة:286] وقال: ﴿  لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾[الطلاق:7] وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ» وقال: «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا وَبَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا»، ولذا فإن من أهم سبل العلاج للتعصب بيان سماحة الإسلام ويسره ومراعاته لطاقات الإنسان وعدم إرهاقه وإن من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية: التيسير ورفع الحرج عن الناس وأن النبي صلى الله عليه وسلم: «ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما..».

        إن علاج التعصب يتطلب معرفة كيفية إدارة الخلاف حول الأسباب التي أدت إلى التعصب، ولذا فإن من أهم سبل العلاج للتعصب معرفة كيف ندير الخلاف، وكيف نتربى على قبوله، والإقرار بأنه حق إنساني، بل حق وواجب إسلامي، ونتعلم كيف نختلف، لأن ذلك ليس أقل شأنًا من أن نتعلم كيف نتفق، وكيف نصل إلى مرحلة الاعتراف (بالآخر)، وأن له كل الحق أن يكون له رأي كما أن لنا رأيًا.

        وإذا أحسنا إدارة الخلاف، وتحلينا بأدبه، تحول إلى اختلاف تنوع وتكامل وتعاون ونمو، وأصبح علامة صحة، وإثراء وإغناء للمسيرة.

        إن الأزهر الشريف أكد على أن التعددية بين الناس واختلافهم طبيعة قررها القرآن الكريم، ورتب عليها قانون العلاقة الدولية في الإسلام، وهو «التعارف» الذي يستلزم بالضرورة مبدأ الحوار مع من نتفق ومن نختلف معه، وهذا ما يحتاجه عالمنا المعاصر – الآن – للخروج من أزماته الخانقة، ومن هنا كان من الصعب على المسلم أن يتصور صب الناس والأمم والشعوب في دين واحد أو ثقافة واحدة، لأن مشيئة الله قضت أن يخلق الناس مختلفين حتى في بصمات أصابعهم.

        ومن هنا كان من الطبيعي والمنطقي أن ينفتح المسلمون على المسيحيين واليهود وعلى سائر الناس انفتاحًا لافتًا للنظر من خلال جسور العيش المشترك والسلام المتبادل.

إن الأديان إنما تُفهم من تعاليمها الإلهية ومن تطبيقات الأنبياء الذين حملوا هذه التعاليم وبلغوها للناس ودعوهم إليها.. هكذا كانت رسالة سيدنا محمد، وهكذا كانت رسالة سيدنا عيسى وسيدنا موسى وكل رسالات السماء إلى البشر.

ومع أن الأزهر دائم الاهتمام بتجديد خطابه ومناهجه التعليمية، إلا أنه ضاعف من هذه المهمة في السنوات الأخيرة، من خلال تدريس مقرر الثقافة الإسلامية في جميع مراحل التعليم في الأزهر الشريف لبيان سماحة الإسلام في معاملة الأديان الأخرى، واحترام تعاليم الإسلام للأديان، وبيان مشيئة الله تعالى في اختلاف أجناس الناس وألسنتهم وألوانهم، وإن اختلاف المسلم عن غيره لا يعني انعزاله عنه، وأن أول تعاليم الإسلام ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ والعدل في التعامل مع الناس مسلمين وغير المسلمين وأن الاختلاف في الدين لا يبيح الظلم لغير المسلمين، أو التعدي عليهم وأن الإسلام يحترم إنسانية الإنسان دون النظر إلى دينه أو مذهبه أو لونه، أو لغته، لأن الإنسانية أسرة واحدة في ظل مواطنة عالمية تقوم على التعارف والتآلف والتواصل كل ذلك وغيره من الموضوعات العلمية التي ترسخ لثقافة التعددية والتنوع في مواجهة الغلو والتعصب.

أشكر لكم حسن استماعكم..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الموضوع السابق قافلة الأزهر تواصل عملها في "الواحات البحرية" بتوقيع الكشف الطبي على 1878 حالة و 49 عملية
الموضوع التالي باحث يسلط الضوء على جهود فريد وجدى فى خدمة الإسلام
طباعة
2491

أخبار متعلقة