مأساة مسلمى الروهينجا

 

مظاهر التضليل في الخطاب الداعشي  .. (2) الاعتماد على بعض النصوص دون بعض .
مدير بوابة الأزهر

مظاهر التضليل في الخطاب الداعشي .. (2) الاعتماد على بعض النصوص دون بعض .

أ.د/ أسامة نبيل المشرف العام على مرصد الأزهر

إن المتتبع لأصحاب الأفكار والدعوات الهدامة على مر التاريخ يجد تشابها إن لم يكن تطابقا في الأساليب المتبعة في التضليلبينهم جميعا، واستكمالا لما سبق إيضاحه من مظاهر التضليل في الخطاب الداعشي الذي يستدرج به الشباب والمنضمين من جميع أنحاء العالم يأتي هذا المقال ضمن سلسلة طويلة نفردها لفضح وتبيين زيف أساليبهم الملتوية التي يعتمدون عليها .

إن من الأساليب التي اعتمد عليها الخطاب الداعشي في تضليل أتباعه وجذبهم إليه عملية ( الأحادية في التفكير والطرح ) حيث نجدهم في إصداراتهم ينتقون النصوص الدينية التي يوهم ظاهرها دعم مواقفهم العدائية للحياة والسلام متجاهلين أن التشريع الإسلامي لم يأت لطائفة أو فئة دون الأخرى وإنما جاء شموليا ليناسب كل الفئات وكل العصور والأزمان إذ هو خاتم الأديان والرسالات السماوية كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم "..وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ"، ومتجاهلين النصوص الأخرى التي بالجمع بين بعضها البعض تهدم مذهبهم الدموي الإرهابي وتأتي عليه من أساسه فلا تبقي له باقية، عجبا لكم! " أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ " (البقرة:85) .

ولتتضح الصورة أكثر نذكر أمثلة على ذلك من كتاباتهم منها ما نشروه في مجلة دار الإسلام الصادرة عنهم باللغة الفرنسية بعنوان " إحياء الرق قبل قيام الساعة " عن وجوب قتال المشركين وألا يُتركوا إلا أن يسلموا وإلا فالقتل مصيرهم ثم يستدلون على ذلك بآية سورة براءة " فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم " ( التوبة:5) متجاهلين أن هذه الآية جاءت في عدة آيات كوحدة واحدة في أحكام مشركي مكة وأن هذا الحكم خاص بهم وحدهم وأن الآيات التي تبعت هذا الآية جاء فيها: " أَلاَ تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَّكَثُواْ أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّواْ بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُم بَدَؤُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَوْهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " (التوبة : 13) فكان التحريض السابق بقتال المشركين المكيين وعدم قبول أمر منهم سوى الإسلام أو القتل ردا على عدوانهم السابق من نكث الأيمان والهم بإخراج الرسول من مكة وابتدائهم قتال المسلمين واضطهادهم، يتجاهل الداعشي هذه الوحدة التي تجعل حكمه بقتال اليزيدين باعتبارهم مشركين حكما باطلا لا أساس له من الصحة .

وفي مقال آخر عن أحكام الهجرة يحكمون بأن جميع أرض الله بلاد كفر تجب الهجرة منها مستدلين على ذلك بقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم " لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار" متجاهلين عن عمد وقصد الأحاديث التي تنفي وجوب الهجرة كقوله صلى الله عليه وآله وسلم فيما رواه الإمام البخاري في صحيحه عن ابن عباس " لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " وكقوله صلى الله عليه وآله وسلم لمن جاء يبايعه على الهجرة: " لا هجرة بعد فتح مكة، ولكن أبايعه على الإسلام " وأن العلماء جمعوا بين هذه الأحاديث بقولهم أن الهجرة التي انقطعت هي الهجرة من مكة إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأن

الهجرة الباقية هي هجرة الكفر والسوء والسكن بأي مكان شريطة أن يستطيع أن يعبد الله فيه غير مكرها ولا مضطهدا امتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لفديك حين قال له: يا رسول الله إنهم يزعمون أنه من لم يهاجر هلك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا فديك أقم الصلاة، وآت الزكاة، واهجر السوء، واسكن من أرض قومك حيث شئت ) وأنه على قولهم أن الأرض جميعها بلاد كفر فليست كل بلاد الكفر تجب الهجرة منها، وإنما تجب حال عدم التمكن من العبادة.

وفي مقال آخر لهم بعنوان " شريعة الله أم شريعة البشر" نراهم يحرضون أتباعهم على القتال مستدلين بقوله تعالى " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " ( الأنفال:39) متجاهلين أن هذا النص إنما كان في مشركي مكة وأن المراد بالنص هنا " وقاتلوهم حتى لا يفتن مسلم عن دينه وحتى لا يبغى على مسلم، أو حتى لا يرد مسلم عن الإيمان إلى الكفر"، ولم يذكروا قوله تعالى " وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله " ( الأنفال:61) وتغافلوا قوله تعالى " لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين " (الممتحنة:8) وأنهما آيتان حاكمتان على كل قتال بين المسلمين وغيرهم في كل زمان ومكان .

فنراهم في كل موقف ينتقون النص الذي يناسب أفكارهم غير عابئين ولا ملتفتين إلى النصوص الأخرى التي تقلب أحكامهم جهلا وحماقة ليسا من الإسلام في شيء .

إنهم بمثل هذه الآيات والأحاديث الجزئية يجتذبون الشباب السذج ويمارسون عليهم سلطة دينية تجعل ما يقولونه الحق المطلق متجاهلين ما عداه .

وما أشبه الليلة بالبارحة، فإن هذا الذي تمارسه داعش هو عين ما فعله الخوارج الأول من قبل فاستحلوا به الدماء والأعراض وفرقوا كلمة المسلمين فصدق فيهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم " يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية " .

إننا نهيب بشبابنا أن يعملوا عقولهم قبل الانخراط في مثل هذه التنظيمات الإجرامية وأن يعودوا إلى الأزهر الشريف في مثل هذه الشبهات التي تروج لها داعش على أنها دين الله ورسوله وليست منه في شيء اللهم إلا التمسح بالأسماء والمصطلحات الإسلامية وتفريغها من مضمونها وحشوها بأفكارهم الضالة المضلة لتناسب مزاجهم المنحرف في العدوان والدموية .

الموضوع السابق مظاهر التضليل في الخطاب الداعشي .. (1) التعميم
الموضوع التالي الأزهر الشريف يجدد إدانته للجرائم الصهيونية بحق المسجد الأقصى .. ويحذر من الدعوات المغرضة للتظاهر بالجامع الأزهر
طباعة
4101

أخبار متعلقة