مأساة مسلمى الروهينجا

 

هيثم أبوزيد.. يكتب: السنة النبوية وسهام الجهلاء
Anonym

هيثم أبوزيد.. يكتب: السنة النبوية وسهام الجهلاء

لا يصادر الإسلام حق أحد فى التعرف على أدلة الأحكام الشرعية، ولا يغلق الباب فى وجه مستزيد من دقائق الفقه أو التفسير أو الحديث، ولا يمنع أحدا من تكوين رؤية شخصية متى بناها على أساس علمى، بعد أن يستكمل أدواته اللازمة للتعامل مع مدونات التراث.. لكننا ابتلينا فى أيامنا هذه بمن يستسهل إصدار الأحكام، وبمن يتطاول على الأئمة ويسفه جهودهم، دون أن يلم بالحد الأدنى لا من مبادئ العلم الذى يتصدى له، بل من الأدوات الأولية وعلى رأسها القراءة السليمة وفقا لقواعد النحو والصرف والإملاء.

وكان لدواوين السنة عموما، وصحيح البخارى على وجه الخصوص النصيب الأوفى من هذا النقد الجاهل السطحى، فوجدنا من يتهم البخارى بالكذب، لأن كتابه حوى أحاديث يزعم المنتقد أنها مخالفة للقرآن، أو للأخلاق، أو لحقائق العلم.

وحقائق التاريخ تقرر أنه منذ أن فرغ محمد بن إسماعيل البخارى من تصنيف كتابه «الجامع الصحيح» لم يتوان أئمة هذا الفن وكبار صيارفة الصناعة الحديثة من وضع الكتاب فى ميزان نقد حساس دقيق.

ولعل أول انتقاد سمعه البخارى بأذنيه جاءه حين عرض كتابه على مجمع من الراسخين فى العلم، على رأسهم أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وعليّ المدينى، فقالوا له «إن كتابك صحيح، إلا أربعة أحاديث».. لكن أبا جعفر العقيلى ناقل الحكاية يرى أن القول فى الأحاديث الأربعة كان قول البخارى لا منتقديه.

والانتقاد العلمى لأحاديث قليلة جدا فى صحيح البخارى استمر إلى العصر الحديث، لكن كل المنتقدين، على تفاوت أزمانهم، واختلاف مناهجهم، تعاملوا بإجلال وإكبار مع الجهد الجبار والمنهج الصارم الذى اختاره البخارى فى جمع أحاديث كتابه.. والإمام مسلم بن الحجاج لم يقبل بكل ما رواه البخارى، لكنه يخاطبه قائلا: «دعنى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث فى علله».. أما الإمام الترمذى فيقول: «لم أر أحدا بالعراق، ولا بخراسان، فى معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد كبير أحد أعلم من محمد بن إسماعيل».. وأقوال معاصريه من شيوخه وتلامذته فى علمه وفضله وإمامته ودقة منهجه فوق الحصر.

ولأن أكثر المنتقدين لا حظ لهم من علم راسخ، فهم يظنون أن الحديث إذا صح أصبح سيفا مسلطا على الرقاب، وألا مجال للنجاة منه إلا بوصفه بالضعف، والحقيقة أن الصحة والضعف معان اصطلاحية، وهى فى حقيقتها تخص المحدثين، الذين يدونون الأحاديث فى كتبهم بعد الحكم عليها.. أما تنزيل الحديث على الأرض، واستخراج الحكم الفقهى منه، فهو مهمة الفقهاء لا المحدثين.

وعبر تاريخنا العلمى، رفض فقهاء أحاديث صحيحة، لأسباب مبسوطة فى أصول الفقه ومناهج الاستدلال.. الإمام مالك مثلا، يقدم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح، بل إنه لم يأخذ فى مذهبه الفقهى ببعض الأحاديث التى رواها هو فى الموطأ.

وفرق أئمة الإسلام بين أقوال النبى وأفعاله التى قصد بها التبليغ أو التشريع، وبين أقواله وأفعاله التى تأتى بالطبيعة البشرية وما جبل عليه أى إنسان فى بيئته وزمانه.. إذ إن الخلط فى هذا الباب أدى إلى التخبط والغلو والاستغراق فى الشكليات، وقلب سلم الأولويات.

روى الخطيب البغدادى، أن رجلا جاء إلى الأعمش، فسأله عن مسألة، وأبوحنيفة جالس، فقال الأعمش: يا نعمان، قل فيها، فأجاب أبوحنيفة السائل، فقال الأعمش: من أين لك يا نعمان بهذه الإجابة، فقال أبوحنيفة: من الحديث الذى حدثتنى أنت به، فقال الأعمش: يا معشر الفقهاء، أنتم الأطباء ونحن الصيادلة.

فاستخراج الحكم من الحديث عمل الفقيه لا المحدث، ولا يمكن التصحيح والتضعيف بالهوى والمزاج، وإنى والله لأحترم فريقين، أراهما قد التزما منهجا، ووضعا لأنفسهما قانونا: الأول، من يقول نقبل الحديث ما دامت روايته صحيحة، وأصح الروايات ما اتفق عليه البخارى ومسلم، ولا نرده حتى لو تعارض ظاهريا مع غيره، أو مع ظاهر بعض آيات القرآن، أو خالف فى ظاهره العقل، ولم يكن بالإمكان تأويله، والفريق الثانى من يتخذ موقفا علمانيا، ويقول هذه الأحاديث تمثل حقيقة الإسلام، فأنا أرفض الإسلام، ولا أقبل كلاما يخالف العقل.

أما هؤلاء الذين يردون الحديث لأنه «دمه تقيل»، مهما كانت درجة ثبوته، وكل بضاعتهم تتلخص فى عبارة «لا يمكن إن الرسول يقول كده».. فقد رضوا بجهلهم وافتخروا به ثم زعموا جهالتهم تنويرا.

ليس الوحى سواء فى الإلزام، وحتى فى القرآن الكريم، فليس كل أمر قرآنى يعنى الوجوب، مثال: يقول الله تعالى: «فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم».. وكل العلماء والمفسرين وأئمة جميع المذاهب يرون أن من ترك الاستعاذة قبل القراءة فلا شىء عليه، هذا الشأن فى القرآن، فما بالكم بالحديث.. والمؤكد أن ليس كل أمر فى الحديث يعنى الوجوب، وأن تاركه أو مخالفه آثم، ويمكن عدم الأخذ بالحديث دون إصدار حكم بتضعيفه.

وفى مسألة التطاول على علماء الحديث يحضرنى قول الشاعر: لقد هزلت حتى بدا من هزالها كُلاها وحتى سامها كل مفلس.. فعلى الجانبين، يتكلم من لا يعرف من علم الحديث شيئا، ومن لا يمكنه إعراب جملة مفيدة، ومن لا يحسن كتابة الهمزات فى الإملاء، ومن جعل من الفيس بوك مصدرا للعلم الشرعى، ومن لم يقرأ البخارى كاملا فى حياته، ومن لم يقرأ سطرا فى أصول الفقه.

إن أعظم ما نقدمه فى ذكرى ميلاد النبى صلى الله عليه وسلم، أن ننشر سبل التعامل الواعى مع السنة النبوية، ومدونات الحديث، بعيدا عن غلو المتطرفين، وجمود أصحاب الفهم الحرفى المحبوسين فى الألفاظ والمصطلحات، وأيضاً بعيدا عن الغلو المقابل، عند من يريدون هدم منظومة علمية مستقرة، فقط لأنهم لا طاقة لهم بفهمها، ولا قدرة لديهم على استيعابها.

الموضوع السابق سليمان جودة.. يكتب: سوريا تستحق.. فلا تخذلوها!
الموضوع التالي الدكتور طه أبو كريشة.. يكتب: "لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة"
طباعة
2008

أخبار متعلقة